بغداد اليوم – بغداد
لم تعد قضايا الخيانة الزوجية في العراق حبيسة الجدران المغلقة أو ملفات المحاكم فقط، بل انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى واجهة منصّات التواصل الاجتماعي، عبر صور ومقاطع فيديو ورسائل مسرّبة تُنشر أحياناً بشكل واسع، لتتحوّل من نزاعات شخصية وأسرية إلى قضايا رأي عام، تُناقَش في التعليقات والبثوث المباشرة وتتصدّر "الترند" بين الحين والآخر. هذا التحوّل فتح باباً واسعاً للجدل؛ بين من يرى في النشر فضحاً لـ"الخطأ الأخلاقي" وردعاً للآخرين، ومن يراه انتهاكاً خطيراً للخصوصية وتدميراً لأُسر وأطفال قد لا يد لهم فيما يُتداول من محتوى.
في هذا السياق المتشابك، تتداخل الأبعاد القانونية والاجتماعية والنفسية والدينية والإعلامية، ليصبح السؤال أبعد من مجرد "قصة خيانة"؛ ويتحوّل إلى نقاش أوسع حول معنى الخصوصية، وحدود الفضيحة، ومسؤولية الأفراد والمجتمع والقانون في التعامل مع هذا النوع من المحتوى الحساس.
البعد القانوني.. بين مفهوم الخيانة وجريمة الزنا
بهذا الصدد، أوضح الخبير القانوني حسين الطائي، أن "قانون العقوبات العراقي لا يتضمن مصطلح الخيانة الزوجية، وإنما ينص على جريمة الزنا"، مبيناً أن "هذه الجريمة تُقام بدعوى يقدمها الزوج أو الزوجة حصراً، وتخضع لنصوص قانونية محددة قد تصل عقوباتها إلى السجن لسنوات، كونها تُحال إلى محاكم الجنايات".
وقال الطائي، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إن "العقوبة تخضع للتقدير القضائي، وقد تتراوح بين سنتين أو ثلاث سنوات وربما أكثر"، لافتاً إلى أن "الإشكالية الأساسية تكمن في صعوبة إثبات الجريمة، إذ تتطلب أدلة وبراهين قانونية واضحة".
في التطبيق العملي، لا يكفي وجود "شبهات" أو محادثات أو مقطع مصوَّر متداول على منصات التواصل لإدانة شخص بجريمة الزنا أمام القضاء، فالقانون يتعامل مع هذه القضايا وفق معايير صارمة للإثبات، ترتبط أحياناً بشهود أو اعترافات أو ضبط في حالة تلبّس وفق ضوابط محددة. لهذا، يبقى الفارق كبيراً بين "الحكم المجتمعي" السريع الذي يصدر في فضاء الإنترنت، وبين "الحكم القضائي" الذي يحتاج إلى مسار قانوني كامل وإجراءات تحقيق وضمانات للمتهم والمشتكي في آن واحد.
التصوير والنشر.. جريمة أخرى خارج إطار الزنا
وأضاف الطائي أن "تداول الصور أو مقاطع الفيديو بين أشخاص لا يعني بالضرورة وقوع جريمة الزنا أو الخيانة الزوجية، بل تخضع هذه الأفعال لنصوص قانونية أخرى تختلف من حيث الوصف والعقوبة، وقد تترواح بين الغرامة المالية أو الحبس البسيط، تبعاً لطبيعة القضية وتقدير المحكمة".
هنا يبرز بعد قانوني شديد الحساسية: من يقوم بالتقاط الصور أو تسجيل الفيديو سراً؟ من ينشره على المنصات أو يسرّبه إلى الصفحات؟ وهل يملك حق نشره حتى لو كان متضرراً عاطفياً أو معنوياً؟ كثير من هذه القضايا قد تندرج في إطار انتهاك حرمة الحياة الخاصة، أو التشهير والقذف، أو نشر مواد مخلة بالحياء، وهي جرائم بحد ذاتها، قد تؤدي إلى ملاحقة من نشر المحتوى، حتى لو كان يحاول "فضح" ما يراه خطأً أخلاقياً أو خيانة شخصية. بذلك، يصبح بعض الضحايا "مزدوجي الخسارة": خيانة من الداخل، وفضيحة علنية في الخارج، ثم متاهة قانونية معقّدة قد تطال أطرافاً عدة في القضية نفسها.
الخيانة ليست ظاهرة جديدة.. الجديد هو الفضح العلني
من جانبه، أكد الخبير في الشؤون الاجتماعية قاسم حسن، أن "الخيانة الزوجية ليست ظاهرة طارئة أو وليدة اللحظة، بل هي موجودة في المجتمع منذ زمن طويل"، موضحاً أن "الاختلاف اليوم يتمثل في التطور الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تشكل حيزاً واسعاً في حياة المواطنين، ما أدى إلى كشف هذه الحالات وتضخيمها".
وبيّن حسن، في حديث لـ"بغداد اليوم"، أن "بعض ما يُنشر يتم تضخيمه والمبالغة فيه، إلا أن لذلك ارتدادات خطيرة على المجتمع، كونه يمس القيم الأخلاقية والبنية الاجتماعية"، مشيراً إلى أن "الاطلاع على حجم القضايا المسجلة داخل مراكز الشرطة قد يكشف صورة أكثر قتامة مما يظهر على مواقع التواصل".
هذا يعني أن ما نراه على الشاشات ليس بالضرورة "كل القصة" ولا "كل الواقع". فالقضايا التي تصل إلى المنصات ليست سوى جزء من مشهد أوسع، تُدار فيه كثير من النزاعات بصمت داخل البيوت أو في المحاكم بعيداً عن العيون. لكن ما تضيفه منصات التواصل هو عنصر "التشهير العلني" الذي يحوّل القضية من خلاف بين شخصين إلى معركة مفتوحة أمام جمهور واسع، يشارك في إصدار الأحكام والتعليقات والسخرية، وأحياناً التحريض، في حين يظل الأطفال والأسر في الخلفية يدفعون الثمن النفسي والاجتماعي بصمت.
الأثر النفسي والأسري.. ضحية ثالثة لا تُرى بوضوح
على مستوى الأسرة، لا تقف التداعيات عند حدود الزوج أو الزوجة المتَّهَمين بالخيانة أو الظلم، بل تمتد إلى الأبناء الذين يجدون أنفسهم فجأة موضوعاً للحديث في المدرسة أو الحي أو وسط الأقارب، بسبب مقطع أو صورة انتشرت لواحد من الوالدين. هذه الصدمة قد تترك آثاراً عميقة على ثقتهم بأنفسهم وانتمائهم الأسري، وتزيد من احتمالات التنمّر والعزلة، وتولّد شعوراً بالعار لا علاقة لهم بصناعته.
كما أن الطرف الذي يتعرض للخيانة يتحوّل غالباً إلى "ضحية مضاعَفة": يُجرَح على المستوى العاطفي، ثم يُضغط عليه أحياناً لنشر القصة أو السكوت عنها، وفي كلتا الحالتين يتعرض لمحاكمات قاسية من المحيط؛ بين من يلومه لأنه "سكت" ومن يلومه لأنه "فضح". هذه الدوامة النفسية تخلق حالة من الاحتقان الداخلي، وقد تدفع بعض الضحايا إلى قرارات متسرعة مثل الطلاق الفوري أو الانعزال أو حتى سلوكيات انتقامية، بدلاً من التفكير في مسار قانوني منظم أو دعم نفسي واجتماعي متوازن.
النوع الاجتماعي وصورة المرأة والرجل في خطاب الفضائح
تُظهر متابعة النقاشات على منصات التواصل أن الفضائح المرتبطة بالخيانة غالباً ما تُحمّل المرأة وطأة أكبر من الرجل، سواء في حجم التنمّر أو لغة التخوين أو التشكيك في "الشرف"، في حين يُعامل الرجل أحياناً بمعايير أكثر تساهلاً، أو يُعاد توصيف سلوكه كـ"نزوة" أو "خطأ يمكن تجاوزه". هذا التفاوت في الحكم الأخلاقي يكرّس نظرة غير متوازنة للأدوار الجندرية، ويعمّق الصورة النمطية التي تربط شرف الأسرة بسلوك المرأة وحدها، رغم أن الخيانة ـ قانونياً وأخلاقياً ـ فعل مشترك في أغلب الحالات.
في المقابل، قد تتعرض بعض النساء أو الرجال لاتهامات بالخيانة على منصات التواصل من دون دليل واضح، أو بوثائق مفبركة أو مجتزأة، وهو ما يضع حياتهم الشخصية ومكانتهم المهنية والاجتماعية على المحك، ويجعلهم ضحية لخطاب كراهية وتنمّر يصعب احتواؤه حتى بعد ثبوت براءتهم.
مسؤولية المنصات والصفحات.. بين حرية النشر وأخلاقيات المحتوى
مع تزايد صفحات "الفضائح" أو الحسابات التي تسعى وراء "الترند" بأي ثمن، يصبح السؤال عن مسؤولية هذه المنصات أكثر إلحاحاً. فالنشر من أجل زيادة التفاعل والمشاهدات، من دون مراعاة لخصوصية الأطراف أو سلامتهم النفسية والاجتماعية، يحوّل حياة الناس إلى مادة استهلاكية تُستهلك في تعليقات سريعة، ثم تُنسى على مستوى الجمهور، بينما تبقى آثارها عميقة لدى المعنيين بها.
من الناحية الأخلاقية، لا يمكن فصل حرية التعبير عن مسؤولية حماية الكرامة الإنسانية، ولا يمكن اعتبار نشر المقاطع الحساسة وسيلة "للردع الأخلاقي" ما لم يمر عبر قنوات قانونية وإعلامية مهنية تراعي حقوق الأفراد وتحمي الضحايا، خاصة الأطفال والنساء والفئات الأضعف.
بين القانون والمجتمع.. ماذا يمكن فعله؟
في ضوء هذا المشهد المعقّد، تبدو الحاجة ملحة إلى جملة خطوات متوازنة، من بينها:
-زيادة الوعي القانوني لدى المواطنين، بأن تصوير أو نشر محتوى حساس قد يضع الناشر نفسه تحت طائلة القانون، حتى لو كان يظن أنه "ينتصر للحق".
-تشجيع اللجوء إلى المسارات القانونية والمؤسسات المختصة (المحاكم، مراكز الشرطة، وحدات العنف الأسري) بدلاً من تحويل القضايا إلى "محاكم جماهيرية" على الإنترنت.
-تعزيز دور الاستشارات الأسرية والنفسية في التعامل مع حالات الخيانة أو الشك فيها، لئلا تتحول اللحظة الانفعالية إلى قرار مدمر أو فضيحة عامة.
-دعوة وسائل الإعلام إلى تغطية هذه الظواهر بلغة متزنة تحترم الخصوصية، وتبتعد عن الإثارة الرخيصة وإعادة نشر المحتوى الفاضح أو الإشارة المباشرة إلى الضحايا.
وشدد الخبير الاجتماعي قاسم حسن على "ضرورة الانتباه إلى خطورة هذه الفضائح وتأثيرها السلبي على المجتمع، لما تحمله من إساءة للقيم والركائز الاجتماعية، فضلاً عن تداعياتها النفسية والأسرية"، مضيفاً أن التعامل مع هذه الملفات "يتطلب وعياً فردياً ومجتمعياً، وإدراكاً بأن الضغط على زر إعادة الإرسال أو المشاركة قد يكون بداية لسلسلة أذى لا يمكن توقّع مداها".
في النهاية، تبقى الخيانة ـ أياً كان توصيفها ـ مشكلة إنسانية وقانونية وأخلاقية، لكن تحويلها إلى محتوى علني على منصات التواصل يزيد من تعقيدها ولا يقرّبها من الحل. وبين حق المتضرّر في الإنصاف، وحق الأفراد في الخصوصية، ومسؤولية المجتمع في حماية قيمه من دون تحويل حياة الناس إلى فرجة، يقف القانون والأخلاق والدين أمام امتحان صعب، يحتاج إلى عقل بارد وقلب مسؤول أكثر من حاجته إلى غضب لحظي وتعليقات عابرة.
تقرير: محرر قسم الشؤون المحلية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات