سياسة / ملفات خاصة 29-01-2026, 23:15 | --
+A -A


اللوبيات.. كيف حولت مكالمة الشرع بترامب المالكي من "مرشح قوي" إلى "خط أحمر" أمريكي؟

بغداد اليوم – بغداد

منذ اللحظة التي انتشرت فيها أنباء وتقارير إعلامية عن مكالمة أجراها الرئيس السوري احمد الشرع مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قيل إنه طلب خلالها معارضة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء لصعوبة التعامل معه، وإن تغريدة ترامب الرافضة لترشيحه جاءت بعد ساعات من تلك المكالمة، تحوّل الجدل من نقاش داخلي عراقي إلى سؤال أوسع: هل كان هذا الموقف تعبيرا خالصا عن قناعة أمريكية جديدة في العراق، أم إنه تداخل مع ضغط منظم تقوده لوبيات واشنطن لحساب أطراف تخشى عودة المالكي إلى السلطة؟

تزداد حساسية هذه الفرضية إذا ما وُضع في الاعتبار البعد الشخصي والسياسي في علاقة الشرع بالمالكي، فالرئيس السوري الحالي كان قد أمضى سنوات في سجن في بغداد خلال فترة حكومة المالكي، قبل أن يعود إلى دمشق ويتسلم السلطة في سياق الانهيار الذي ضرب النظام السابق هناك. هذه الخلفية تجعل أيّ تواصل بين الشرع وترامب بشأن ملف المالكي محمّلا برمزية إضافية، وتفتح الباب أمام أسئلة عن حجم تأثيرها الفعلي في القرار الأمريكي، وما إذا كانت قد تقاطعت مع عمل لوبيات ضغط منظمة في واشنطن.

في هذا المناخ، تواصلت "بغداد اليوم" مع باحثين في الشأن السياسي لقراءة موقع اللوبيات في موقف ترامب، وحدود ما هو مثبت بالوثائق وما يبقى في خانة التحليل السياسي.

لوبيات واشنطن بين المال السياسي وصناعة المواقف

قال الباحث في الشأن السياسي سعيد البدري، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إن فرضية قيام جهة سياسية بدفع أموال إلى لوبيات متخصصة في واشنطن لا يمكن استبعادها، في إطار محاولات التأثير على مواقف الإدارة الأمريكية، ولا سيما ما يتعلّق بدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إصدار موقف معلن ضد ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وأوضح البدري أن "العمل عبر جماعات الضغط يعد ممارسة شائعة ومعلنة في النظام السياسي الأمريكي، حيث تلجأ أطراف داخلية وخارجية إلى شركات ضغط مسجلة للتأثير على صنّاع القرار، سواء عبر حملات إعلامية، أو تقارير سياسية، أو قنوات تواصل مباشرة مع مسؤولين نافذين، وهذا المسار لا يقتصر على ملفات اقتصادية أو أمنية، بل يمتد إلى الملفات السياسية الحساسة المرتبطة بدول المنطقة".

وبحسب البدري، فإن سجل إدارة ترامب "يظهر قابلية عالية للتأثر بالضغوط المنظمة، خصوصا عندما تتقاطع مع مصالح سياسية أو رسائل إعلامية مكثفة تقدَّم على أنها تخدم الاستقرار أو المصالح الأمريكية"، مؤكدا أن "الحديث عن دور لوبيات مدفوعة الأجر في تشكيل أو تحفيز موقف سياسي معلن يظل ضمن نطاق التحليل المنطقي، حتى وإن لم تتوفر أدلة قطعية منشورة للرأي العام".

ويضيف أن "السياق الإقليمي والدولي، إضافة إلى الصراعات الداخلية، غالبا ما يدفع بعض الجهات إلى الاستثمار في أدوات التأثير الخارجي كخيار مكمّل للصراع السياسي الداخلي، لا سيما في مراحل حساسة مثل تشكيل الحكومات أو إعادة ترشيح شخصيات جدلية"، مشيرا إلى أن تسريبات وتقارير سابقة "تحدثت عن نشاط مكثف للوبيات في ملفات عراقية خلال فترات مختلفة، ما يعزّز من واقعية هذا الاحتمال من دون الجزم به".

ويخلص البدري إلى أن "التحقق الحاسم من هذه الفرضيات يتطلب شفافية أكبر في سجلات شركات الضغط الأمريكية، وتتبع مسارات التمويل والعقود المسجلة رسميا"، موضحا أن "عدم الاستبعاد لا يعني الإدانة، بل يندرج ضمن القراءة التحليلية لسلوكيات سياسية معروفة في الساحة الدولية".

الوحيلي: من يبرئ اللوبيات يتجاهل واقع واشنطن

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي رياض الوحيلي أن دور اللوبيات لا يمكن وضعه في خانة الفرضية البعيدة، بل في صلب قراءة موقف واشنطن من ترشيح المالكي.

وقال الوحيلي، لـ"بغداد اليوم"، إن "من يبرئ لوبيات واشنطن من ملف المالكي يتجاهل الواقع"، معتبرا أن "الحديث عن براءة الساحة الأمريكية من الضغوط المدفوعة في ملف ترشيح نوري المالكي يفتقر إلى الواقعية السياسية، فهناك إمكانية للجوء جهات سياسية إلى تمويل لوبيات فاعلة في واشنطن لدفع دونالد ترامب نحو إعلان موقف رافض لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها".

ويضيف الوحيلي أن "سوق جماعات الضغط في الولايات المتحدة يعمل بمنطق المصالح والمال لا المبادئ، وأن إدارة ترامب كانت من أكثر الإدارات قابلية للتأثر بالضغط المنظم والمموّل، خاصة عندما يقدَّم على شكل تقارير أمنية أو حملات إعلامية موجهة تخدم أجندات محددة".

ويربط الوحيلي بين توقيت الموقف الأمريكي وسياق الضغط بالقول إن "موقفا معلنا يصدر في توقيت سياسي حساس لا يمكن فصله عن هذا السياق، والرهان على اللوبيات أصبح أداة أساسية في الصراع السياسي الإقليمي، وأن بعض الأطراف لا تتردد في نقل معاركها الداخلية إلى واشنطن عبر المال السياسي، بهدف إقصاء خصومها أو تشويههم دوليا، والملف العراقي كان ولا يزال ساحة مفتوحة لهذا النوع من التدخل غير المباشر".

ويشدّد الوحيلي على أن "غياب الأدلة العلنية لا يعني غياب الفعل نفسه، بل يعكس طبيعة عمل جماعات الضغط التي تتحرك خلف الكواليس وبغطاء قانوني"، داعيا إلى "قراءة أكثر جرأة وواقعية للمواقف الأمريكية بدلا من التعامل معها وكأنها مواقف مبدئية منفصلة عن أدوات التأثير والتمويل"، لافتا إلى أن "من يستبعد دور اللوبيات في صياغة موقف ترامب إمّا يجهل آليات صنع القرار في واشنطن أو يتجاهلها عمدا".

من مكالمة الشرع إلى تغريدة ترامب.. طبقات متعددة للقرار

بين مكالمة الشرع التي يُجرى تداول تفاصيلها، وخلفيته الشخصية مع المالكي بوصفه رئيس دولة كان سجينا في العراق خلال تلك الحقبة، وبين بنية لوبيات الضغط التي تتحرك بالمال والتقارير والإعلام في واشنطن، يظهر موقف ترامب الرافض لعودة المالكي كمحصلة محتملة لتقاطع أكثر من عامل:

-رغبة أمريكية معلنة في إعادة رسم قواعد اللعبة في العراق.

-رسائل من دمشق وغيرها تعيد فتح ملفات الماضي.

-ضغوط لوبيات تعمل على تحويل هذه الرسائل إلى مذكرات وتقديرات رسمية تقدَّم للبيت الأبيض على أنها خيار يخدم المصالح الأمريكية.

تصريحات سعيد البدري تميل إلى وضع دور اللوبيات في خانة الاحتمال المنطقي الذي يحتاج إلى تدقيق وشفافية، فيما يدفع رياض الوحيلي باتجاه قراءة أكثر حدّة، ترى أن لوبيات واشنطن جزء بنيوي من أي موقف أمريكي في ملفات حساسة مثل ملف المالكي. وبين هذين المستويين، يبدو واضحا أن تجاهل هذا البعد لم يعد ممكنا في قراءة علاقة بغداد بواشنطن، ولا في فهم كيفية تحوّل مكالمة بين رئيس سوري كان سجينا في العراق ورئيس أمريكي، إلى تغريدة تهز المشهد السياسي العراقي وتعيد توزيع أوراق معركة رئاسة الوزراء من جديد.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14