بغداد اليوم – بغداد
يدخل العراق عام 2026 وهو محمّل بإرث ثقيل من 2025: اقتصاد هش، برلمان منقسم، أزمة مياه غير مسبوقة منذ عقود، ومجتمع شاب أكبر من قدرة الدولة على استيعابه. وفي الخلفية، تنتهي مهمة بعثة الأمم المتحدة (يونامي) رسمياً مع نهاية 2025، لتنتقل مسؤولية إدارة الاستقرار السياسي والحقوقي بالكامل تقريباً إلى الداخل العراقي.
بهذا المعنى، لا تبدو 2026 مجرّد سنة جديدة في التقويم، بل امتحان شامل لقدرة الدولة على إدارة التحديات المتداخلة: السياسية، والمالية، والأمنية، والاجتماعية، والبيئية، والإقليمية.
2025.. سنة انتقال ثقيل لا سنة حلول
قبل الحديث عن تحديات 2026، لا بدّ من قراءة سريعة لما وصل إليه العراق مع نهاية 2025:
-
اقتصادياً، توقّف النمو الحقيقي تقريباً، وتراجع نموّ القطاعات غير النفطية، مع تضخّم واضح في الإنفاق العام، وتأخّر إنجاز كثير من المشاريع الاستثمارية.
-
مالياً، اعتمدت الدولة بشكل شبه كامل على إيرادات النفط لتمويل الموازنة، بينما بقيت خطط تنويع الاقتصاد في حدود التصريحات والبرامج أكثر من تحوّلها إلى واقع.
-
ديموغرافياً، كشف التعداد والبيانات السكانية عن بلد شاب، أكثر من 60% من سكانه من الفئات الشابة وسنّ العمل، ما يعني ضغطاً مستمراً على سوق العمل والخدمات.
-
بيئياً ومائياً، شهدت البلاد واحدة من أقسى سنوات الجفاف، مع تراجع الخزين المائي في العديد من الخزانات والسدود، وارتفاع مقلق في مؤشرات التصحّر وتدهور الأراضي الزراعية.
كل ذلك جعل 2025 أقرب إلى سنة "تجميع أزمات" لا سنة "حلول جذرية"، ليُرحّل الجزء الأكبر من التحديات إلى 2026.
سنة 2026 بوصفها سنة التعقيد الأكبر
الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد، أكد أنّ العراق ينتظر خلال السنة الجديدة 2026 تحديات على مختلف الأصعدة.
وقال الأسعد لـ"بغداد اليوم" إنّ "عام 2026 سيكون من أكثر الأعوام تعقيد على العراق منذ سنوات، في ظلّ تراكم أزمات داخلية وتحديات إقليمية ودولية من شأنها أن تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد".
وبيّن أنّ "العراق يدخل عام 2026 وهو يواجه تحديات متعددة المستويات، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، وضعف الأداء الحكومي، إلى جانب الضغوط المالية الناتجة عن الاعتماد شبه الكلي على عائدات النفط، والمشهد السياسي العراقي لا يزال يعاني من انقسامات حادة بين الكتل السياسية، الأمر الذي ينعكس سلباً على قدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قرارات حاسمة، سواء ما يتعلق بإقرار الموازنات أو تنفيذ برامج إصلاحية حقيقية، واستمرار الخلافات السياسية قد يؤدي إلى تعطيل مشاريع تنموية مهمة وتأخير معالجة ملفات خدمية ملحّة".
بهذا التوصيف، يضع الأسعد إطاراً عاماً: أزمات داخلية، وتحديات إقليمية، وضغط دولي، كلّها تنعكس مباشرة على استقرار العراق في 2026.
السياسة والحكم.. برلمان منقسم وحكومة مطلوبة في ظرف ضيّق
سياسياً، يدخل العراق عام 2026 بمشهد معقّد:
-
برلمان نتج عن انتخابات أخيرة، لكنه شديد التشتّت، من دون كتلة واحدة مهيمنة بشكل يتيح لها تشكيل حكومة مستقرّة بسهولة.
-
انقسامات حادة بين الكتل على شكل الحكومة المقبلة، وتوزيع المناصب، وبرنامج إدارة الدولة.
-
انتقال من مرحلة وجود بعثة أممية فاعلة مثل يونامي إلى مرحلة تقلّ فيها المظلّة الدولية المباشرة، ما يرفع سقف المسؤولية على القضاء والمؤسسات العراقية في إدارة النزاعات والملفات الحسّاسة.
في هذا الجو، يصبح التحدّي السياسي في 2026 ليس فقط "تشكيل حكومة"، بل تشكيل حكومة قادرة:
-
تمتلك أغلبية متماسكة، لا أغلبية رقمية هشّة.
-
لديها برنامج واضح في الاقتصاد والخدمات والمياه والأمن، وليس مجرّد بيان إنشائي.
-
قادرة على تمرير الموازنة واتّخاذ قرارات غير شعبية عند الحاجة، من دون الوقوع في شلل سياسي كلّما تصاعدت الخلافات.
استمرار الانقسام بين القوى السياسية يعني عملياً استمرار حكومة ضعيفة أو متردّدة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قرار حاسم في أكثر من ملف في السنة نفسها.
الاقتصاد والمالية العامة.. بين أرقام النمو وهشاشة الواقع
على المستوى الاقتصادي، يؤكّد الأسعد أنّ "الاقتصاد العراقي سيبقى رهينة تقلبات أسعار النفط في عام 2026، في ظل غياب تنويع فعلي لمصادر الدخل الوطني، ويجب الحذر من أن أي تراجع في الأسعار العالمية قد يفاقم العجز المالي ويضع الحكومة أمام صعوبات في الإيفاء بالتزاماتها، ولا سيّما رواتب الموظفين ودعم القطاعات الحيوية".
الملامح الأساسية للمشهد المالي يمكن تلخيصها كالآتي:
-
ما يقرب من 90% من إيرادات الدولة تأتي من بيع النفط، بينما تبقى مساهمة القطاعات غير النفطية محدودة.
-
الموازنة الثلاثية السابقة رفعت الإنفاق إلى مستويات عالية، وخلقت التزامات طويلة الأمد على الدولة في التعيينات والمشاريع.
-
أيّ هبوط كبير في أسعار النفط سيخلق فجوة تمويلية مباشرة تهدّد انتظام دفع الرواتب، وتنفيذ المشاريع الاستثمارية، واستمرار برامج الدعم.
ويضيف الأسعد أنّ "ملف البطالة، خصوصاً بين فئة الشباب، سيظلّ من أبرز التحديات الاجتماعية، فضعف فرص العمل وتراجع ثقة المواطنين بالحلول الحكومية قد يؤديان إلى تصاعد الاحتقان الشعبي، في حال لم تُتّخذ إجراءات اقتصادية عاجلة تعزز القطاع الخاص وتدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة".
هذا يعني أنّ التحدّي الاقتصادي في 2026 يتوزع بين ثلاثة خطوط متوازية:
-
ضبط الإنفاق والعجز من دون خنق السوق والناس.
-
فتح مسارات حقيقية لا شكلية لتنويع الاقتصاد، خصوصاً في الصناعة والزراعة والخدمات الحديثة.
-
خلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص، وعدم الاكتفاء بتوسيع الجهاز الحكومي الذي بلغ حدّه الأقصى تقريباً.
المجتمع والشباب والخدمات.. ضغط ديموغرافي وثقة متآكلة
ديموغرافياً، يدخل العراق 2026 كبلد شاب بامتياز:
-
أغلبية السكان من الفئات الشابة وسنّ العمل.
-
مئات الآلاف يدخلون سوق العمل سنوياً، في وقت تشبع فيه التوظيف الحكومي، وتبقى قدرة القطاع الخاص محدودة.
النتيجة، كما يشير تحليل الأسعد، أنّ "ضعف فرص العمل وتراجع ثقة المواطنين بالحلول الحكومية" يرفع منسوب القلق الاجتماعي، ويدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأنّ النظام السياسي يستهلك الموارد في موازنات كبيرة، لكنّ حصّته الفعلية من الفرص محدودة.
خطر 2026 هنا يتمثل في:
-
تحوّل أيّ أزمة مالية أو خدمية (مثل تأخير رواتب، ارتفاع أسعار، تراجع كهرباء أو ماء) إلى موجات غضب يمكن أن تتوسّع سريعاً.
-
تآكل الثقة بين المواطن والدولة إذا لم يلمس الناس فارقاً ملموساً في الخدمات، وفرص العمل، وإدارة المال العام.
الأمن والسيادة.. ساحة تتقاطع فيها الحسابات الداخلية والخارجية
يقول الأسعد إنّ "العراق سيواجه في 2026 بيئة أمنية حساسة نتيجة التوترات الإقليمية المستمرة، وتداخل المصالح الدولية على أراضيه، وأي تصعيد إقليمي قد ينعكس مباشرة على الوضع الداخلي، سواء من خلال الضغوط السياسية أو التهديدات الأمنية غير التقليدية".
في التفاصيل، يتداخل الأمن في 2026 على أكثر من مستوى:
-
بقايا تهديد الإرهاب عبر خلايا نائمة تستغلّ الثغرات الأمنية، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها، والمناطق المفتوحة جغرافياً.
-
ملف الفصائل المسلحة والسلاح خارج الدولة، وما يرتبط به من نقاش حول مستقبل الحشد الشعبي، وحدود الدمج، وإعادة التنظيم، وضغوط خارجية لحصر السلاح بيد الدولة.
-
التوتّر المستمر بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة، بما يحمله من احتمال أن يتحوّل العراق في أيّ لحظة إلى ساحة رسائل متبادلة، سواء عبر الضربات المحدودة أو الضغوط السياسية والاقتصادية.
في مثل هذه البيئة، يصبح الأمن في 2026 ملفاً مركّباً:
-
لا يكفي فيه الحديث عن "محاربة الإرهاب"،
-
بل يتطلّب رؤية شاملة لاحتكار السلاح، وتنظيم العلاقة مع القوى الدولية، وحماية الداخل من ارتدادات الصراع الإقليمي.
المياه والمناخ والبيئة.. أزمة وجود تضرب الاقتصاد والمجتمع
يؤكد الأسعد أنّ "التحديات البيئية والمناخية ستزداد حدّة خلال العام المقبل، مع استمرار أزمة شح المياه، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الإنتاج الزراعي، وهو ما يشكل ضغطاً إضافياً على الأمن الغذائي ويزيد من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على الدولة والمواطنين".
ملامح الأزمة البيئية في 2026 يمكن قراءتها على النحو الآتي:
-
استمرار شحّ المياه في الأنهر والخزانات، بفعل تغيّر المناخ وسياسات دول المنبع، إلى جانب سوء الإدارة الداخلية في بعض المراحل.
-
تراجع الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة، وهجرة فلاحين من الريف إلى المدن بسبب عدم القدرة على الاستمرار في الزراعة.
-
ارتفاع كلفة استيراد الغذاء على الموازنة، مع تأثير مباشر على الأسعار داخل السوق، وبالتالي على مستوى معيشة المواطنين.
بهذه الصورة، لا يكون ملف المياه والمناخ ملفاً "فنياً" تابعاً لوزارة معيّنة، بل ملفاً يمسّ:
-
الأمن الغذائي،
-
والاستقرار الاجتماعي في الأرياف والمدن،
-
ومستقبل قطاعات كاملة مثل الزراعة وتربية الماشية،
-
وكلفة الاستيراد، وأعباء الدعم الحكومي.
العلاقات الإقليمية والدولية.. بين فرص التكامل ومخاطر التسييس
إقليمياً ودولياً، يواجه العراق في 2026 مروحة واسعة من التحديات والفرص:
-
تجديد اتفاقات تصدير النفط عبر دول الجوار يمنح العراق منفذاً مهماً للإيرادات، لكنه يبقي جزءاً من اقتصاده مرهوناً بالتفاهمات الإقليمية ومتغيّراتها السياسية.
-
إنهاء مهمة يونامي ينقل العلاقة مع الأمم المتحدة من إطار بعثة سياسية خاصّة إلى تعاون يقوم أكثر على مشاريع التنمية وبناء القدرات، لكن من دون "مظلّة مراقبة" كثيفة كما في السابق.
-
استمرار الصراع أو التفاهم بين القوى الكبرى في المنطقة (الولايات المتحدة، إيران، تركيا، دول الخليج) يجعل من العراق ساحة محتملة للتأثر بأيّ تسوية أو تصعيد، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن أو الحدود.
إذا أحسن العراق إدارة هذا الملف، يمكن أن تتحوّل 2026 إلى سنة توسيع الهامش السيادي، وبناء شراكات متوازنة، واستثمار الموقع الجغرافي في مشاريع ربط ونقل وطاقة. أمّا إذا استمرّ الاضطراب الداخلي، فسيبقى عرضة لتموضع جديد في معادلات الآخرين.
خلاصة 2026.. عام امتحان لقدرة الدولة على تصحيح المسار
يختم الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد قوله إنّ "معالجة هذه التحديات تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تقوم على إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، ومحاربة الفساد، إلى جانب تحسين مستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين، ولهذا عام 2026 سيكون عام اختبار حقيقي لقدرة الدولة العراقية على تجاوز أزماتها المتراكمة، ونجاح أي حكومة مقبلة مرهون بامتلاكها إرادة سياسية واضحة، وخطط واقعية قابلة للتنفيذ، تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة".
بهذا المعنى، تقف 2026 بين سيناريوهين واضحين:
-
إمّا أن تكون سنة بداية تصحيح، ولو بخطوات صعبة، عبر ضبط الإنفاق، وفتح مسارات تنويع الاقتصاد، والتعامل الجدي مع ملف المياه، واستعادة ثقة الشباب.
-
أو تكون سنة ترحيل جديد للأزمة، مع موازنات ريعية، وقرارات مؤجلة، وغضب اجتماعي مرشّح للتصاعد كلّما تكرّر اختلال الأسعار والخدمات.
ما هو مؤكّد أنّ 2026 لن تكون سنة عادية في روزنامة العراق، بل سنة سيُختبر فيها عملياً ما إذا كانت الدولة قادرة على تحويل تراكم أزمات ربع قرن إلى نقطة تحوّل، أم إلى حلقة جديدة في سلسلة الأزمات التي يدفع ثمنها الجيل الحالي والأجيال القادمة معاً.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



