سياسة / ملفات خاصة 18-12-2025, 15:15 | --
+A -A

لحظة المواجهة


الكونغرس يلوّح بـ"تجميد العراق".. هل تتحول تغريدات ويلسون وسافايا إلى أوامر تغيير في بغداد؟

بغداد اليوم – بغداد

تبدو التصريحات الأخيرة التي أطلقها النائب الجمهوري في الكونغرس الأمريكي جو ويلسون، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق مارك سافايا، عن "تحرير العراق" و"جعله عظيمًا مرة أخرى"، أبعد بكثير من كونها شعارات دعائية في منشورات متبادلة على منصة "إكس". فاللقطة التي جمعتهما وهما يلوّحان بالعلم العراقي، مقرونة بوعد صريح بإعادة رسم العلاقة بين واشنطن وبغداد، تعكس ملامح مرحلة جديدة من الدور الأمريكي في العراق، مرحلة تحاول الانتقال من إدارة هادئة لتوازنات ما بعد ٢٠٠٣ إلى مقاربة أكثر صراحة واشتراطًا، تستخدم فيها أدوات القانون والمال والعقوبات والضغط السياسي لإعادة هندسة قواعد اللعبة الداخلية، بدل الاكتفاء بلغة الشراكة التقليدية. في هذا المشهد، يتحول شعار "تحرير العراق من إيران" و"جعله عظيمًا" إلى عنوان لسياسة تسعى إلى إعادة تموضع واشنطن داخل الساحة العراقية، تحت ضغط التحديات الأمنية والاقتصادية والتنافس الإقليمي والدولي، بما يجعل كل حكومة مقبلة أمام سؤال جديد: ليس هل تتعامل مع الولايات المتحدة أم لا، بل أي ثمن ستكون مستعدة لدفعه في ملف الفصائل والسلاح والتحالفات مقابل استمرار هذا التعامل.

شعارات "التحرير" و"العظمة" من لغة الحملة إلى خطاب العراق

يرى الخبير في الشؤون الإستراتيجية حسين الأسعد، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، أنّ التصريحات الأخيرة لويلسون وسافايا لا يمكن قراءتها بوصفها مجرّد رد فعل على حدث طارئ، بل كجزء من رؤية سياسية – إستراتيجية أوسع لإعادة الانخراط الأمريكي في الملف العراقي بعد سنوات من إدارة "منخفضة الصوت". فالتلويح بعبارات من قبيل "تحرير العراق" و"جعله عظيمًا"، كما يوضح الأسعد، لا يعني عودة إلى سيناريو تدخّل عسكري مباشر، بقدر ما يشير إلى رغبة في إعادة صياغة قواعد التأثير عبر أدوات أخرى؛ تشريعات في الكونغرس تربط المساعدات بسلوك بغداد، وضغوط دبلوماسية واقتصادية تتعامل مع الدولة العراقية باعتبارها ساحة تنافس مفتوح مع قوى إقليمية ودولية متزايدة الحضور. بهذا المعنى، يصبح العراق جزءًا من لوحة أوسع لإعادة ترتيب ميزان القوى في المنطقة، وليس ملفًا منفصلًا يمكن التعامل معه بطريقة تقنية أو أمنية صِرفة.

جو ويلسون… من عقوبات سورية إلى مشروع "تحرير العراق من إيران"

في قلب هذه المقاربة يبرز جو ويلسون بوصفه نائبًا جمهوريًا لا يكتفي بإطلاق التصريحات، بل يحاول تحويل خطابه إلى نصوص مُلزمة. فالرجل راكم نفوذًا داخل الكونغرس عبر مواقفه المتشددة من إيران وحلفائها، وانتقاله من ملف إلى آخر في الشرق الأوسط، من ساحة العقوبات على دمشق إلى المطالبة بتشديد الخناق على طهران وأذرعها. حين قدّم مشروع قانون "تحرير العراق من إيران" إلى مجلس النواب، كان يعلن للمرة الأولى منذ سنوات عن نص يربط بشكل مباشر بين سياسة الولايات المتحدة في العراق وبين تفكيك ما يسمّيه "شبكة النفوذ الإيراني" داخل مؤسّسات الدولة العراقية، عبر اشتراط أن يصبح كل دولار عسكري أو أمني أو حتى تنموي يصل إلى بغداد مشروطًا بخطوات عملية؛ من تشديد الرقابة على تمويل الفصائل، إلى الحدّ من نفوذها داخل الوزارات والأجهزة، إلى إعادة تعريف "الشريك الأمني المقبول" أمريكيًا في العراق. بهذه الطريقة يتحوّل العراق في خطاب ويلسون من ساحة حرب انتهت إلى دولة يُفترض أن تقف على قدميها، لكن بشرط ألّا تبقى رهينة "الازدواجية" بين الدولة والفصائل.

مارك سافايا… مبعوث غير تقليدي بين الجالية الكلدانية وغرفة القرار

على الضفة الأخرى، يأتي مارك سافايا بوصفه مبعوثًا غير تقليدي، لا ينتمي إلى السلك الدبلوماسي الكلاسيكي بقدر ما يأتي من عالم الأعمال والجالية الكلدانية العراقية في الولايات المتحدة. هذه الخلفية تضفي على مهمّته طابعًا شخصيًا إضافيًا، فالرجل يقدّم نفسه باعتباره ابنًا لجالية عراقية مسيحية تريد أن ترى بلدها الأم أكثر استقرارًا، في الوقت نفسه الذي يتحرك فيه كممثل مباشر لرئيس أمريكي يرفع شعار "Make America Great Again" ويستعيره اليوم في صياغة "Make Iraq Great Again". خطاب سافايا المُعلن يركّز على إعادة تنظيم العلاقة بين واشنطن وبغداد عبر ثلاثة مسارات متداخلة؛ دعم استقرار الدولة العراقية بوصفه هدفًا مشتركًا، تعزيز قدراتها المؤسسية من خلال التدريب وبناء القدرات، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. في الشكل، يبدو هذا الخطاب قريبًا من لغات دبلوماسية سبق أن استُخدمت في العراق، لكن في الجوهر، حين يوضع جنبًا إلى جنب مع مشروع ويلسون في الكونغرس، يأخذ معنى أكثر صرامة؛ لأنّ "الاستقرار" يصبح مشروطًا بضبط السلاح خارج إطار الدولة، و"التعاون الاقتصادي" يصبح وسيلة لفكّ ارتباط العراق التدريجي باقتصاد الجوار الذي تتقدّمه إيران.

ميزانية البنتاغون تدخل حيّز التنفيذ… خطة الستة أشهر تخرج من الظل

أهمّ ما يمنح تصريحات ويلسون وسافايا ثقلًا مضاعفًا أنّها لم تأتِ في فراغ سياسي، بل تزامنت مع دخول مشروع ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية الجديدة حيّز التنفيذ، وهي الميزانية التي حملت في بنودها تجميد جزء من المساعدات العسكرية المقدّمة إلى العراق، والاشتراط الصريح ألّا يُفرج عن هذه الأموال إلّا بعد أن يقدّم وزير الدفاع "إشهادًا" للكونغرس بأنّ الحكومة العراقية اتّخذت خطوات ذات مصداقية لـ"تقليص نفوذ الميليشيات الموالية لإيران" عبر عملية علنية وقابلة للتحقّق لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، وبما يعزّز سلطة رئيس الوزراء بوصفه القائد العام للقوّات المسلّحة ومرجعية وحيدة لقرار استخدام القوّة. كما مُنح وزير الدفاع الأمريكي صلاحية تعليق هذا التجميد لمدّة تصل إلى ١٨٠ يومًا إذا اقتضت مصلحة الأمن القومي ذلك، في الوقت الذي شدّد فيه الكونغرس على التحقيق ومحاسبة أي عناصر أمنية أو "ميليشيات" تعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية وتتورّط في هجمات ضدّ القوّات الأمريكية أو العراقية. بهذه الصياغة، لا يعود خطاب "تحرير العراق من إيران" مجرّد شعار سياسي، بل يتحوّل إلى شبكة اشتراطات تمسك بشريان الدعم العسكري وتربطه مباشرة بسلوك بغداد في ملف السلاح والنفوذ.

في هذا المفصل تحديدًا تستعيد "بغداد اليوم" تحذيرًا كانت قد طرحته في تقرير سابق عن "نافذة ستة أشهر" تتحرّك خلالها واشنطن ليس عبر إعلان "حكومة انتقالية" بالمعنى الرسمي، بل عبر استخدام أدوات الخنق المالي والاقتصادي والطاقة والنفط لإعادة تعريف قواعد اللعبة، من الدولار والتحويلات إلى بدائل الكهرباء ومسارات النفط، بما يجعل الشارع يشعر بالضغط قبل أن يسمع البيان السياسي. التقرير آنذاك أشار إلى أنّ الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أن تقول إنّها تريد "حكومة لستة أشهر" كي تغيّر المعادلة؛ يكفي أن تغيّر قواعد الامتثال في النظام المالي، أو تُقلّص انكشافها في سوق النفط والطاقة، أو ترسل إشارات مقلقة للمستثمرين، ليبدأ الداخل العراقي بترجمة هذا الضغط إلى ارتباك سياسي أو تنازل أو تسوية أو حتى صدام، وأنّ الحديث عن "إبعاد الفصائل عن الحوكمة" لم يعد عنوانًا عموميًا بل دخل حيّز الأسماء والكيانات المحددة التي يُربط بها مستقبل التعامل الدولي مع بغداد.

ومع دخول ميزانية البنتاغون حيّز التنفيذ بصيغتها الجديدة، تبدو تلك "الستة أشهر" أقلّ كفرضية على السوشيال ميديا وأكثر كنافذة ضغط تشريعية ومالية يمكن استخدامها للصعود درجة بعد أخرى في سلّم العقوبات والاشتراطات، من دون الحاجة إلى إعلان انقلاب سياسي على الورق.

ردّ الفصائل… من التقليل من شأن ويلسون إلى تهديد سافايا ومن يتعامل معه

هذا التحوّل لم يمرّ من دون ردّ فعل داخلي. التيار الفصائلي القريب من إيران حاول في البداية التقليل من شأن جو ويلسون، والتعامل معه في الإعلام المقرّب من تلك القوى بوصفه "نائبًا هامشيًا" أو "صوتًا متطرّفًا" لا يعكس بالضرورة سياسة أمريكية راسخة، في محاولة لفصل الرجل عن صورة الدولة الأمريكية والتعامل مع مشروعه كأنه مناورة انتخابية أخرى داخل الكونغرس. لكن ما إن بدأ يتضح أنّ ويلسون يتحرّك ضمن تنسيق مع مبعوث خاص يحمل تفويضًا مباشرًا من الرئيس، وأنّ اشتراطاته دخلت فعلًا في نصوص ميزانية البنتاغون، حتى تغيّر مستوى الخطاب. التصعيد انتقل سريعًا نحو مارك سافايا نفسه، بوصفه الممثل الدبلوماسي لترامب في العراق، لتصدر عن بعض الفصائل رسائل شديدة اللهجة تحذّر من التعامل معه، وتعلن أنّ أي جهة عراقية تُقدِم على فتح قناة تواصل أو تعاون معه ستكون "خائنة" أو "مستهدفة" سياسيًا وإعلاميًا وربما أمنيًا. هذا التحول من التقليل من شأن النائب إلى تخوين من يتعامل مع المبعوث يكشف، في قراءة مراقبين، عن إدراك مبكّر لدى تلك القوى بأنّ الجمع بين "قانون في الكونغرس" و"مبعوث على الأرض" يمكن أن ينتج نوعًا جديدًا من الضغط لا يقتصر على العقوبات والبيانات، بل يمسّ شبكة المصالح والمواقع التي راكمتها الفصائل داخل الدولة.

هذا التهديد لا يضيّق فقط هامش حركة سافايا، بل يضع الحكومة العراقية نفسها في قلب معادلة حرجة؛ فالتعامل مع مبعوث يمثّل الرئيس الأمريكي يدخل تقليديًا في إطار العمل الدبلوماسي الطبيعي بين الدول، لكنّ تصوير هذه العلاقة على أنّها "تواطؤ" أو "اصطفاف مع مشروع خارجي ضدّ المقاومة" يجعل أي مسؤول يلتقي سافايا أو ينسّق معه عرضة لحملة تشكيك داخلية. بذلك تتحوّل وظيفة المبعوث من قناة رسمية للتفاوض إلى نقطة توتّر إضافية في الداخل، ويغدو كل لقاء معه اختبارًا لموازين القوى بين الدولة والفصائل، بدل أن يكون فقط جزءًا من ديناميكية العلاقات العراقية – الأمريكية.

إعادة صياغة العقد بين واشنطن وبغداد أم إعادة تدوير لعبة النفوذ؟

من زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه محاولة لإعادة صياغة "العقد غير المكتوب" بين واشنطن وبغداد. طوال السنوات الماضية، كانت الولايات المتحدة تميل إلى القبول بحكومات تنبثق من توافقات القوى الشيعية والكردية والسنّية، مع محاولة تعديل بعض التفاصيل عبر الضغط الناعم أو العقوبات المحدودة أو التلويح بملف المساعدات. اليوم، يبدو أنّ جزءًا من الإدارة الأمريكية يميل إلى مقاربة أكثر تشددًا؛ شراكة لا تُمنح مجانًا، بل تُربط بحزمة شروط تتعلّق بملف الحشد الشعبي والفصائل، وبمستوى ارتباط الدولة العراقية بالمحور الإيراني، وبمقدار ما تستطيع بغداد أن تقدّمه من "ضمانات" حول أمن الشركاء الإقليميين لواشنطن، وعلى رأسهم إقليم كردستان. السؤال هنا ليس نظريًا؛ فترجمة هذه المقاربة على الأرض تعني عمليًا أنّ أي حكومة مقبلة ستُختبر ليس فقط بعدد مقاعدها أو حجم تمثيلها، بل بقدرتها على تقديم "إشارات" ملموسة في ملفات السلاح والنفوذ والقرار، وأنّ أي تردّد في هذا المجال قد يتحوّل إلى مبرّر لرفع مستوى الضغط الاقتصادي والمالي والطاقة كما حذّر تقرير "بغداد اليوم" السابق عن سيناريو "الستة أشهر".

السيادة، حساسية الشارع، وامتحان الواقعية

التحدّي الأبرز أمام هذا التوجّه الأمريكي يبقى حساسية الشارع العراقي، الذي ينظر بعين الريبة إلى أي خطاب خارجي يتضمّن مفردات مثل "التحرير" و"إعادة بناء الدولة" و"جعل العراق عظيمًا". هذه المفردات، التي قد تبدو جذّابة في أوراق مستشارين في واشنطن، محمّلة في الذاكرة العراقية بإرث ثقيل من الاحتلال والتدخّلات الأجنبية والصراعات بالوكالة. لذلك، فإنّ أي مشروع أمريكي جديد، مهما كان عنوانه، سيخضع لاختبار مزدوج؛ اختبار السيادة في خطاب القوى السياسية، واختبار النتائج في حياة الناس اليومية. احترام السيادة لا يعني فقط الالتزام بالأشكال البروتوكولية، بل يعني أيضًا تجنّب التعامل مع العراق كمجرّد ورقة في صراع أوسع مع إيران، وعدم تحويل الحكومة إلى ساحة لإملاء شروط نهائية في ملفات معقّدة مثل السلاح، والاقتصاد، والتحالفات الإقليمية، من دون مراعاة الكلفة الداخلية لمثل هذه التحوّلات. في المقابل، فإنّ خطاب الشراكة لن يجد له صدى حقيقيًا إذا لم ينعكس في استقرار أمني واقتصادي يلمسه المواطن في معيشته اليومية، وإلّا سيبقى مجرّد طبقة لغوية جديدة تُضاف إلى تراكم طويل من الوعود غير المنجزة.

بين النوايا والشراكة الفعلية… ماذا ينتظر المرحلة المقبلة؟

في نهاية المطاف، يبدو العراق واقفًا أمام اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة واشنطن على الانتقال من خطاب نوايا كبير إلى نهج شراكة فعلية يحترم السيادة ويدعم بناء مؤسّسات قادرة على ضبط السلاح والمال والنفوذ، واختبار لقدرة النخبة العراقية على استثمار أي ضغط خارجي، مهما كانت دوافعه، لصالح تقوية الدولة لا لصالح إعادة توزيع مغانم السلطة بين اللاعبين التقليديين. فإذا تحوّل حضور جو ويلسون ومارك سافايا، ومعهما اشتراطات ميزانية البنتاغون، إلى مجرّد فصل جديد في لعبة المحاور، ستُعاد كتابة السيناريو ذاته الذي خبرته البلاد مرارًا؛ تدخّلات متقابلة، واصطفافات متضادة، وطبقة سياسية تناور بين العواصم فيما يبقى المواطن خارج الحسابات. أمّا إذا استطاعت بغداد أن تحوّل هذا الضغط إلى فرصة لإعادة التوازن داخل منظومتها، عبر فرض منطق الدولة على منطق الفصائل، وتوجيه أي شراكة خارجية نحو مشاريع تنموية ومؤسّساتية ملموسة، فإنّ شعار "جعل العراق عظيمًا" قد ينتقل لأول مرة من خانة الاستعارة السياسية إلى خانة الاحتمال الواقعي، ولو على طريق طويل ومليء بالعقبات.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسة في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14