عربي ودولي 8-01-2026, 14:00 | --
+A -A

المواجهة الكبرى


تحول "خطير" في عقيدة طهران العسكرية.. إيران تعتمد مبدأ "الضربة الاستباقية" لمواجهة "العدو"

بغداد اليوم - طهران

تتحرك إيران اليوم نحو عتبة جديدة في عقيدتها العسكرية، لا تقف عند حدود "الرّدع" و"الدّفاع الشّامل" كما في العقود الماضية، بل تتبنّى بشكل علني مبدأ "العمليّات الاستباقيّة" ضدّ أيّ تهديد تعتبره جدّيًّا. الخبير الإيراني في شؤون غرب آسيا سعد الله زارعي يكشف في حديثه لـ"بغداد اليوم" عن هذا التّحوّل بوصفه قرارًا صادرًا عن المجلس الأعلى للدّفاع، موضّحًا أنّ إيران قرّرت أنّه "اعتبارًا من الآن، إذا شعرنا بأنّ العدوّ يعتزم شنّ هجوم على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، فسنبادر إلى تنفيذ عمليّات استباقيّة". بهذا الإعلان، لا تعيد طهران ترتيب أدواتها العسكريّة فقط، بل تعيد تعريف نقطة البداية في أيّ حرب محتملة: فالحرب، وفق هذه الرؤية، قد تبدأ من لحظة تقدير النّوايا، لا من لحظة سقوط أوّل صاروخ معادٍ على أراضيها.

زارعي يشرح أنّ العقيدة العسكريّة الإيرانيّة كانت ترتكز سابقًا على نمطين رئيسيين: "العمليّات الوقائيّة" التي تهدف إلى منع اندلاع الحرب عبر الرّسائل السياسيّة والعسكريّة ورفع كلفة أيّ اعتداء، و"الدّفاع الشّامل" الذي يقوم على تعبئة كلّ عناصر القوّة للرّد بعد التّعرّض لهجوم. إدخال "العمليّات الاستباقيّة" كعنصر ثالث يعني توسيع هامش القرار لدى القيادة الإيرانيّة كي لا تبقى أسيرة ردّ الفعل، بل تمنح نفسها حقّ توجيه الضربة أوّلًا إذا توفّرت لديها قناعة بأنّ العدوّ يستعدّ فعلًا للهجوم. عمليًّا، هذا يضع الخصوم – وفي مقدّمتهم إسرائيل والولايات المتّحدة – أمام معادلة أكثر تعقيدًا: أيّ حشد أو تحرّك أو مناورات قرب المجال الإيراني قد يُقرأ في طهران بوصفه إشارة لنيّة هجوميّة، وبالتالي ذريعة لعمل عسكري مباغت.

هذا التّحوّل لا يأتي في فراغ، بل على أرضيّة ما يصفه أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة طهران الدّكتور حسين رويروان بأنّه "نقطة قوّة" أساسيّة لإيران: القدرة على إنتاج السّلاح داخل حدودها واتّخاذ القرار السيادي في ما يتعلّق بتطويره واستخدامه. فإيران، بحسب رويروان، ليست دولة تعتمد على استيراد منظوماتها الدفاعيّة من الخارج، بل تملك بنيتها الصناعيّة الخاصّة في مجال الصواريخ بعيدة المدى، وهو ما يمنحها هامشًا واسعًا في مواجهة الضّغوط ويقلّل من جدوى العقوبات التقليديّة التي تستهدف أسواق السلاح وسلاسل التّوريد. هذه الثّقة تعزّزت، من وجهة نظره، خلال الحرب الأخيرة قبل نحو ستّة أشهر، حين تمكّنت طهران من فرض معادلة ردع واضحة على الكيان الصهيوني، إلى درجة أنّ الرئيس الأمريكي السّابق دونالد ترامب صرّح بأنّه "أنقذ إسرائيل من دمار كبير" عبر التّدخّل لإيقاف التّصعيد، وهي رواية تُقرأ داخل إيران كإقرار بقدرة الصواريخ الإيرانيّة على إحداث أذى استراتيجي حقيقي.

رويروان يلفت كذلك إلى أنّ تموضع الصواريخ الاستراتيجيّة في عمق الجغرافيا الإيرانيّة، بدلًا من الاقتصار على الجبهة الغربيّة القريبة من الحدود، غيّر قواعد اللعبة لصالح طهران؛ فكلّما ازدادت المسافة بين منصّات الإطلاق وبين أيّ قدرة معادية على استهدافها، ارتفع ثمن المغامرة العسكريّة على الطّرف الآخر. بهذا المعنى، يصبح خيار "العمليّة الاستباقيّة" – كما يشرحه زارعي – امتدادًا طبيعيًّا لبنية ردع قائمة أصلًا: سلاح مُنتَج محلّيًّا، مدى بعيد، منظومة إطلاق موزّعة في العمق، ورسالة سياسيّة تقول إنّ إيران لن تنتظر الرّصاصة الأولى كي تقرّر أنّ الحرب بدأت.

الدبلوماسي الإيراني السّابق أمير موسوي يلتقط الخيط من زاوية أخرى، فيربط بين هذا التّحوّل العسكري وبين البيئة الإقليميّة المشحونة بالتهديدات المتبادلة. فهو يشير في حديثه لـ"بغداد اليوم" إلى "تهديدات واضحة" يطلقها الكيان الإسرائيلي والولايات المتّحدة ضدّ إيران، مؤكّدًا أنّ "الجهوزيّة هذه المرّة عالية جدًّا على المستويين الشعبي والعسكري، وأنّ كلّ الصّنوف العسكريّة والقوّات المسلّحة، إلى جانب القيادة العليا، في حالة استعداد لمواجهة أيّ عدوان محتمل". موسوي لا يستبعد صراحةً لجوء إيران إلى "عمليّات استباقيّة" إذا استمرّت عمليّات الحشد والتهديد ضدّها في المنطقة، ويتحدّث عن احتمال أن يمتدّ الرّد الإيراني "ليس فقط إلى مراكز العدوّ الأساسيّة، بل إلى أذرعه وقواعده ومن يعاونه في الإقليم، بما في ذلك القواعد الموجودة في بعض دول الجوار إذا ثبت استخدامها منصّات للاعتداء على إيران".

من هنا تأتي رسالته التحذيريّة لدول المنطقة: "عدم التّحوّل إلى ممرّ أو مخزن لإمكانات العدوّ، وعدم السّماح بتحويل أراضيها إلى منصّات لاستهداف الجمهوريّة الإسلاميّة"، لأنّ تكرار الأخطاء السّابقة – كما يقول – قد يجرّ المنطقة إلى مواجهة أوسع في ظلّ وجود تحالف إقليمي يجري الإعداد له للرّد على أيّ هجوم كبير يستهدف إيران ومحور المقاومة. بهذا التّحذير، تصبح عقيدة "العمليّات الاستباقيّة" شأنًا داخليًّا إيرانيًّا من حيث القرار، لكنها في الوقت نفسه معادلة إقليميّة تمسّ حسابات عواصم عديدة؛ فدولة الجوار التي تفتح مجالها الجوي أو أراضيها لعمل عسكري معادٍ، قد تجد نفسها فجأة طرفًا في حرب لم تكن تعتقد أنّها في قلبها.

في خلفيّة كلّ ذلك، تبقى الضّغوط الاقتصاديّة والاحتجاجات الاجتماعيّة عامل توتّر إضافيًّا داخل المشهد الإيراني، لكنها تظهر في خطاب رويروان وموسوي بوصفها عنصرًا يمكن احتواؤه عبر ما تسمّيه طهران "عمليّة جراحيّة اقتصاديّة" لإعادة توجيه الدّعم ومكافحة الفساد في الاستيراد، لا كعامل يقيّد يد النّظام في سياسته الدفاعيّة. فالنّقطة التي يُراهن عليها هؤلاء هي أنّ إيران، وهي تلوّح بخيار الضربة أوّلًا، تحاول في الوقت نفسه أن تُظهر لجمهورها أنّها لا تتراجع عن التزاماتها تجاه "محور المقاومة" ولا عن حقّها في تطوير قدراتها التسليحيّة، رغم كلفة الإصلاح الاقتصادي في الداخل.

بهذا الشّكل، يبدو التّحوّل إلى عقيدة "العمليّات الاستباقيّة" حلقة جديدة في مسار طويل تحاول خلاله طهران أن تقول لخصومها وحلفائها معًا: لم نعد دولة تنتظر الهجوم لتقرّر كيف تردّ، بل طرفًا يمتلك – سياسيًّا وعسكريًّا – ما يكفي من الثّقة كي يعرّف بنفسه لحظة بدء الحرب، وحدودها، وخريطة أهدافها المحتملة، حتّى لو كان الثّمن ارتفاع منسوب القلق في عواصم المنطقة وازدياد حساسيّة أيّ شرارة، صغيرة كانت أم كبيرة، على جبهات متعدّدة في وقت واحد.

المصدر: بغداد اليوم+ وكالات

أهم الاخبار

إسقاط طائرة مسيرة في السليمانية

بغداد اليوم - السليمانية أفاد مصدر أمني، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، بأنه تم إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية في سماء محافظة السليمانية. وأوضح المصدر في حديث لـ"بغداد اليوم"، أنه "تم إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية في سماء محافظة

اليوم, 00:52