اقتصاد 31-12-2025, 22:00 | --
+A -A

ثورة الألواح


ترقب لسقوط "دكتاتورية المولدات" بـ 2026 وتحرير المواطن من فواتير "الأمبير" بالطاقة الشمسية!

بغداد اليوم – بغداد

يعيش العراق منذ سنوات على إيقاع معادلة كهرباء مختلّة؛ طلب يقترب في ذروة الصيف من 55000 ميغاواط، مقابل إنتاج يدور غالباً حول 27000 – 28000 ميغاواط، وشبكة نقل وتوزيع منهكة ترفع نسب الفاقد وتضاعف معاناة المواطنين بين انقطاع مستمر وكلف إضافية للمولدات الأهلية. وسط هذا المشهد، تطرح الحكومة خيار الطاقة الشمسية بوصفه أحد أهم المسارات المتاحة لتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، والتخفيف من الاعتماد على الغاز والوقود الأحفوري في آن واحد.

في هذا الإطار، يبرز تصريح النائب مضر الكروي لـ"بغداد اليوم" حول توقّع دخول ما بين 5 إلى 6 محطات شمسية للخدمة خلال عام 2026، بوصفه جزءاً من مرحلة أولى في مشروع أوسع تعوّل عليه الحكومة لزيادة حصة الطاقة النظيفة، مع الحديث عن خطة لرفع قدرات مشاريع الطاقة المتجددة إلى نحو 12000 ميغاواط، أغلبها من الشمس، بحلول عام 2030.

واقع الطاقة الشمسية اليوم.. من عشرات الميغاواطات إلى آلاف على الورق

برغم الضجيج السياسي والإعلامي حول "ثورة الطاقة النظيفة"، ما زال الحجم الفعلي للطاقة الشمسية المركّبة على الأرض متواضعاً جداً قياساً بحجم الاحتياج. فإجمالي القدرة الشمسية المركبة حتى السنوات الأخيرة ما يزال في حدود عشرات الميغاواطات، وهو رقم يكاد لا يُذكر قياساً بحاجة البلاد الفعلية التي تقترب من 55000 ميغاواط في ذروة الطلب الصيفي، مقابل إنتاج يتراوح في العادة بين 27000 و28000 ميغاواط.

منذ عامي 2024 و2025، بدأت الصورة تتغيّر تدريجياً مع إطلاق مشاريع بحجم أكبر، من بينها:

  • مشروع تابع لشركة نفطية عالمية كبرى في البصرة بقدرة 1000 ميغاواط تقريباً، يجري تنفيذه على مراحل قرب أحد الحقول النفطية، ضمن حزمة استثمارات ضخمة تشمل الغاز والنفط والمياه والطاقة الشمسية.

  • أول محطة شمسية صناعية كبيرة في كربلاء بقدرة تصل إلى 300 ميغاواط عند اكتمال مراحلها، أُعلن عن بدء تشغيل جزء منها للمساهمة في معالجة أزمة الكهرباء وتقليل استهلاك الوقود.

  • مشاريع بقدرات تصل إلى مئات الميغاواطات في بابل والبصرة وميسان وذي قار والأنبار، يجري تنفيذها أو التعاقد عليها مع شركات إقليمية ودولية، من بينها شركات معروفة في مجال الطاقة المتجددة.

على الورق، تشير التقديرات الرسمية إلى أنّ مجموع المشاريع الشمسية في مراحل مختلفة (قيد الإنشاء أو التعاقد أو التفاوض) يصل إلى نحو 12000 – 12500 ميغاواط حتى عام 2030، وهو ما يعادل تقريباً 15 – 20 بالمئة من حاجة العراق المتوقعة من الكهرباء إذا نُفِّذت جميعها.

لكن بين "الورق" و"المنظومة الوطنية" مسافة طويلة، تبدأ من أرض المشروع، ولا تنتهي عند شبكة نقل وتوزيع أرهقها القدم وسوء الإدارة.

من الحقول الصحراوية إلى أسطح البيوت.. كيف تُستغل الشمس فعلاً؟

لا يقتصر مشهد الطاقة الشمسية على المشاريع الحكومية الكبرى. ففي موازاة بطء تنفيذ بعض العقود، تحرك الشارع بطريقته الخاصة. في عدد من المحافظات، ولا سيما في نينوى ومناطق أخرى، بدأ مزارعون وسكان بتركيب ألواح على أسطح البيوت والحظائر لتشغيل مضخات الري وتقليل الاعتماد على الشبكة الحكومية والمولدات الأهلية، في محاولة لتأمين حد أدنى من الاستقرار في التجهيز.

تكلفة المنظومة المنزلية المتوسطة تتراوح، وفق ما تتداوله الأسواق المحلية، بين 5 و10 ملايين دينار عراقي، لكن أصحابها يستعيدون كلفتها خلال نحو 3 أعوام، عبر التخلص من جزء كبير من فاتورة المولد الأهلي، وتعويض النقص في تجهيز الدولة، مع الاستفادة من ضمانات تمتد لسنوات على الألواح والأجهزة.

تصريح مضر الكروي عن خطط منح قروض للمواطنين لنصب منظومات شمسية للمنازل أو الاشتراك في محطات حكومية يدخل في هذا السياق: محاولة تحويل الطاقة الشمسية من مشروع نخبوي أو "استعراضي" إلى خيار واقعي يمكن أن يدخل أحياء كاملة في بغداد، وقرى في ديالى والأنبار والجنوب، ضمن منظومات هجينة تجمع بين الشبكة الوطنية والطاقة المتجددة.

وهنا يظهر سؤال عملي: إذا دخلت 5 – 6 محطات شمسية حكومية خلال 2026، ما الذي سيتغيّر على أرض الواقع؟

  • على مستوى التوليد: يمكن لهذه المحطات، إذا تراوحت قدرة كل واحدة مثلاً بين 150 و300 ميغاواط، أن تضيف بضع مئات إلى نحو 1000 ميغاواط إلى الشبكة، وهي إضافة مهمة لكنها لا تقلب المشهد رأساً على عقب أمام فجوة قد تصل إلى 25000 – 30000 ميغاواط بين الإنتاج والطلب في الذروة.

  • على مستوى كلفة الوقود: كل ميغاواط شمسي في ساعات الذروة النهارية يعني تقليص استهلاك الوقود السائل أو الغاز المستورد، ما يخفف جزءاً من فاتورة الاستيراد ومن عبء دعم الوقود داخلياً.

بمعنى آخر، الأثر المباشر سيكون أكبر على بنية الكلفة والانبعاثات في المدى المتوسط، ثم ينعكس تدريجياً على ساعات التجهيز إذا تراكمت المشاريع ولم تتعطل.

العوائق البنيوية.. لماذا لا تكفي الشمس وحدها؟

رغم وفرة الإشعاع الشمسي التي تجعل العراق من أنسب البيئات في المنطقة لإنتاج الكهرباء من الشمس، تبقى الطاقة المتجددة عموماً، والشمس خصوصاً، رهينة مجموعة عوائق بنيوية يمكن تلخيصها في عدة مستويات:

  1. شبكة نقل وتوزيع قديمة ومنهكة
    جزء كبير من الشبكة لم يُصمَّم أصلاً لاستقبال طاقات متذبذبة تأتي نهاراً فقط من حقول شمسية واسعة. كما أن نسب الفاقد الفني والتجاري ما زالت مرتفعة مقارنة بالمعايير العالمية، ما يعني أن جزءاً من أي طاقة إضافية يتبخر قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي.

  2. التخطيط الطويل مقابل الحكومات القصيرة
    مشاريع بحجم 12000 ميغاواط تحتاج إلى استقرار سياسي وتشريعات ثابتة وتمويل مستقر لسنوات، بينما تتغير الأولويات مع كل أزمة سياسية أو تعديل حكومي. وتجربة العقود السابقة في قطاع الكهرباء أظهرت أن قسماً من المشاريع يبقى في مرحلة "التوقيع والاحتفال" ولا يصل إلى مرحلة التشغيل الفعلي بالسرعة المعلنة.

  3. البيئة الاستثمارية وتعقيدات العقود
    العقود الكبرى مع الشركات الدولية احتاجت لسنوات من التفاوض والأخذ والرد قبل الوصول إلى مراحل متقدمة، ما يعكس صعوبة إنضاج الصفقات في بيئة تتشابك فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية. شركات أخرى تراقب من بعيد، وتربط الدخول للسوق بوضوح قواعد التسعير، وآلية تحويل الأموال، واستقرار الإطار القانوني.

  4. ثقافة "المولد الأهلي" ودعم الوقود
    وجود شبكة واسعة من المولدات الأهلية، مدعومة بشكل مباشر أو غير مباشر عبر أسعار الوقود أو التساهل في التنظيم، يخلق منافساً فعلياً للطاقة الشمسية المنزلية، خصوصاً في الأحياء الحضرية. من دون سياسة واضحة لإعادة هيكلة سوق المولدات وإعادة توجيه الدعم نحو الطاقة النظيفة، سيبقى المواطن متردداً بين حلّ اعتاد عليه لسنوات وحلّ جديد يحتاج إلى استثمار أولي.

  5. التمويل الفردي وضعف الوعي التقني
    برغم الحديث عن قروض وبرامج دعم، ما زالت كلفة المنظومة الشمسية عائقاً أمام شريحة واسعة من ذوي الدخل المحدود، حتى لو كانت فترة استرداد الكلفة قصيرة نسبياً. كما أن جزءاً من المواطنين لا يملك صورة واضحة عن عمر الألواح، وآلية صيانتها، والتعامل مع العواصف الترابية والحرارة العالية، ما يقلل من حماسهم للاستثمار.

ماذا يمكن أن تعني سنة 2026 في مسار الطاقة الشمسية؟

إذا تحقق السيناريو الذي يتحدث عنه النائب مضر الكروي، ودخلت 5 – 6 محطات شمسية جديدة إلى الخدمة خلال 2026، بالتوازي مع استمرار العمل في محطات كربلاء وبابل والبصرة ومشاريع أخرى، يمكن قراءة المشهد على مستويين:

  • مستوى قصير المدى (2026 – 2027)

    • زيادة تدريجية في الطاقة المنتجة نهاراً، ما يخفف جزءاً من الضغط عن الشبكة في ساعات الذروة.

    • تحسين محدود في ساعات التجهيز لبعض المناطق المرتبطة مباشرة بهذه المشاريع أو التي تستفيد من إعادة توزيع الأحمال.

    • بداية تشكل خبرة محلية في تشغيل حقول شمسية كبيرة، سواء في وزارة الكهرباء أو لدى الشركات المنفذة.

  • مستوى متوسط وطويل المدى (حتى 2030)

    • إذا نُفِّذت نسبة معتبرة من 12000 ميغاواط المخطط لها، يمكن للطاقة الشمسية أن تتحول من هامش تجميلي في مزيج الطاقة إلى رافعة حقيقية تغطي ما بين 15 و20 بالمئة من الطلب، وتقلل الاعتماد على الغاز والكهرباء المستوردين، بكل ما يحمله ذلك من أعباء مالية وسياسية.

    • نجاح هذه المشاريع سيعطي إشارة طمأنة للمستثمرين الآخرين في قطاع الطاقة المتجددة، ويحوّل العراق من سوق محفوفة بالمخاطر إلى فرصة كبيرة في مجال الطاقة، خصوصاً مع وجود مساحات صحراوية واسعة يمكن استغلالها لمشاريع ضخمة.

في المقابل، تعثر هذه المشاريع أو استمرارها في إطار الافتتاحات الرمزية من دون إدماج حقيقي في الشبكة سيُبقي ملف الطاقة الشمسية في خانة "الفرصة المؤجَّلة"، ويكرّس الاعتماد على حلول إسعافية مكلفة مثل المولدات والوقود الطارئ والاتفاقات العاجلة مع دول الجوار.

الشمس كخيار إستراتيجي لا ترف بيئي

أكيد خويي، هذه خاتمة جديدة تقدر تستبدل بيها القديمة:

في المحصلة، يقف ملف الطاقة الشمسية في العراق عند مفترق طرق واضح. فإما ان تتحول محطات 2026 المرتقبة الى بداية مسار جدي يعيد بناء مزيج الطاقة على اسس جديدة، ويخفف الاعتماد على الغاز المستورد والمولدات الاهلية، ويفتح باباً اوسع امام الاستثمارات والتقنيات الحديثة، وإما تبقى مجرد عناوين في بيانات وتصريحات لا تغيّر شيئاً من واقع ساعات التجهيز المتذبذبة ولا من كلف التشغيل الخانقة للافراد والقطاع الخاص.

وما بين حديث النائب عن 5 او 6 محطات شمسية تدخل الخدمة خلال عام 2026، وخطط الحكومة للوصول الى نحو 12000 ميغاواط من الطاقة المتجددة بحلول 2030، يبرز السؤال الحقيقي: هل تمتلك الدولة الإرادة والمؤسسات والبيئة الاستثمارية التي تسمح بتحويل الضوء الساقط على صحارى العراق الى قوة كهربائية مستقرة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد، في نهاية المطاف، ما اذا كانت الشمس ستدخل فعلاً في قلب معادلة الطاقة، ام ستظل فرصة مؤجلة أخرى تضاف الى سجل الوعود غير المكتملة.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

مطالبات بإلغاء شرط تقديم ورقة جباية الماء والكهرباء في دائرة تسجيل الشركات

بغداد اليوم - بغداد طالب لفيف من اصحاب الشركات والمساهمين، بإلغاء شرط تقديم ورقة جباية الماء والكهرباء من معاملات دائرة تسجيل الشركات للمساهمين أو مقرات الشركات. وقال أصحاب الشركات في مناشدة عبر " بغداد اليوم": إنهم قدموا طلباً الى "دائرة

اليوم, 14:17