سياسة / ملفات خاصة / أمن 2-12-2025, 12:28 | --
+A -A

السلاح والدولة


تحت ضغط الصدر والمدنيين والخزانة ووزارة الحرب.. هل تفاوض الفصائل أمريكا خلف الكواليس؟

بغداد اليوم - بغداد

تتقاطع خلال الأيام الأخيرة سلسلة تقارير إعلامية غربية وعربية تتحدث عن محاولات تجري “خلف الستار” لفتح قنوات اتصال بين بعض الفصائل العراقية والولايات المتحدة، في إطار ما تصفه تلك التقارير بـ“معادلة جديدة” تُعاد هندستها بعد الضربات الواسعة التي طالت قيادات من محور المقاومة في سوريا ولبنان والعراق، وبعد الإجراءات الأمريكية التي طوقت مصادر التمويل والحركة والتسليح، ما جعل هذه التقارير تتحول إلى مادة مركزية للنقاش داخل بغداد حول ما إذا كانت الضغوط المركبة قد دفعت الفصائل إلى مراجعة خطابها وأدواتها، أم أن كل ما يُنشر في هذا السياق لا يتجاوز محاولة لخلق انطباع بأن العراق دخل مرحلة إعادة تموضع قسرية لا يقر بها أحد علناً لكنها تسير كتيار سفلي لا يمكن تجاهله.

ومع أن الفصائل ما تزال في خطابها العلني متمسكة بنبرة ثابتة لا تعترف بوجود أي شكل من أشكال التواصل مع الجانب الأمريكي، فإن البيئة التي تحيط بها اليوم تختلف بصورة جوهرية عن السنوات السابقة، حيث لم تعد الضغوط تقتصر على الاستهدافات العسكرية أو التلوّح بالعقوبات، بل تحولت إلى ضغط اجتماعي داخلي يتنامى داخل المدن شيعياً ومدنياً، ويتغذّى من حالة الإنهاك الاقتصادي وتراجع مستوى الخدمات واتساع فجوة الثقة بين الجمهور والقوى المسلحة، وهو ضغط يتزامن مع صعود خطاب التيار الصدري وقوى مدنية مؤثرة، يطالب بحصر السلاح واستعادة الدولة من هيمنة القوى العسكرية المتشابكة مع السياسة، ما جعل الفصائل تقف للمرة الأولى أمام معادلة مركبة يكون فيها الداخل أكثر إلحاحاً من الخارج.

وفي هذا السياق، يبرز حديث المصدر المقرّب من الفصائل بوصفه محاولة لإعادة تثبيت رواية داخلية تتعارض مع موجة التقارير الإعلامية التي تحدثت عن “اتصالات غير معلنة”. إذ قال لـ"بغداد اليوم" إن “الفصائل العراقية، بمختلف عناوينها، كانت ولا تزال واضحة وثابتة في أهدافها ومبادئها، وتتعامل بشفافية مع الرأي العام العراقي ومع قواعدها الشعبية”، نافياً بشكل قاطع وجود أي قنوات اتصال مع الأمريكيين، سواء كانت سرية أو مباشرة، ومؤكداً أن “تعامل الفصائل يتم حصراً مع الحكومة العراقية من خلال حوارات مباشرة”. ويضيف أن “سلاح المقاومة هو سلاح الشعب العراقي ولن يجري التخلي عنه تحت أي ضغط أمريكي”، مشدداً على أنه “لم يُستخدم ضد أي حزب أو تيار سياسي، بل كان وما يزال لحماية أمن العراقيين”. ويختم بالقول إن “مواقف الفصائل ثابتة، وكل ما يُثار خلاف ذلك مجرد محاولة لخلط الأوراق”.

غير أن قراءة هذا الخطاب لا يمكن أن تكون معزولة عن طبيعة اللحظة الراهنة، فالضربات المتنقلة على قيادات في سوريا ولبنان، وتضييق المجال المالي عبر العقوبات الأمريكية، وإعادة ترتيب واشنطن لساحات نفوذها في الشرق الأوسط، كلها عوامل جعلت الفصائل موضع مراقبة دقيقة، ليس فقط من قبل الولايات المتحدة، بل من قبل جمهورها الذي بدأ يُظهر ميلاً متزايداً نحو خطاب الدولة بعد سنوات من التداخل بين السياسي والعسكري، وبين الأمني والاقتصادي، وبين الولاء الداخلي والارتباط الإقليمي، الأمر الذي خلق حالة من التوتر الصامت داخل الفصائل نفسها، بين من يريد الحفاظ على الصيغة القديمة كما هي، ومن يرى أن ضغوط اللحظة الحالية تفرض هدوءاً تكتيكياً أو تعديلاً في اللغة، حتى لو لم يصل ذلك إلى مستوى إعلان التحول.

ويستمد هذا الضغط الداخلي قوته من حقيقة أن الشارع الشيعي لم يعد كتلة واحدة، وأن المنافسة بين التيار الصدري والفصائل الأخرى جعلت الأخيرة أكثر حساسية تجاه أي موجة نقد، خصوصاً بعد أن أصبح “السلاح خارج الدولة” عنواناً جماهيرياً مشتركاً بين الصدريين والمدنيين، وهو أمر لم يكن مطروحاً قبل سنوات، كما أن التغيرات الاقتصادية العميقة التي يمر بها العراق، واشتداد الحاجة إلى استقرار مالي وسياسي، جعلت الجمهور أقل تسامحاً مع مظاهر الصدام الإقليمي الذي يدفع العراقيون ثمنه كلما ارتفعت وتيرة التوتر بين واشنطن وطهران، أو بين تل أبيب وحزب الله.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن الولايات المتحدة انتقلت خلال العامين الماضيين من سياسة الردع العسكري إلى سياسة إدارة الساحات بالضغوط المركبة، فجمعت بين الأدوات المالية، وملف الدولار، والعقوبات الفردية، وبين التحركات السياسية التي تضع الفصائل أمام سؤال طويل الأمد يتعلق بوظيفتها ودورها وإمكانية استمرار الصيغة التي كانت سائدة بعد 2014، وهي صيغة باتت مهددة بتغيرات إقليمية، من بينها إعادة هيكلة النفوذ المسلح في لبنان وسوريا، وإعادة ترتيب العلاقة بين بغداد وطهران، وصعود خطاب أمريكي يتعامل مع العراق بوصفه ساحة يجب تحييدها قبل أي مواجهة كبرى.

وبذلك تبدو معضلة الفصائل اليوم أعمق من مجرد نفي أو تأكيد لوجود قنوات اتصال، فهي معضلة تتعلق بقدرتها على إعادة تعريف موقعها في دولة تحاول استعادة مركزيتها، وفي بيئة شعبية لم تعد تقبل بسهولة بمنطق السلاح الموازي، وفي إقليم يعاد تشكيله تحت ضغوط تُكتب خارج العراق وتُقرأ داخله كقدرٍ لا يمكن تجاهله، ما يجعل الفصائل أمام لحظة فارقة لا تستطيع فيها إعلان تغيير خطابها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الاستمرار بالصيغة القديمة من دون كلفة قد تكون الأعلى منذ تأسيسها.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار