سياسة / ملفات خاصة 28-01-2026, 10:00 | --
+A -A

دولة الأعراف الحزبية


تأجيل اختيار الرئيس: في العراق فقط.. "الصفقات السياسية" أعلى سلطة من الدستور والقانون!

بغداد اليوم – بغداد

بعد تأجيل جلسة مجلس النواب المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، تعود إلى الواجهة مسألة إلزامية المدد الدستورية بوصفها نصوصا آمرة لا تحتمل التأويل، ويتقدّم معها ملف أوسع يتصل بموقع الدستور نفسه داخل المعادلة السياسية، وحجم المساحة التي باتت تحتلها ما يسمى بـ"الأعراف السياسية" و"الأعراف الدستورية" في إدارة الدولة.

فمع كل تأجيل أو تعطيل لاستحقاق دستوري بحجة "عدم اكتمال النصاب" أو "الحاجة إلى مزيد من الوقت للتفاهم"، يتكرّس في الواقع العملي نمط يجعل من هذه الأعراف غير المكتوبة بديلا فعليا عن الدستور والقانون، إذ تُقدَّم التوافقات الحزبية وميزان القوى بين الكتل بوصفها شرطا مقدّما على التوقيتات الملزمة، وكلما تعارضت السقوف الزمنية مع مصالح اللاعبين السياسيين تُعلَّق النصوص مؤقتا لصالح حلول "مرنة" تصنعها اللحظة السياسية، إلى أن يغدو الاستثناء المتكرر قاعدة عمل شبه مستقرة تحكم مسار الاستحقاقات الدستورية في البلاد.

من “النص الملزم” إلى “المرونة السياسية”

الدستور العراقي حدّد في المادة (72/ثانيا/ب) سقفا زمنيا واضحا لانتخاب رئيس الجمهورية، يقضي بوجوب انتخابه خلال 30 يوما من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد، مع استمرار الرئيس القائم بتصريف مهامه لحين انتخاب بديل جديد، لمنع حدوث فراغ في هرم الدولة.

لكن التجربة السياسية منذ عام 2005 أفرزت سلوكا متكررا يقوم على تجاوز هذه المدد الزمنية تحت عنوان “الظروف السياسية” أو “الحاجة إلى التوافق”، فيما ساهمت اجتهادات وممارسات في تكريس فكرة أن الضرورة والمصلحة العليا يمكن أن تبررا التغاضي عن الخلل الزمني، لتتشكل تدريجيا حالة تشبه “العرف السياسي” و“العرف الدستوري” غير المكتوب، القائم على أن المدد الدستورية قابلة للتليين والتأجيل والتجاوز كلما اقتضت ذلك موازين القوى وصفقات اللحظة، إلى درجة بات معها النص الدستوري يوضع في المرتبة الثانية بعد الحسابات السياسية، لا في مقدمة مصادر الإلزام.

خرق دستوري أم “تكتيك” تفاوضي؟

في هذا السياق، يؤكد الخبير في الشأن السياسي والقانوني حبيب القريشي، في حديث لـ"بغداد اليوم"، أنّ استمرار خرق المدد الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية لا يعد مسألة إجرائية عابرة، بل يمثل “انتهاكاً واضحاً للدستور” ويترك آثاراً سلبية عميقة على مجمل العملية السياسية في البلاد.

ويبيّن القريشي أن الدستور “وضع سقوفاً زمنية واضحة لانتخاب رئيس الجمهورية، بهدف ضمان الانتقال السلس للسلطات ومنع الفراغ الدستوري، وأن تجاوز هذه المدد يضعف هيبة الدستور ويكرّس مبدأ تعطيل النصوص الدستورية تحت ذرائع الخلافات السياسية”، مشيراً إلى أن أبرز التداعيات تتمثل في اتساع حالة عدم الاستقرار السياسي وتأخير استكمال الاستحقاقات اللاحقة، وفي مقدمتها تكليف رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة، بما ينعكس مباشرة على الأداء التنفيذي للدولة والخدمات المقدمة للمواطنين.

ويحذر القريشي من أن الاستمرار في تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية “قد يفتح الباب أمام طعون دستورية وإشكالات قانونية، ويُضعف ثقة الشارع بالمؤسسات الدستورية والعملية الديمقراطية برمتها”، مع احتمال أن تقود تراكمات هذه الخروقات إلى “أزمات سياسية متكررة يصعب احتواؤها لاحقاً”، ما لم تُغلَّب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية الضيقة ويُصار إلى التزام صارم بالنصوص الدستورية.

بدع إجرائية تفرغ النص من محتواه

من جهته، يرى الخبير القانوني المستشار سالم حواس أن تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية عبر تأجيل الجلسات تحت مسمى “عدم اكتمال النصاب” أو “منح مزيد من الوقت للتفاهم” يمثّل “خرقاً صريحاً لأحكام الدستور ومبادئه الآمرة”، موضحاً أن المادة (72/ثانياً/ب) حدّدت توقيتاً ملزماً لا يقبل التعليق أو الإفراغ عبر صيغ إجرائية مبتدعة.

ويشير حواس إلى أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا استقرت على أن التوقيتات الدستورية “واجبة التطبيق بذاتها”، وأن تعطيلها بأي ذريعة “يشكّل مخالفة دستورية وتحويلاً للالتزام الدستوري إلى خيار سياسي مرفوض”، لافتاً إلى أن الترويج لعناوين مثل “الجلسة المفتوحة” أو “التأجيل إلى إشعار آخر” لا يُنتج أثراً دستورياً، بل يُعد “التفافاً على النصوص الآمرة”.

ويشدد على أن “الاجتماع الدستوري متى انعقد ضمن مدته فإن الحق في التمديد يسقط، ولا يجوز تجزئة المدة أو الزحف على ما تبقى منها بذريعة بقاء يوم واحد”، مؤكداً أن القول بجواز الزحف على المدة المتبقية “قول غير صحيح وغير مقبول دستورياً، لأنه يفرغ النص من مضمونه ويخالف مبدأ سمو الدستور”.

ويمتد التحذير إلى مسألة إعادة فتح باب الترشيح بعد المصادقة على الأسماء ونشرها رسمياً أو السماح بعودة المنسحبين، إذ يوضح حواس أن ذلك “غير جائز لعدم وجود نص دستوري أو قانوني يبيحه”، ولتعارضه مع قرارات المحكمة الاتحادية العليا، ولا سيما قرارها بالعدد (24/اتحادية/2022) الذي حسم حجية القوائم المصادق عليها ومنع العبث بالإجراءات بعد اكتمالها، معتبراً أن أي مسار يؤدي إلى إعادة الإجراءات أو تمديد غير دستوري للمدد “يعد باطلاً وقابلاً للطعن، ويستوجب تصحيح المسار فوراً بالعودة إلى النص الدستوري وقرارات المحكمة الاتحادية بوصفها المرجع الحاسم والملزم”.

“العرف السياسي” و“العرف الدستوري”.. عندما تحكم الممارسات لا النصوص

خلف هذه الوقائع، يتكرّس في المشهد العراقي ما يمكن وصفه بتحول خطير في مصادر الإلزام السياسي: بدلا من أن يكون النص الدستوري هو المرجع الأعلى، تتقدم إلى الواجهة منظومة أعراف غير مكتوبة، بعضها نتاج توافقات سياسية، وبعضها الآخر نتاج تراكم ممارسات واجتهادات، لتنتج ما يشبه “دستورا موازيا” تحكمه سوابق الممارسة لا صرامة النص.

“العرف السياسي” هنا يتمثل في اشتراط التوافق المسبق قبل أي استحقاق دستوري، وفي قبول تأجيل الجلسات المفتاحية بذريعة الحرص على “مرشح توافقي” أو “حكومة متوازنة”، بينما يقوم “العرف الدستوري” بدور تثبيت هذه الممارسات من خلال قبولها وتكرارها، إلى الحد الذي تُعامل معه بوصفها قاعدة عملية، حتى وإن لم ترد في أي نص مكتوب، فيتحول الاستثناء الظرفي إلى قاعدة مستقرة تحكم العلاقة بين المدد الدستورية والواقع السياسي.

ومع الوقت، تتحول هذه الأعراف إلى أداة لتطبيع التأخير والتجاوز، بحيث لا يعود خرق المدة الدستورية استثناء يُستدرك، بل ممارسة متكررة تُدار حولها التفاهمات والصفقات، فيما يُستخدم الخطاب الدستوري لطمأنة الرأي العام، من دون أن ينعكس ذلك في سلوك مؤسساتي واضح أو آليات إنفاذ محددة.

بين النص والواقع.. استحقاق يُعاد فتحه في كل دورة

بهذا المعنى، لا تبدو أزمة انتخاب رئيس الجمهورية تعثرا عابرا في مسار تشكيل السلطة، بل هي جزء من معادلة أوسع يتكرر فيها المشهد نفسه تقريبا في كل دورة: مدد دستورية تُحدد، ثم تُخرق، ثم تُشرعن بحجج الضرورة والتوافق، فيتحول ما يفترض أن يكون استثناء ظرفيا إلى قاعدة عملية تحكم العلاقة بين النص والواقع.

وفي ظل استمرار هذا النمط، تتآكل عملياً مساحة ما يُفترض أنه سمو الدستور أمام الأعراف السياسية والأعراف الدستورية التي تتضخم مع كل استحقاق مؤجل، لتتحول تدريجياً إلى مرجع موازٍ ينافس النص ويعلو عليه في التطبيق اليومي. ومع تراكم موجات التأجيل والتفسير المرن للمواعيد، يتحول خرق المدد الدستورية من استثناء ظرفي إلى قاعدة مستقرة تنظم السلوك السياسي، الأمر الذي يفضي بمرور الوقت إلى تقويض الثقة بالعملية الدستورية برمتها، ويجعل إعادة بناء هذه الثقة مهمة أشد تعقيداً وكلفة على الدولة والمجتمع.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

سبع طائرات مسيّرة تستهدف أربيل وسط تحليق مكثف للطيران الحربي

بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية

اليوم, 01:31