نزاعُ تسيّد العالم.. بغداد قد تكون أول الملتحقين بـ ’’القطب الصيني’’ بعد كورونا والتفاوض مع واشنطن

تخطي بعد :
سياسة 2020/04/08 15:36 5034
   

بغداد اليوم- بغداد

رغم ما يذكره بيان رئاسة الوزراء الصادر بشأن لقاء رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والسفير الأمريكي ماثيو تويلر الأخير، من ترحيب العراق بالتفاوض مع أمريكا، وطرحه هذا المقترح في رسائل سابقة، إلا أن التفاوض بين البلدين أثار استغراب المراقبين للشأن السياسي هنا.

الاستغراب هذا، لم يكن حاضراً على المستوى الحكومي، نظراً لمسارعة محمد علي الحكيم وزير خارجية العراق، البلد الذي يعتبر "حليفاً" للولايات المتحدة بحسب تصريحات اغلب قادتها، إلى نشر تغريدة عبر تويتر فور الإعلان عن طلب التفاوض، تحدث فيها عن استعداد العراق، وأبدى رغبةً بتحديد موعد للشروع بها.

كانت الأشهر الأخيرة، وخصوصاً بعد عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيأة الحشد الشعبي أبو المهدي المهندس مطلع 2020، أشهر مناوشاتٍ بين القوات الأمريكية بالعراق، وبين الفصائل المتواجدة فيه، وتعتبر واشنطن "عدواً أزلياً"، دفعت جميعها التحالف الدولي لمغادرة 6 مواقع يتمركز بها في بغداد والمحافظات المحاذية لها.

تزامن ذلك مع قول التحالف الدولي في أكثر من بيان، بأن ما يجري هو عملية إعادة انتشار، تنفذ بالتزامن مع ظهور كورونا وإيقاف التدريبات التي يجريها خبراء ومدربون أجانب في صفوف التحالف، للقوات العراقية.

طلب التفاوض ليس جديداً

مدير مركز التفكير السياسي احسان الشمري، قال إن "طلب امريكا التفاوض مع العراق ليس جديداً، فقد سبق أن قدمت واشنطن طلباً في العام 2018 في عهد حكومة حيدر العبادي، وكان الهدف تنشيط اتفاقية الإطار الاستراتيجي، خصوصاً انها لم تفعل بالشكل المقرر لها".

ورأى الشمري، في حديثه لـ (بغداد اليوم)، أنه "بعد طلب حكومة عبد المهدي انسحاب القوات الامريكية من العراق، يبدو أن واشنطن تضع في حسابتها ان تضع العديد من السيناريوهات، خصوصا طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن".

واكد، أنه "حسب بنود الاتفاقية فيها العديد من الاطارات الامنية العسكرية، الثقافية، الصحية، التعليمية، ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد التركيز على وضع العلاقة بين الدولتين، وفق ما جاء في اتفاقية الإطار الاستراتيجي".

وصوت البرلمان العراقي في الخامس من كانون الثاني الماضي، على قرار نيابي من 5 إجراءات يلزم الحكومة بإلغاء طلب المساعدة من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

واشنطن جادة بالتفاوض

يوم أمس الثلاثاء، صرح وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو، لعدد من الصحفيين، بأن "الولايات المتحدة اقترحت إجراء حوار استراتيجي مع الحكومة العراقية منتصف شهر حزيران المقبل، وستكون جميع القضايا الاستراتيجية بين بلدينا على جدول الأعمال، بما في ذلك الوجود المستقبلي للقوات الأمريكية".

ويؤكد الخبير الشمري، أن "واشنطن جادة في عقد المفاوضات"، كاشفاً عن تشكيلها "وفداً برئاسة وكيل وزير الخارجية الامريكية للشؤون السياسية".

ويرى الشمري، أن "واشنطن تعتقد أن الوقت حان لوقف انهيار العلاقة مع بغداد، وتدرك جيداً بأن حكومة عبد المهدي حولت المسار في العلاقة إلى رؤيا أخرى، وترى أن الحكومة الجديدة تصحيح لتلك الاخفاقات".

ويلفت إلى أن "أمريكا عازمة على تصحيح الاخطاء رغم أنها دعمت عبد المهدي الذي حاول هو أيضاً مد علاقات جيدة معها، ولكن طبيعة معادلة السلطة ابعدت العراق عن ساحة التوازن".

اتفاق جديد أم إحياء الاتفاقية الاستراتيجية

يوم أمس، صرح حيدر اللامي، عضو المكتب السياسي لحركة "النجباء"، التي تعتبر الولايات المتحدة دولة محتلة في العراق، أن "الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق وامريكا، خُرقت من قبل الطرف الامريكي لأكثر من مرة، لاسيما بعد دخول داعش وطلب الحكومة العراقية المساعدة من واشنطن بشكل رسمي".

وقال اللامي خلال حديثه لـ (بغداد اليوم): "بحسب المعلومات المتوفرة، هنالك نية لإعادة تفعيل الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق وامريكا، وهذه الاتفاقية مرفوضة جملة وتفصيلا".

ورأى أن "الاتفاقية الاستراتيجية خرق لسيادة العراق من الجانب الاقتصادي، وسيطرة للجانب الامريكي على القرار السياسي، وهذا ما نلاحظه بحسب تصرفات الادارة الامريكية"، موضحا أن "استهداف المؤسسات الرسمية من قبل الجانب الامريكي، في الآونة الأخيرة خرق لاتفاقية الإطار الاستراتيجي وخرق للدستور".

أما الخبير احسان الشمري، فيرى أن "الموضوع ليس فيه عقد صفقة جديدة أو اتفاقية لأنها موجودة ولكن غير مفعلة"، في إشارة الى الاتفاقية الاستراتيجية بين العراق وأمريكا.

ويشير الشمري إلى أن "وضع تاريخ يونيو (حزيران) لبدء مفاوضات جديدة في خصوص اتفاقية الإطار الاستراتيجي يبين عدم اعتراف الولايات المتحدة الامريكية بشرعية حكومة عبد المهدي، والأمر الآخر فيما يبدو انهم لا يثقون التفاوض مع عادل عبد المهدي ومعادلة السلطة وتركو مسافة زمنية، حيث يعتقدون بتشكّل حكومة جديدة تحظى مقبولية الشعب والاطراف السياسية".

كيف ستتصرف الفصائل المسلحة؟

القيادي في الحشد الشعبي، كمال الحسناوي قال إن "التفاوض السياسي بين أمريكا والعراق لا ضير فيه، ولكن عن طريق السياسيين والقوى السياسية فقط".

ويضيف الحسناوي خلال حديث لـ (بغداد اليوم): "أما فصائل المقاومة، فهي لا ترغب بوجود الامريكان أو التفاوض معهم، وترفض المحتل رفضاً قاطعاً".

ما قاله الحسناوي، جاء منسجماً مع البيان المشترك الأخير الذي أصدرته 8 فصائل عراقية، بينها "عصائب أهل الحق"، و "حركة النجباء"، والذي قالت فيه أنها "ستعامل الولايات المتحدة في العراق كدولة محتلة".

وسواء كانت الحكومة التي تفاوض واشنطن هي الحكومة العراقية الحالية، أو الحكومة المقبلة، فإنها غالباً ستجد صعوبة في ضبط عمليات استهداف المواقع التي تتواجد فيها القوات الأمريكية بالعراق، خصوصاً مع تبرؤ الفصائل من العمليات الأخيرة التي استهدفت القواعد في كركوك وبغداد ومحافظات أخرى.

هل ستسرع أزمة كورونا التفاوض؟

مع الحديث عن نظام عالمي جديد، خصوصاً بعد انتشار فيروس كورونا في معظم دول العالم، وتحرك الصين لاستثمار امكانياتها لتفكيك سلسلة حلفاء الولايات المتحدة عبر اظهار قوتها الصناعية، يبدو أن العالم سيشهد حركة سريعة لإعادة صياغة تحالفاته.

بعد التظاهرات العراقية التي شهدها مطلع أكتوبر 2019، تحدث العديد من السياسيين في الداخل العراقي، عن وقوف أمريكا وراء هذه التظاهرات، وتأليبها الشارع بعد توجه الحكومة العراقية نحو عقد اتفاق اقتصادي تأريخي مع الصين.

لم تبدِ واشنطن حينها أي انزعاج من الاتفاقية التي لم تطبق على الأرض بعد لعدة أسباب، من بينها عدم استقرار الداخل العراقي، لكن ذلك لا يخفي رغبتها بعدم انعقاد هذه الاتفاقية، مع المنافس الأول للولايات المتحدة، ومنافسها على سيادة العالم، في المستقبل على الأقل.

بعد ظهور كورونا، أظهرت الصين جانباً من قوتها عبر مساعدة دول أوروبا والشرق الأوسط، ومن بينها العراق، على ابداء المساعدة، في الوقت الذي قدمت فيه أمريكا المساعدة للعراق على شكل حزم دولارات، تطبعها أمريكا بنفسها، لكنها لا تساوي الكثير في الأزمة الصحية التي يعيشها العالم.

برز دور السفير الصيني في العراق في أيام الأزمة، وهو يتصرف بـ ’’عراقية’’ مع المسؤولين العراقيين، ويعقد اللقاء تلو الآخر، بينما لم يظهر السفير الأمريكي إلا في مرة واحدة، في الصورة التي جمعته بعبد المهدي، يقترح خلالها التفاوض.

القيادي في الحشد الشعبي، كمال الحسناوي، رأى ايضاً، أن "ثروة العراق وموقعه الجغرافي جعل الجميع يتصارع للحصول على موطئ قدم في ارضه، وهذا ما تفعله أمريكا، ولكنها بدأت تخاف من المقاومة وما قاسته منها".

ولفت إلى أن "مواقف الصين كانت ايجابية مع العراق ورأينا ذلك في مساندة العراق لاحتواء أزمة كورونا"، مبيناً أن "وجود قوة مثل الصين تنافس الامريكان جعلهم يحاولون الدخول مع العراق في مفاوضة"، مجدداً القول إن "فصائل المقاومة ترى أن أمريكا لا تريد الخير للعراق".

مدفوعة بالاتفاقية الصينية- العراقية، وبطبقة سياسية ترغب بالميل نحو بكين في غالبها، قد تجد بغداد نفسها أمام خياري "أمريكا أو الصين"، خصوصاً أنها قد وضعت في وقت سابق بموضع مماثل، عندما قاربت على الاختيار بين أمريكا وإيران، لكن الأخيرة ليست بإمكانيات الصين، ولن تعوض الفراغ الذي قد تتركه واشنطن خلفها.

قرار العراق حينها، سيعتمد على ما تنتهي إليه التفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولن يكون سهلاً بحكم العلاقات الأمريكية- العراقية المتعلقة بالتعامل الاقتصادي بين الجانبين، إلى جانب التواجد الأمريكي العسكري، حتى مع تصدير العراق لأكثر من مليوني برميل نفط يومياً، إلى الصين.

على ماذا سيتفاوض الطرفان؟

خبير آخر تحدثت معه (بغداد اليوم)، خلال اعداد التقرير، رأى التفاوضات لا يمكن التنبؤ بها في الوقت الحالي، وهو أحمد الشريفي، لكنه قال أيضاً، إن مكتب رئيس الوزراء العراقي ليس لديه تفاصيل عن ماهية التفاوض.

ويقول الشريفي: "ليس لدينا تفاصيل عن موضوع التفاوضات، ولكن مع وجود الطلب البرلماني لإنهاء التواجد الامريكي في العراق، قد يكون محور التفاوض على هذا الأساس"، متسائلاً: "هل سيكون هنالك تطوير للاتفاقية الاستراتيجية بين العراق وامريكا أم ستلغى الاتفاقية".

وبين الشريفي، أن "اتخاذ القرارات في الأمور الاستراتيجية لابد أن تعرض على البرلمان ايضاً، ولا يكون القرار للسلطة التنفيذية بدون موافقة السلطة التشريعية، وخاصة في إبرام الاتفاقيات".

ويتابع، أن "اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين امريكا والعراق تصل الى تفاصيل دقيقة حتى التي تخص التعليم العالي التربية والخدمات ولا يمكن التنبؤ أو توقع آلية المفاوضات الا بالحديث مع الجهة المعنية".

الأزمة الداخلية قد تستمر

في الداخل العراقي، ما يزال موضوع رئاسة الحكومة الجديدة هو الشغل الشاغل للقوى السياسية، لكن مستجدات الأوضاع الاقتصادية متمثلة بهبوط أسعار النفط بشكل حاد، ومثلها تفشي فيروس كورونا، سيلقيان بظلهما على مخرجات هذه الأزمة.

فمنذ تكليف عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة، تحاول بعض القوى السياسية عرقلة هذا التكليف ورميه في سلة ’’القرارات المنفردة’’ لرئيس الجمهورية، الأمر الذي قد يدفع بالقوى السياسية لتقديم مرشح ثانٍ، في ظل صعوبة انعقاد جلسة منح الثقة لرئيس الوزراء المكلف".

بالتزامن مع ذلك، ظهر مجدداً اسم رئيس المخابرات العراقي مصطفى الكاظمي، وبدعم من قوى شيعية- سنية هذه المرة، ليكون المكلف الجديد، خصوصاً مع اتفاق تحالفي "سائرون" و "الفتح" وعدد من القوى الشيعية الأخرى على تسميته في حال فشل الزرفي، وإعلان تحالف القوى السنية تأييده هذا الترشيح بشكل رسمي.


اضافة تعليق


Top