آخر الأخبار
بالصور.. أوّل (مسحّرچية) في العراق الصدر يغرد بثلاث نقاط بشأن كورونا المنافذ الحدودية تباشر باكمال الربط الشبكي للسونار بين منفذ المنذرية الحدودي ومركز البيانات الوطني باستضافة 3 شخصيات.. استعداد برلماني لفتح جميع ملفات مطار النجف ثلاثة أسباب "كبرى" تدفع السوداني لتمديد خطة فرض القانون في ديالى

الصين والعراق في ظلِّ مبادرة الحزام والطريق

مقالات الكتاب | 8-07-2022, 13:43 |

+A -A

بغداد اليوم- بغداد 

كتب د.حيدر قاسم مَطَر التميمي

1. نظرة تاريخية

من أجل فهم طبيعة النهضة الكبيرة التي حقَّقتها جمهورية الصين الشعبية، والتي وصلت بها اليوم لتكون في صدارة دول العالم الكبرى من حيث النموِّ الاقتصادي، والرُّقي الثقافي، والتطور التكنولوجي، والرَّفاه المجتمعي.. لا بدَّ أولاً من العودة إلى أجواء ما قبل تأسيس «الحزب الشيوعي الصيني». فعندما كان صوت الثورة البلشفية الروسية (1917) يتردد في جنبات العالم، كان الصينيون من أوائل الذين التقطوا صداه، وسريعاً ما نظموا صفوفهم منطلقين من هدفين؛ أولهما: وطني يتمثل في مجابهة مساعي السيطرة الأجنبية على بلادهم، وثانيهما: هدف اجتماعي بمواجهة الفقر المتجذِّر بين الصينيين حينها.

تروي المصادر التاريخية الكثير من التطورات في المواجهة بين المجموعات الشيوعية، وبين قوات القوميين المدعومة من كثيرٍ من دول الغرب الرأسمالي، يأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. اعتمد الشيوعيون في تلك المواجهة على عنصرٍ هام أغفله القوميون والولايات المتحدة، وهو الجانب الدعائي للعامة، والذي كان بمثابة الدرس الأهم في تلك المواجهة، والذي استوعبته الولايات المتحدة فيما بعد، حيث نشر الشيوعيون بين العامة كافَّة أنَّ نجاح الشيوعية في معركتها القادمة ستكون مقدمة لحصول جميع المزارعين الفقراء على نصيبٍ من الأراضي الزراعية التي يمتلكها أغنياء المدن، فكانت تلك واحدة من أهمِّ العوامل التي جذبت أبناء الشعب لمساعدة الشيوعيين في مواجهاتهم، في محاولةٍ للخلاص من الأوضاع الاقتصادية المزرية التي كانوا يعيشونها.

غيَّرت الثورة الشيوعية في الصين مصير الشعب الصيني، وأعادت رسم خريطة العالم الحديث. خضعت الاشتراكية الصينية لتحولاتٍ كبيرة، حيث قاومت الدولة الستالينية بينما كانت تحارب الرأسمالية العالمية بحروبها الساخنة والباردة وغيرها، وحتَّى التهديد بهجماتٍ نووية. كان الوعد بانتقال السوق في عام 1978 وفق إيقاعٍ اشتراكي يحظى بإجماعٍ كبير قبل أن يدخل بشكلٍ غير متوقع في مرحلةٍ جذريةٍ طويلة بعد الثمانينيات، ما أدى إلى إصلاح أيديولوجية الحزب، والهيكل الاقتصادي، بالتالي العلاقات الطبقية والاجتماعية، وكذلك العلاقات الخارجية.

استناداً إلى قاعدة «التجربة والخطأ»، وإيماناً من الزعيم الصيني الكبير ماو تسي تونغ Mao Zedong (1893-1976م) بتفرد الخصائص الصينية للماركسية، فإنَّه انتهج عام 1958، كزعيم للحزب الشيوعي ورئيس للبلاد، ما عُرف بـ«القفزة الكبرى إلى الأمام». وكان هدفه من هذهِ الخطوة التحول من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الصناعي. وحقاً، عِبرَ آلياتٍ تنظيميةٍ صارمة لنوعية الزراعات والدَّفع باتجاه تسريع التصنيع، كما أنَّ الرفيق (ماو) كان له إنجازٌ بعد نحو خمس سنوات، إذ شَهِدت الصين ما عُرف بـ«الثورة الثقافية».

كما الحرير في نعومتهِ وجاذبيتهِ، لا تزال الصين في ظلِّ حكم «الحزب الشيوعي»، تتحرك بنفاذٍ مقلق للدول الغربية في نطاقاتٍ مختلفة. إذ لا يمكن تجاهل نفاذها في مشاريع اقتصادية عملاقة، ناهيك من مبادرة «الحزام والطريق» التي تعوِّل عليها بكين بشكلٍ كبير لإحياء طريق التجارة القديم الذي يعود تاريخه لقرون عدَّة. ومن خلال استلهام مسارهِ، فإنها تطرح وتُشارك توسيع حركة التجارة العالمية مساهمةً في إنشاء شبكاتٍ من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عِبرَ بلدانٍ عدَّة في آسيا وأفريقيا وأوروبا. ولا يتوقف الأمر عند حدود التجارة المباشرة، ذلك أن الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، لا تُخفي سعيها سواءً في إطار «مجموعة السبع» أو خارجها لـ«وقف النفوذ الصيني». ويُضاف إلى ذلك المخاوف من النمو المتصاعد في مجال التكنولوجيا على وجه الخصوص.

إنَّ من أبرز أسباب حيوية الحزب الشيوعي الصيني على مدار المائة عام المنصرمة، وجود قياداتٍ له تميَّزت برؤيةٍ واسعة وبعيدة المدى. فمن ماو تسي تونغ، إلى دنغ شياو بينغ Deng Xiaoping (1904-1997م)، وصولاً إلى الأمين العام الحالي للحزب شي جين بينغ Xi Jinping، استطاع هذا الحزب أنْ يتكيَّف مع التطورات وأنْ يتغلَّب على الصعوبات. كان ماو تسي تونغ ماركسياً وثورياً، وإستراتيجياً ومُنظِّراً. تحت قيادة ماو تسي تونغ، صمد الحزب الشيوعي الصيني أمام الضغط الدولي، ووزَّع الأراضي الزراعية في الريف على القرويين، وساهم في استقلال المرأة الصينية، ونظَّم حملةً للتثقيف الجماهيري، وأنشأ الصناعة الثقيلة في الصين، وبنى قُدرة دفاعية قوية. هذهِ الإجراءات كلَّها ضمنت توفير سُبُل المحافظة على السيادة الوطنية وهيَّأت الظروف للخطوات المقبلة في الصين.

ممَّا تقدم، يمكن القول إنَّ الحزب الشيوعي الصيني يبدأ مئويته الثانية وقد حقَّق نجاحاتٍ ضخمة في توحيد الصين، ونقلها من بلدٍ محطَّم وجائع إلى أحد أكبر الاقتصادات العالمية، وإلى قوةٍ سياسية وعسكرية لا يمكن تجاهلها، ومركز صناعي للعالم بأسرهِ. ألا إنَّ السؤال الذي يُطرح بقوة، والذي يُعد أحد النقاط المثيرة للجدل اليوم، هو هل يواجه الحزب الشيوعي الصيني تحدياتٍ ونحن في العَقد الثالث من القرن الحادي والعشرين ؟ الإجابة: نعم. فهناك تحدياتٍ كثيرة وكبيرة في الآن نفسهِ، بعضها داخلي والآخر خارجي، وهي ليست تحديات تخص الحزب وحده وإنَّما الصين ككُل. وطالما أنَّ قيادة الحزب مُدركة ومقدِّرة لهذهِ التحديات، عارفاً سُبُل وآليات التعامل معها، وفق منهجية علمية وإدارية أثبتت فعاليتها بجدارة، فإنَّه – أي الحزب الشيوعي الصيني – ما زال محتفظاً بحيويتهِ وقوتهِ التي تمكنه من قيادة الصين في ظلِّ عالمٍ متغير. نعم، سيبقى مستقبل الحزب الشيوعي الصيني مرتبطاً بقدرتهِ على تطوير ذاتهِ، وآلياتهِ، ومواكبة التغيرات داخل الصين وخارجها.

2. الصين.. رائدة التنمية المُستدامة

كانت اهتمامات التنمية في كلِّ دول العالم – في بادئ الأمر – تنصب نحو تحقيق التنمية الاقتصادية، حتَّى جعلت منها هدفاً تسعى إليه من خلال العمل على الاحتفاظ بمعدلٍ مناسب من التنمية في شتَّى الأصعدة؛ ليتحقَّق للمُجتمع على المدى البعيد زيادة معدلات النمو في الدخل القومي الحقيقي. وإنَّ أبرز ما تنطوي عليه عملية التنمية هي إحداث تغيير جذري في المجتمع يقضي بهِ على مُسبِّبات التخلف والفقر. إلَّا أنَّ هذا المفهوم للتنمية نراه – ومنذ عقود – قد تغير وفقاً للمفهوم الذي خرجت بهِ إدارة الحزب الشيوعي الصيني في ظلِّ سياستها التنموية للبلاد، فبعدما كان الحديث عن التنمية الاقتصادية الشاملة أصبح الحديث اليوم عن التنمية البشرية المستدامة ومقاييسها، إذ أصبح الاستثمار في المورد البشري هو غاية الإدارة الصينية، والتي تهدف من ورائها بناء القُدرات البشرية بغية التوصل إلى مستوى رفاه إنساني راقي، من خلال التمتع بمزايا الحياة (الصحة، المعرفة، التعليم، الحرية..)، وتوظيف قدرات التسيير في كافَّة النشاطات الإنسانية الاقتصادية والسياسية والمدنية.

من خلال المفاهيم والأُسس والثوابت العلمية التي اعتمدتها الدراسات الحديثة والمتخصِّصة في تحديد العلاقة الجدلية بين التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية، يمكن القول إنَّ هذهِ العلاقة إنَّما تنبع من واقع أنَّ أحدهما يعتمد على الآخر بشكلٍ لا يقبل الشك، وقد أظهرت التجربة الصينية بشكلٍ جليٍّ وواضح بأنَّ التنمية الاقتصادية المجرَّدة من خطط الاستثمار البشري كانت فاشلة، فالفرد في المجتمع هو الأحوج أولاً للتنمية، وذلك من واقع التخطيط له بأنْ يكون المهيَّأ لإدارة وقيادة عمليات التنمية في بلدهِ، هذا من ناحية، أمَّا من ناحيةٍ أخرى فإنَّ التنمية الاقتصادية لا يمكن أنْ تقوم بدون وجود مورد بشري علمي ومثقف ومؤهل بكلِّ ما تحتاجه مراحل التنمية الاقتصادية في كلِّ النواحي. وبذلك، يمكن لنا أنْ نعد التجربة الصينية خير مثالٍ على النجاح والتقدم في المسيرة التنموية الاقتصادية، من خلال اعتمادها على مبدأ الاستثمار الاجتماعي الذاتي، والذي قادها نحو نجاح التنمية الشاملة.

ظهر تعبير (مجتمع المعرفة) knowledge society في نهاية عَقد الستينيات من القرن الماضي. وكان المقصود بهِ أنَّ الثروة الحقيقية لدولةٍ معينة تتوقَّف على طاقتها في إنتاج المعارف وتبادلها وتحويلها، وليس فقط على ثرواتها الطبيعية أو إنتاجها المواد المصنَّعة. ويمتاز المجتمع الصيني اليوم، في ظلِّ إدارة الحزب الشيوعي، بخصائص تجعله متوافقاً وقريباً في الدلالة من هذا المفهوم، إذ أنَّ جميعها تدور حول توظيف المعرفة في كافَّة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يميزه عن غيرهِ من المجتمعات الزراعية والصناعية البحتة.

وعليه، يمكن لنا أنْ نحدِّد مميزات المجتمع الصيني، بناءً على القراءات العميقة، والمتابعات المتواصلة لحركتهِ التنموية، بعددٍ من الخصائص، والتي نجحت الإدارة الصينية في تقوية أواصرها ودعائمها بين جميع طبقات المجتمع الصيني، حتَّى بات اليوم يُعد خير مثالٍ لِمَا يُطلق عليه بـ(مجتمع المعرفة)، منها:

•      توافر مستوى عالي من التعليم، ونموٍّ متزايد من قوة العمل التي تملك المعرفة وتستطيع التعامل معها وتوظيفها في الإنتاج، وتحول مؤسَّسات المجتمع الحكومية والخاصَّة ومنظَّمات المجتمع المدني إلى هيئاتٍ ومنظَّماتٍ ذكية وفاعلة مع الاحتفاظ بأشكال المعرفة المختلفة في بنوك المعلومات وإمكان أعادة صياغتها وتشكيلها أو تحويلها إلى خططٍ تنظيمية بفضل مراكز البحوث القادرة على إنتاج المعرفة والاستفادة من الخبرات المتراكمة، ممَّا يساعد في خلق مناخ ثقافي يمكنه فهم التحولات والتغيرات ويتجاوب معها.

•      كذلك يمتاز المجتمع الصيني بأنَّه مجتمع يعتمد في تطورهِ ونموهِ بصورةٍ رئيسة على المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، أي أنَّه يعتمد على ما يُسمِّيه البعض بالتكنولوجيا الفكرية. تلك التكنولوجيا التي تضم سلفاً سلعاً وخدماتٍ جديدة مع التزايد المستمر للقوة العاملة المعلوماتية التي تقوم بإنتاج وتجهيز ومعالجة ونشر وتوزيع وتسويق هذهِ السلع والخدمات.

•      كما تتَّسم الإدارة الصينية بأنَّها تؤمِّن النفاذ الحر والشامل إلى المعلومات لجميع أفراد المجتمع، وهذا مرتبط بتوفر التكنولوجيا اللازمة المتمثلة بوجود البُنية الأساسية المتطورة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فضلاً عن وجود القوانين التي تحفظ حقوق المواطنين بالوصول إلى المعلومات، ضمن إطارٍ من الحرية والشفافية والتي تُعد أمراً أساسياً في توسع النفاذ إلى المعلومات.

•      كما تتَّسم الإدارة الصينية بتعزيز وعي المواطنين بمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وضرورة اشتراكهم في عملية صُنع القرار. كما تتَّسم باعتماد مؤسَّسات المجتمع الخاصة والحكومية ومنظَّمات المجتمع المدني أشكال المعرفة المختلفة.

•      كذلك يمتاز المجتمع الصيني بأنَّه يعتمد في مُجمَل أنشطة حياتهِ على الاستخدام والتعامل بغزارة مع المعلومات والمعرفة. كذلك فهو مجتمع يعتمد أساساً على المعلومات الوفيرة كموردٍ استثماري، وكسلعةٍ إستراتيجية، وكخدمةٍ، وكمصدرٍ للدخل القومي، وكمجالٍ للقوى العاملة، مستغلاً في ذلك كافَّة إمكانيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

•      كما يتصف المجتمع الصيني بأنَّ نسبة كبيرة من أفرادهِ تستخدم المعلومات بشكلٍ مكثَّف، سواءٌ أكانوا  منتجين أو مستهلكين للمعلومات، وإنشاء مراكز نُظُم معلومات توفِّر فرص أفضل للتعليم. ويظهر في هذا المجتمع قطَّاع المعلومات كقطَّاعٍ مهم من قطَّاعات الاقتصاد.

أمَّا عن وجهة نظرنا في هذا الجانب بالتحديد من مجموع الموضوعات التي نتناولها في مقالتنا هذهِ، فيمكن لنا القول إنَّ تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية مسألة في غاية الأهمية والدقَّة؛ فمن جهة، لا بدَّ من الاهتمام بالتنمية البشرية، ولكن المبالغة في الاهتمام بها بأكثر من حدودٍ معيَّنة تقضم القدرة على التنمية الاقتصادية وتكبحها، ما يُقلِّص المتاح للتنمية البشرية. وإهمال التنمية البشرية ومنح الحقوق كافَّة لرأس المال، إنَّما يعني تدهور سوية الحياة ومستوى المعيشة، ويُضعف تأهيل قوة العمل والقدرة الإبداعية للمُجتمع، ويُهدِّد في النهاية بانفجار المجتمع.

3. موقف الصين من دول العالم في ظلِّ جائحة كورونا

 يُقال إنَّه يمكن للأزمات أنْ تخلق فرصاً؛ يمكن لها أنْ تؤدي إلى إحداث تغييرٍ حقيقي. ولكي تغتنم الصين اللحظة، فإنَّها تعمَل بنجاح على مواصلة مكافحة وباء كورونا المستجد وهو يدخل موجته الجديدة، وخارج حدودها. إذ أنَّها تُشارك المعلومات واللُّقاحات الخاصة بأبحاث فيروس كورونا بغضِّ النظر عن الملكية الفكرية أو اعتبارات الربح، وتلتزم بإمداد معداتٍ طبية عالية الجودة للآخرين، وتلغي الديون المستحقة على البلدان الفقيرة والمتعثرة... يمكن أنْ تكون هذهِ الخطوات الأولى للابتعاد عن العولمة الجديدة مع فرض جهودٍ جماعية أخرى لوقف سباق التسلُّح وأزمة المناخ.

بالتالي، فإنَّ المهمة الإستراتيجية التي تخطِّط لها الصين الآن هي نبذ أيديولوجية التنمية أو مركزية النمو، إضافةً إلى المساهمة في كبح جماح الدمار البيئي من قبل الشركات متعددة الجنسيات العاملة على الأراضي الصينية. لقد عزَّزت الصين الوعي الأخضر، وقادت استكشاف طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وبدأت في إنشاء مناطق بيئية خاصة.

بعد تعافي الصين مبدئياً من فيروس كورونا، وانتشاره في العديد من دول العالم، أعلن الرئيس الصيني (شي جين بينغ) استعداد بلاده لمشاركة خبراتها وتقديم ما بوسعها من المساعدة للدول التي يتفشَّى فيها هذا الوباء. فانتقلت الصين من مرحلة الحرب ضدَّ الفيروس إلى مرحلة المصير المشترك للبشرية، وأحيت مبادرة طريق الحرير الصحي، التي كانت قد أطلقتها منذ العام 2017م، فأخذت بإرسال المساعدات الطبية إلى الدول المتضررة، ومن بينها دول الشرق الأوسط على وجه الخصوص. وبما أنَّ الصين كان قد أصبح لديها تجربة كبيرة وناجحة في مجابهة فيروس كورونا المستجد، فإنَّها لم تبخل بخبراتها على أيِّ دولةٍ تطلب المساعدة، فعمَدت إلى إرسال الفرق الطبية المتخصصة لكثيرٍ من دول العالم، وتمَّت عملية الإرسال والاهتمام هذهِ بطريقةٍ منظَّمة ومدروسة، حيث تمَّ تكليف كلِّ مقاطعةٍ أو مدينةٍ صينية بمُساعدة دولة معينة، فكان نصيب العراق أن عُنيت بمُساعدتهِ مقاطعة (قواندونغ) Guangdong، التي تقع في الجنوب على ضفاف بحر الصين، مستثمرين هذهِ الفرصة لتوجيه ثناءنا وتقديرنا لإدارة ومواطني هذهِ المقاطعة الكريمة.

وتتنوع المساعدات الصينية ما بين إرسال بعثات الفرق الطبية، والتبرع بالمستلزمات الطبية والأموال، والمساعدة على إنشاء المختبرات والمستشفيات.. ولعلَّ واحدة من المبادرات البارزة والمهمة التي قدمتها الصين للعراق خلال هذهِ الفترة العصيبة، أنْ عمَدت إلى افتتاح المختبر البيولوجي الجزيئي الذي أنشأته الصين بإشراف الخبراء الصينيين الموجودين في بغداد. وبحسب السلطات العراقية فإنَّ المختبرات العراقية كانت تستطيع وقتها إجراء ما يُقارب من (200) فحص في اليوم، إلَّا هذا المختبر الجديد الذي أنشأته الصين بإمكانه أنْ يُجري ألف اختبار في اليوم الواحد، الأمر الذي ساعد على تعزيز قدرات العراق في الكشف عن حالات الإصابة بالمرض الناجم عن فيروس كورونا المستجَد (كوفيد-19) Coronavirus disease 2019 (COVID-19).

وفي جهةٍ أخرى من العالم، فقد امتازت جمهورية الصين الشعبية بعلاقاتها العميقة والرصينة مع العديد من دول القارة الأفريقية، إذ مثَّلت العلاقات الصينية - الأفريقية نموذجاً إيجابياً يُحتذى بهِ للعلاقات فيما بين الدول في العالم، ما كان له مُساهمات وتداعيات واسعة وبعيدة المدى على تعددية الأقطاب العالمية والعولمة الاقتصادية. وإنَّ مواصلة تعزيز العلاقات مع كافَّة الدول النامية، بما فيه الدول الأفريقية، كان بمثابة المنطلق الأول والأخير للدبلوماسية الصينية؛ لأنَّ هذهِ العلاقات قائمة على قاعدة المعاناة المتشابهة وأيام الشدَّة في الماضي، ومبنية على أساس التطلُّعات والمصالح الإستراتيجية المشتركة في الحاضر.

ولعلَّ خير شاهدٍ لكلِّ ما ورد ذكره أعلاه، ضمن هذا المحور من المقالة، ما تضمَّنه "قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام"، الذي أجازته الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني، خلال الفترة ما بين 8-11/نوفمبر/2021م. الذي عُني بمناقشة وتحديد جملة من الفقرات ذات العناية الخاصة بُمستقبل ومصير الشعب، واختيار الطريق لنهضة الأُمة، والابتكار النظري، والتأثير العالمي، والثورة الذاتية. وما يعنينا منها على وجه الخصوص، هو الفقرتين التاليتين منه:

(أ) التمسك بوضع العالم ككُل في اعتبارنا: لم يسعَ الحزب الشيوعي الصيني وراء تحقيق سعادة الشعب الصيني والنهضة العظيمة للأُمة الصينية فحسب، بل إلى تقدم البشرية والتناغم العالمي أيضاً. وتُثابر الصين على الانفتاح لا الانغلاق، وتتمسَّك بالمنفعة المتبادلة والكسب المشترك وترفض لعبة المحصِّلة الصفرية، وتعمل بلا تحيُّز وبدعم العدالة، وتقف إلى جانب اختيار التاريخ وتقدم البشرية، وتتمسَّك بطريق التنمية السلمية، ولا تعتمد على الآخرين أو تسلبهم، ولن تسعى أبداً للهيمنة.

(ب) التمسك بالجبهة المتحدة: ظلَّ الحزب الشيوعي الصيني يتمسَّك بالاتحاد مع كافَّة القوى التي يمكن الاتحاد معها، ويُعبِّئ كلَّ العوامل الإيجابية التي يمكن تعبئتها، بغية حشد قوى الكفاح المشترك إلى أقصى حد.

4. الصين والعراق في ظلِّ مبادرة الحزام والطريق

تتميز العلاقات العراقية – الصينية بامتدادها التاريخي وعلى مدى جميع حِقَبهِ وعصورهِ. تبلورت وتشكَّلت ملامحها الواضحة مع بدايات نشأة الدولة العربية الإسلامية، واتخاذها مدينة بغداد عاصمةً لها، منذ بدايات القرن الثامن الميلادي. لتبدأ مرحلة العلاقات التجارية بأوسع نطاقٍ لها مع ما شَهِدته من نموٍّ فاق الأوصاف لطريق الحرير الذي ربط بكين ببغداد على مدى قرونٍ عديدة. وبفضل هذهِ الروابط والعلاقات – التي بدأت اقتصادية بحتة – شجَّعت العديد من التجار والعلماء العرب للتنقل والاستقرار في مدن الصين المختلفة، ما أدى بالتالي لتعميق أواصر العلاقات الثقافية والعلمية، وحتَّى الدينية بين الشعبين، حيث تمتلئ السجلَّات التاريخية بالكثير من الشواهد على عُمق وودِّية العلاقات بين العراق والصين.

ورغم بعض التذبذب في العلاقات على مدار القرون الماضية، من حِقبة التاريخ الحديث؛ بسبب ظروفٍ خاصة مرَّ بها العراق، ظلَّت الصين دوماً مساندة للعراق تدعم استقلاله وسيادته وحريته وحقَّ شعبهِ في تقرير مصيره، كما هو موقفها من كلِّ شعوب العالم. لتبدأ مرحلةً جديدة من العلاقات السياسية بين الطرفين، وتحديداً في آب/أغسطس من العام 1958م، حينما تمَّ تبادل الاعترافات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية العراق بأحدهما الآخر.

وبعد ستين عاماً من العلاقات الودية والإيجابية، نرى ضرورة التمسك بدفع عجلة هذهِ العلاقات نحو الأمام، وبضرورة العمل على إطلاق العنان لها وتفعيل مضامين هذهِ الشراكة المتميزة، وخاصةً تعهدات الصين بالمُشاركة الفعلية والفعَّالة في إعادة الإعمار الاقتصادي للعراق، ثمَّ الانطلاق لتمهيد الطريق لمزيدٍ من التعاون والتبادلات الاقتصادية والعلمية والثقافية لترقية هذهِ الشراكة إلى شراكةٍ إستراتيجية شاملة، بحيث تكون أوسع وأعمق وأطول مدىً.

منذ العام 2013م أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative، أو طريق الحرير الجديد، قائلةً إنَّه يمثل حجر الزاوية للسياسة الاقتصادية الصينيَّة.

ويهدف المشروع الصيني إلى تحسين الروابط التجارية العابرة للقارات عِبرَ بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية. وطريق الحرير البحري هي إستراتيجية تنموية تعتمدها الحكومة الصينية وتتضمَّن تطوير البُنية التحتية والاستثمارات في (152) دولة ومنظمة دولية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

أسَّست الصين رؤيتها - التي تريد أنْ تغيِّر بها وجه آسيا لتنقلها إلى عصور الحداثة - على مشروعٍ قديم عمره يزيد على ألفي سنة، ألا وهو (طريق الحرير). هذا الطريق الذي كان يمتد من الصين عِبرَ آسيا الوسطى إلى شواطئ المتوسط، ومن هناك يمتد بحراً إلى أوروبا التي كانت تستقبل البضائع الآسيوية الثمينة حينها من البهارات والخزف والحرير الصيني.

طرحت الصين في مبادرتها حلولاً لمشاكل مُزمنة عانت منها عقوداً. ومن هذهِ المشاكل تمكين الولايات الداخلية من الانخراط في الاقتصاد العالمي، وربط وتعزيز انتماء الولايات الحدودية إلى المركز وزيادة مساواتها الاقتصادية، وخصوصاً مناطق شينغيانغ Xinjiang، والتبت Tibet.

في عام 2015م؛ أعلنت الحكومة الصينية ورقةً تُسمَّى (خطَّة تشغيليَّة لمبادرة الحزام والطريق)، تضمَّنت الخطوط العريضة للمُبادرة التي دعت دول آسيا والعالم إلى الانضمام إليها، وجعلت المشاركة في البنك الآسيوي لتنمية البُنية التحتية - الذي تُساهم الصين بحصة الأسد فيه - المدخل للمُشاركة في هذهِ المبادرة.

وقد بلغ اليوم عدد المشاركين فيه قرابة السبعين دولة، وليست كلُّها دولاً آسيوية أو دولاً من العالم الثالث؛ بل شاركت فيها دول أوروبية كألمانيا وبريطانيا مثلاً.

كما أنشأت بكين صندوقاً لتمويل المشاريع المرتكزة على المبادرة سمَّته (صندوق طريق الحرير)، وقد اختلف الخبراء في تقدير القيمة المتوقعة لمشاريع المبادرة اختلافاً كبيراً، إذ إنَّ بعضهم يُقدِّر التكلفة بنحو تريليون دولار، وآخرين يُقدِّرونها بثمانية تريليونات دولار أميركي، وينبع هذا التفاوت أساساً من أنَّ المبادرة ما زالت في مرحلة سيولة، ولم يتحدَّد بشكلٍ نهائي الشركاءُ فيها والمشاريعُ التي سيتم تبنيها.

تُشير الخطط الأولية للمُبادرة إلى أنَّ الخطوط التي تمَّ تبنيها (ستة خطوط) يمر نصفها أو ينتهي على ضفاف البحر الأبيض المتوسط عِبرَ الشرق الأوسط والبلدان العربية، وهذا ما يجعل الصين تولي هذهِ المنطقة عنايةً كبيرة في خطَّة العلاقات العامة التي تُمارسها لإقناع العالم بالمبادرة.

ولعلَّ أكثر ما يميز السياسة الخارجية الصينية في الشرق الأوسط هو تركيزها على تهدئة هذهِ المنطقة، التي توصم عادةً بعدم الاستقرار بسبب الحروب والثورات الداخلية، وذلك بدعمها للأنظمة الحاكمة.

فبكين لا تهتم بطبيعة النظام الحاكم من الناحية الأيديولوجية أو العِرقية أو الطائفية، بل كل ما يهمها هنا هو تأمين أكبر قدر من الاستقرار الأمني، بحيث تستطيع الطرق وسكك الحديد والموانئ وأنظمة الاتصالات والمدن التجارية الحرة أنْ تزاول عملها بسلاسةٍ وأمان، وهي مستعدة لتقديم كلِّ مساعدةٍ ممكنة لتلك الأنظمة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً لتحقيق ذلك.

وعلى هذا الأساس، يمكن تلخيص رؤيتنا التي نصبو من خلالها لتكريس مشاركة العراق بهذا المشروع، الاقتصادي في الدرجة الأولى، العالمي، بمجموعة النقاط التالية:

1.    تسليط الضوء، وفق دراساتٍ وأبحاث علميةٍ رصينة، على العلاقات العراقية – الصينية في مختلف حِقَب التاريخ وعلى كافَّة المجالات، وصولاً إلى وقتنا الحاضر حيث وصلت هذهِ العلاقات حدوداً كبيرة من السعة، ولاسيَّما في الجوانب التجارية والاقتصادية.

2.    البحث عن الرؤية المشتركة لكلٍّ من العراق والصين فيما يتعلَّق بالحفاظ على سيادة العراق وبناء نظامٍ سياسي يُتيح المجال أمام تحقيق الاستقرار والتنمية.

3.    البحث في سُبُل زيادة برامج  الدعم العلمي والفني والتقني من قبل الحكومة الصينية للحكومة العراقية ومؤسَّساتها المختلفة، بهدف تطوير أداء الجهاز الإداري وتفعيل الشفافية، والجهاز الإنتاجي، ومؤسَّسات القطَّاع الخاص.

4.    البحث في سُبُل وآليات تكثيف الصين لعلاقاتها الثقافية مع العراق عِبرَ البعثات العلمية والمنح البحثية، وتعزيز التعاون العلمي مع المؤسَّسات والجامعات العراقية، وتبادل الخبرات الأكاديمية، وصولاً إلى ما يُسمَّى بـ(الدبلوماسية الشعبية) التي تُتيح لجميع شرائح المجتمع العراقي من الاطلاع على حالة التطور العلمي والحضاري في الصين، والتأثر بالتجربة الصينية في الحداثة والتقدم.

5.    تقديم دراساتٍ أكاديمية متخصِّصة حول مبادرة الحزام والطريق، هذا المشروع الكبير الذي أعلن عنه الرئيس الصيني (شي جين بينغ) منذ العام 2013م. والبحث في أبعاد هذا المشروع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها على العراق بوصفهِ واحداً من الشركاء الرئيسيين فيه.

5. الخلاصة

نأمل من خلال ما تقدم، أنْ نكون قد وفقنا إلى تقديم صورة واضحة ودقيقة لِمَا آلت إليه جمهورية الصين الشعبية خلال مائة عام في ظلِّ حكم الحزب الشيوعي الصيني Chinese Communist Party، اعتباراً من يوليو 1921م وحتَّى يومنا هذا، مع تسليط الضوء على الصِعاب التي واجهت الحزب والشعب الصيني على حدٍّ سواء، في سبيل الوصول إلى الغاية المنشودة والهدف الذي رسمه الحزب منذ بدايات تأسيسهِ، والمتمثل بصين متقدمة ومتطورة تُضاهي دول العالم الكبرى في رُقيها ونموِّها الاقتصادي والثقافي والعلمي..

ومن جهةٍ ثانية، حاولنا الإشارة بشيءٍ من الاختصار إلى السياسة التنموية الفريدة التي انتهجتها جمهورية الصين الشعبية، والتي أصبحت بعد النجاحات الكبيرة التي حقَّقتها من خلالها تجربةً يُحتذى بها، ومثالاً يُضرب بإمكانية الوصول إلى الرَّفاه الاقتصادي والمجتمعي.

كذلك، فقد كانت لنا وقفة سريعة مع الحدث الأبرز الذي عاشه العالم منذ ثلاثة سنين، وما زال يواجه آثاره، ذاك هو جائحة وباء كورونا المستجد، من خلال التركيز على السياسة الحكيمة والناجعة التي اتبعتها حكومة جمهورية الصين الشعبية، في سبيل الوقوف والحد من آثارها، وما كان للشعب الصيني من دورٍ بارز وكبير في الوقوف جنباً إلى جنب حكومتهِ، سعياً لتمكين تضافر الجهود، والوصول إلى الغاية المنشودة بأسرع وقتٍ ممكن. إضافةً إلى دور الصين في تقديم المساعدات الكبيرة لكثيرٍ من دول العالم، بغية النهوض بها وإعانتها على الوقوف بوجه هذهِ الجائحة.

وأخيراً، حاولنا باختصارٍ شديد تتبع العلاقات التاريخية التي ربطت الصين بالعراق، هذهِ العلاقات التي كان من شأنها أنْ تساعد على تطور التعاون المشترك بين البلدين، وتؤطِّر لمشاريع مستقبلية كبيرة، وفي جميع المجالات والقطَّاعات. ساعين من خلال هذهِ الفقرة ضمن مقالتنا إلى بيان أهمية دخول العراق عضواً فاعلاً ضمن مبادرة الحزام والطريق، التي نتوقع من خلالها فتح آفاق كبيرة ومتنوعة أمام الجهة الأخيرة للتنمية الاقتصادية التي ينشدها، وزيادة التطور العلمي والثقافي فيه.