بغداد اليوم - بغداد
كتب: المتحدث الرسمي لائتلاف الإعمار والتنمية الدكتور فراس المسلماوي
على مدى عقود، ظل الاستقرار الاقتصادي في العراق مرتهنا إلى حد كبير بالتقلبات الحادة في أسواق النفط العالمية، الأمر الذي كرّس نمطا اقتصاديا ريعيا حد من فرص النمو الشامل واستنزف جزءا كبيرا من موارد البلاد.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز مشروع طريق التنمية بوصفه أحد أبرز التحولات الاستراتيجية المطروحة أمام العراق، ليس باعتباره ممرا للنقل والترانزيت فحسب، وإنما مشروعا اقتصاديا وتنمويا متكاملا يمكن أن يعيد صياغة موقع العراق في منظومة التجارة الإقليمية والدولية، ويعزز دوره بوصفه حلقة وصل بين الشرق والغرب.
أولا: البنية التحتية والتأسيس.. تراكم إيجابي في خدمة الاستراتيجية الوطنية
إن القراءة لمسار مشروع طريق التنمية تؤكد أنه لم ينطلق من فراغ، بل جاء امتدادا لخطوات سابقة وضعت اللبنات الأساسية للبنية التحتية المرتبطة بالمشروع.
فقد شهدت المرحلة الماضية تقدما في استكمال أجزاء مهمة من مشروع ميناء الفاو الكبير، إلى جانب تحديد المسارات الفنية واللوجستية للربط السككي والبري، وهي خطوات أسهمت في نقل المشروع من إطار التصورات العامة إلى مراحل أكثر ارتباطا بالتنفيذ.
ومن هنا، فإن استدامة المشاريع السيادية الكبرى تتطلب تراكما مؤسسيا وتكاملا بين الحكومات والدورات البرلمانية، بعيدا عن منطق القطيعة مع ما تحقق في المراحل السابقة.
ثانيا: من التنظير إلى التطبيق.. ضرورة التغطية التشريعية
تواجه المشاريع الاستراتيجية الكبرى في العراق تحديات تتصل باستمرارية التمويل والاستثمار والإدارة، فضلا عن الحاجة إلى أطر قانونية واضحة تضمن استمرارها عبر الحكومات المتعاقبة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المسعى الذي تتبناه كتلة الإعمار والتنمية في مجلس النواب لتقديم مشروع قانون خاص بطريق التنمية، بما يوفر إطارا تشريعيا ينظم المشروع ويحدد آليات إدارته وتمويله وتنفيذه.
ويستهدف التشريع المقترح، وفق الرؤية المطروحة، توفير بيئة استثمارية أكثر جذبا لرؤوس الأموال الوطنية والأجنبية، وتقليل التعقيدات البيروقراطية عبر إيجاد جهة مختصة تتمتع بمرونة في اتخاذ القرار، إلى جانب وضع آليات تضمن حماية المصالح الاقتصادية طويلة الأمد وتوزيع عوائد المشروع بصورة تخدم التنمية الوطنية.
ثالثا: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.. شريان للتنمية المستدامة
لا تقتصر أهمية طريق التنمية على قطاع النقل، إذ يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات اقتصادية وإنتاجية متعددة، ولا سيما في حال اقترانه بمناطق صناعية ومراكز لوجستية ومناطق حرة ومشاريع استثمارية على امتداد مساره.
ومن شأن ذلك أن يفتح مجالات جديدة أمام سوق العمل، سواء خلال مراحل الإنشاء أو في القطاعات التي يمكن أن تنشأ لاحقا حول المشروع، بما يوفر فرصا للشباب والكفاءات العراقية.
كما أن مرور المشروع عبر عدد من المحافظات يمكن أن يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتحفيز الاستثمار، وربط المناطق بمراكز التجارة والنقل، بما يساعد على توزيع النشاط الاقتصادي بصورة أكثر توازنا.
أما على مستوى المالية العامة، فإن تطوير العراق ليكون مركزا إقليميا للنقل والترانزيت يمكن أن يفتح مصادر جديدة للإيرادات غير النفطية، ويعزز مسار تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
رابعا: البعد الأمني والجيوسياسي
إن المشاريع الاقتصادية الكبرى لا تنفصل عن أبعادها الأمنية والجيوسياسية، فالنشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى التنمية يمكن أن تكون لها انعكاسات على الاستقرار المجتمعي.
ويمتلك طريق التنمية، بحكم امتداده الجغرافي واتصاله بممرات التجارة الإقليمية، بعدا يتجاوز الاقتصاد الداخلي، إذ يمكن أن يعزز موقع العراق في شبكة المصالح التجارية واللوجستية الإقليمية والدولية.
كما أن تحول العراق إلى نقطة التقاء للمصالح الاقتصادية بين دول المنطقة وشركائها الدوليين قد يمنح بغداد مساحة أوسع في علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية، ويعزز أهمية استقرارها وأمنها بالنسبة إلى الشركاء المرتبطين بالمشروع.
ختاما
إن طريق التنمية يمثل مشروعا استراتيجيا يتطلب الانتقال من مرحلة التصورات والرؤى إلى مرحلة التنفيذ المؤسسي المستدام، عبر استكمال البنية التحتية، وتوفير الإطار التشريعي، وجذب الاستثمار، وضمان التكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
وإذا ما توافرت للمشروع المتطلبات القانونية والمالية والإدارية اللازمة، فإنه يمكن أن يشكل إحدى الأدوات المهمة في مسار تنويع الاقتصاد العراقي، وخلق فرص العمل، وتنشيط المحافظات، وتعزيز موقع العراق في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
فطريق التنمية، في جوهره، ليس مجرد مشروع للنقل، بل فرصة لإعادة بناء جزء من النموذج الاقتصادي العراقي على أساس تنويع الموارد وتعزيز دور العراق في محيطه الإقليمي والدولي، بما يضع أسسا أكثر استدامة لمستقبل الأجيال المقبلة.
بغداد اليوم - بغداد استقبل رئيس تيار الحكمة الوطني عمار الحكيم، مساء اليوم السبت (19 أيلول 2026)، الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، لبحث تطورات المشهد السياسي في العراق والمنطقة. وذكر الحكيم في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن اللقاء تناول