سياسة / ملفات خاصة 29-01-2026, 17:00 | --
+A -A

"بغداد اليوم" تتحرى


دكاترة بدرجة "أُميّ" يبتلعون الموازنة: العراق "المستورد الأول" للشهادات المزوّرة عالمياً؟

بغداد اليوم – بغداد

بعد موجة احتجاجات نظّمها عدد من التدريسيين وموظفي التعليم العالي على خلفية قرار مجلس الوزراء رقم (40 لسنة 2026)، الذي قيّد صرف مخصصات الخدمة الجامعية لشريحة واسعة منهم، من دون أن يمسّ امتيازات أخرى أوسع كلفت الموازنة المليارات على مدى سنوات. تزامن الغضب من القرار مع تصاعد الحديث عن تضخّم أعداد حملة الشهادات العليا، وفضائح الشهادات المزوّرة أو المباعة من جامعات في الخارج، من لبنان إلى الهند، وسط تساؤلات عن غياب تحقيق عراقي شامل يطاول جذور المشكلة لا نتائجها فقط. 

النائب مختار الموسوي، دعا إلى ما أسماها "وقفة النقاط الثلاث" لإحياء ملف الشهادات العليا في العراق، مشدّداً على ضرورة إجراء مراجعة شاملة لهذا الملف بما يحقّق الرصانة العلمية ويخدم حاجة مؤسسات الدولة.

الموسوي تحدث لـ"بغداد اليوم"، قائلا إنّ "دعم التفوّق العلمي ونيل الشهادات العليا يُعد أمراً أساسياً في جميع دول العالم لتطوير الإمكانيات في مختلف الاختصاصات، لكن ذلك يجب أن يكون وفق محدّدات واضحة تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العامة والرصانة العلمية كأولوية"، مشيرا إلى "أهمية إعادة النظر بآلية التعامل مع الشهادات العليا، من خلال تحديد الاختصاصات المطلوبة فعلياً وعدم ربطها بمبدأ الراتب فقط"، مؤكّداً "ضرورة مراعاة الاختصاصات التي تحتاجها مؤسسات الدولة بشكل مباشر".

تضخّم داخلي.. شهادات عليا تفوق حاجة الدولة وسوق العمل

قال الموسوي "الأرقام المسجّلة لحملة الشهادات العليا في العراق كبيرة جداً، ما يفرض إجراء مراجعة جدّية وإعادة تنظيم هذا الملف عبر خارطة طريق واضحة"، موضحاً أنّ "الهدف هو تحقيق فائدة علمية حقيقية للعراق قائمة على النوعية لا الكمية، مع ضمان توفّر الرصانة العلمية والاختصاصات التي تلبّي احتياجات مؤسسات الدولة".

خلال الأعوام الأخيرة، شهد العراق توسّعاً غير منضبط في القبول بالدراسات العليا في الجامعات الحكومية والأهلية، إذ تحدّثت تقارير أكاديمية عن أعداد بعشرات الآلاف من المقبولين في الماجستير والدكتوراه خلال عام دراسي واحد، في ظل غياب دراسة دقيقة لاحتياجات سوق العمل والجامعات والمؤسسات الحكومية. 

في الوقت نفسه، تشير تقديرات رسمية ودولية إلى أنّ البطالة في العراق ما زالت عند مستويات مقلقة، مع نسب مرتفعة بين الشباب وخريجي الجامعات، بما في ذلك الحاصلون على شهادات عليا، حيث تجاوز عدد العاطلين عن العمل عتبة ملايين الأشخاص خلال السنوات الأخيرة، فيما لم تنجح الموازنات المتعاقبة في استيعاب سوى جزء محدود من الخريجين، وسط تعثّر واضح في نموّ القطاع الخاص وضعف قدرته على خلق فرص عمل نوعية. 

ومع تراكم هذه الأعداد، تحوّلت الشهادة العليا في ذهن كثيرين من كونها مساراً بحثياً وعلمياً إلى "تذكرة" لزيادة الراتب عبر مخصصات الخدمة الجامعية أو الدرجات الوظيفية الأعلى، الأمر الذي جعل قرار مجلس الوزراء الأخير بشأن تنظيم هذه المخصصات شرارة احتجاجات في عدد من الجامعات والمحافظات، بعد شعور جزء من حملة الشهادات بأنهم استُهدفوا في امتيازاتهم من دون معالجات موازية لملفات الفساد والهدر في قطاعات أخرى.

شهادات “معلّبة” من الخارج.. فضيحة لبنان وصدمة الهند

الموسوي أوضح أنّ "العراق يضم حالياً أعداداً كبيرة جداً من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام"، لافتاً إلى أنّ "الحديث عن تقارير بشأن وجود عمليات تزوير في الشهادات العليا يتطلّب من بغداد وقفة حقيقية، عبر تدقيق شامل ومهني لكل الشهادات الواردة من الخارج من خلال لجان متخصّصة ومقابلات علمية".

بالتوازي مع تضخّم الشهادات من الداخل، اهتزّ الرأي العام خلال الأعوام الماضية على وقع فضائح شهادات عليا مباعة من جامعات في الخارج. ففي لبنان، تحدّثت تقارير إعلامية وأكاديمية عن بيع نحو 27,000 شهادة ماجستير ودكتوراه لعراقيين من قبل جامعات خاصّة، مقابل مبالغ وصلت إلى نحو 5,000 دولار للماجستير و 10,000 دولار للدكتوراه، مع شبهات طاولت سياسيين ومسؤولين ونواباً حصلوا على هذه الشهادات خلال فترة زمنية قصيرة.

أمام الضغط الإعلامي، أعلنت وزارة التربية في لبنان ووزارة التعليم العالي هناك فتح تحقيقات ولجان تقصّي، ولوّحت بإجراءات قد تصل إلى إغلاق أو معاقبة الجامعات المتورّطة، فيما علّقت وزارة التعليم العالي العراقية معادلة شهادات ثلاث جامعات لبنانية، واستدعت الملحق الثقافي في بيروت، وقررت إخضاع الشهادات الواردة من تلك المؤسسات إلى تدقيق إضافي. غير أنّ تفاصيل ما انتهت إليه هذه التحقيقات، وحجم الشهادات التي جرى سحب الاعتراف بها أو رفضها، لم تُعرَض للرأي العام العراقي بشكل واضح حتى الآن. 

أمّا في الهند، فتكشف التقارير عن مستوى أخطر من التزوير، بعد إعلان السلطات في ولاية كيرلا تفكيك شبكة واسعة لتصنيع وبيع الشهادات الجامعية المزوّرة، حيث تحدّثت بيانات الشرطة عن ضبط ما يزيد على 100,000 شهادة مزيّفة تعود إلى أكثر من 22 جامعة، مع تقديرات تتحدّث عن استخدام أكثر من مليون شهادة مزوّرة في طلبات عمل داخل الهند وخارجها. 

هذه الفضيحة لا تقف عند حدود الهند؛ إذ تشير تقارير إلى أنّ سوق الشهادات المزوّرة بات عابراً للحدود، وأنّ بعض هذه الوثائق استخدمه باحثون عن عمل في دول مختلفة، من بينها بلدان تستقبل طلاباً أو عاملين من العراق والمنطقة. في المقابل، لم يُعرَض على العراقيين حتى الآن ملف مماثل يوضّح حجم الشهادات الهندية التي خضعت للتدقيق، أو عدد الأشخاص الذين جرى استبعادهم من التعيين أو إلغاء شهاداتهم على هذا الأساس.

بالمحصّلة، يتقاطع ملف لبنان والهند مع واقع داخلي عراقي شهد بدوره كشف مئات الشهادات المزوّرة داخل مؤسسات الدولة، إذ أعلنت وزارة التربية والتعليم في مناسبات سابقة ضبط ما لا يقل عن 450 شهادة مزوّرة في عام واحد، في مؤشر على أنّ التزوير ليس ظاهرة محصورة بالخارج، بل يمتد إلى الداخل مستفيداً من ثغرات الرقابة وضعف أنظمة التحقق. 

بعثات ومنح على حساب الدولة.. تضخّم ممَوَّل من المال العام

جانب آخر من المشكلة يرتبط بالبعثات الدراسية المموّلة من الدولة إلى الخارج. فمنذ إطلاق "مبادرة التعليم" في زمن الحكومات السابقة، وُضعت خطط لإرسال ما يصل إلى 10,000 طالب سنوياً إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا، في برنامج قُدِّر حجم إنفاقه المحتمل بنحو مليار دولار إذا نُفِّذ بكامل طاقته. 

ورغم أنّ الهدف المعلن كان بناء نخب علمية جديدة تعود لخدمة البلاد، إلّا أنّ الواقع أفرز تحديات معقّدة؛ بين من لم يعد إلى العراق أصلاً، ومن عاد ليجد مؤسسات الدولة عاجزة عن استيعابه في موقع يتناسب مع اختصاصه، ومن حصل في المقابل على فرص التعيين والمناصب بحكم النفوذ السياسي أو الحزبي لا على أساس الكفاءة العلمية. 

في السنوات الأخيرة، أعادت الحكومات فتح ملف البعثات والدراسة في الخارج من زوايا مختلفة؛ فمن جهة، تُضخّ أموال إضافية في برامج دعم الطلبة المبتعثين، كما حصل مع تخصيص 62 مليار دينار في موازنة عام 2025 لدعم برنامج البعثات، وفق ما أُعلن رسمياً، ومن جهة أخرى، ما تزال هناك شكاوى متكرّرة من ضعف متابعة هؤلاء المبتعثين، وعدم وجود ربط حقيقي بين تخصصاتهم وحاجات الدولة، في وقت تتصاعد فيه أزمة البطالة بين حملة الشهادات داخل العراق. 

في المقابل، يبرز تناقض إضافي من زاوية العراقيين؛ فالدولة تتحمّل كلفة إرسال آلاف الطلبة إلى الخارج، وتمنح في الداخل مخصصات وامتيازات لحملة الشهادات، ثم تواجه بعد ذلك ضغطاً على الموازنة يدفعها إلى قرارات من نوع حجب أو تقييد مخصصات الخدمة الجامعية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على شريحة تشعر أنّها "استثمرت" سنوات من عمرها في الدراسة لتجد نفسها في طابور احتجاج جديد. 

من الاحتجاج إلى الإصلاح.. ما الذي تعنيه “وقفة النقاط الثلاث”؟

في ضوء ما سبق، تبدو دعوة النائب مختار الموسوي إلى "وقفة النقاط الثلاث" محاولة لوضع إطار سياسي – تشريعي لملف الشهادات العليا يتجاوز لحظة الغضب من قرار المخصصات. فالنقطة الأولى تتعلّق، عملياً، بفتح تدقيق شامل ومستقل في جميع الشهادات العليا الواردة من الخارج، خصوصاً من البلدان والجامعات التي أثيرت حولها فضائح تزوير أو بيع شهادات، عبر لجان مهنية تعتمد المقابلات العلمية والفحص الحقيقي للقدرات، لا الاكتفاء بالمخاطبات الورقية. 

النقطة الثانية ترتبط بإعادة هندسة منظومة الدراسات العليا نفسها داخل العراق، من خلال وضع سقوف وخطط قبول مبنية على احتياجات حقيقية لوزارات الدولة وسوق العمل والجامعات، وليس على حسابات المخصصات أو الضغوط الاجتماعية، بما يحدّ من تضخّم الأعداد ويعيد الاعتبار إلى قيمة الشهادة ومخرجاتها. 

أمّا النقطة الثالثة، فتقع عند تماسّ مباشر مع قرار مجلس الوزراء الأخير؛ أي ربط الامتيازات المالية (كمخصصات الخدمة الجامعية وغيرها) بجودة الأداء والبحث العلمي ونوع الاختصاص ودرجة الحاجة إليه، بدلاً من أن تكون الشهادة بوابة آلية لمخصصات دائمة، من دون تقييم دوري لجدوى هذه الكلف على الموازنة العامة، ولا لمسار من يحصل عليها داخل مؤسسات الدولة.

في المحصّلة، يبدو ملف الشهادات العليا في العراق اليوم عند تقاطع ثلاث أزمات: تضخّم داخلي في الأعداد، فضائح خارجية في التزوير والبيع، واحتجاجات على قرارات حكومية تتعامل مع النتائج أكثر من تعاملها مع الأسباب. وبين هذه الزوايا، يظل السؤال الأبرز الذي يطرحه أصحاب الشهادات وشرائح واسعة من العراقيين هو: هل تتحوّل هذه الموجة من الاعتراض إلى فرصـة حقيقية لإصلاح المنظومة كلّها، أم يظل الملف معلّقاً بين قرارات متقطّعة وفضائح تُكتشف في الخارج قبل أن تُفتح في الداخل؟

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14