مقالات الكتاب اليوم, 19:20 | --
+A -A


أربيل ميثاق الصمود.. حين تُرمّم الصواريخ جسر الوفاء بين القيادة والشعب

كتبت: فينوس بابان

تعد التحولات النوعية في نمط الاستهداف العسكري الذي طال مدينة أربيل وصولاً إلى التصعيد المباشر الذي سُجل يوم أمس واليوم، وانتقال الهجمات من الأهداف الهامشية إلى قصف المربع السيادي ومقرات اتخاذ القرار والمنازل المدنية بمثابة مختبر إجهاد استراتيجي متكامل الأركان.

تظهر لغة الأرقام القاسية في الربع الأول من عام 2026 فجوة أمنية ومحاولة لزعزعة الاستقرار حيث واجه الإقليم ما يقارب 460 خرقاً أمنياً كان نصيب محافظة أربيل منها ما يتجاوز 350 ضربة غادرة، مما أدى إلى ارتقاء كوكبة من شهداء قوات البيشمركة الأبطال في القصف الأخير الذي استهدف مقراتهم، ليختلط دم المقاتل بتراب الأرض السيادية.

لم يكن الهدف من هذا التصعيد الممنهج مجرد استعراض للقوة العسكرية بل كان يرمي بوضوح إلى ضرب الركيزة الوجدانية والسياسية الأهم لإقليم كردستان وهي الثقة المتبادلة بين المواطن والسلطة، إلا أن القراءة التحليلية لمخرجات هذه الأزمات تثبت حدوث ظاهرة التلاحم العضوي الاضطراري حيث تحولت كل محاولة لخلخلة الجبهة الداخلية إلى مادة صلبة صهرت القمة والقاعدة في خندق مصيري واحد محولةً نار الهجمات إلى فولاذ سيادي أعاد تعريف العلاقة من مجرد عقد إداري إلى عهد وجودي مُعمد بدماء الشهداء.

إن فك لغز جسر التماسك الذي يربط أربيل بقيادتها يكمن في قلب المعادلة التقليدية فالأمر لا يتعلق فقط بقرب الشعب من قادته بل بالتحول الجوهري والأعمق وهو قرب القادة من شعبهم وتماهيهم مع آلامهم اليومية تحت النار ويتجلى هذا القرب في أسمى صوره من خلال الموقف التاريخي للرئيس مسعود بارزاني الذي كشف عن تعرض مقره الشخصي للقصف خمس مرات متتالية، ومع ذلك آثر استراتيجية العقلانية الصامتة وعدم الانجرار للفعل العسكري الانفعالي وهي تضحية سيادية وضعت أمان المواطن فوق الاعتبار الرمزي للمنصب وفوق برستيج القوة الشخصية.

هذا الموقف بنى جسر وفاء وجداني لا يلين حيث أدرك الشعب بجميع أطيافه أن قيادته تختار تلقي الشظايا في صدرها مباشرة لتكون هي الدرع الواقي لمستقبل أبنائهم، إن هذا اللغز يفسر لماذا فشلت الصواريخ في تحقيق أهدافها السياسية فكلما سقط صاروخ على مقر للبيشمركة أو منزل مدني كان القادة يتواجدون في قلب الحدث يشاركون الناس الخطر والصمود مما حوّل المؤسسة السياسية والعسكرية إلى عائلة واحدة يجمعها دم الشهيد وتوحدها بوصلة الثبات وجعل من القائد حامياً وجودياً يذوب في تفاصيل شعبه ويحمي وجوده.

هذا التلاحم المصيري واجه أيضاً أعنف الضغوط الاقتصادية المتمثلة في حروب الميزانية الممنهجة ومحاولات المقايضة بين لقمة العيش والولاء الوطني وهي ضغوط تزامنت مع استمرار الإقليم في أداء دوره الإنساني والوطني الرائد حيث لا يزال يحتضن أكثر من مليون نازح ولاجئ بواقع 678,138 نازحاً و 282,858 لاجئاً بحسب إحصائيات 2026.

وهنا يكمن جوهر التحليل الذي تطرقتُ إليه فأربيل اليوم ليست مجرد عاصمة لإقليم بل هي عراق مصغر حقيقي يحتضن كافة أطياف الشعب العراقي من السنة والشيعة والمسيحيين والتركمان وغيرهم، ممن وجدوا في كوردستان ملاذاً آمناً وكرامةً مصونة.

إن استهداف أربيل بالصواريخ هو استهداف لهذا النموذج العراقي المصغر، واعتداء مباشر على كل مواطن عراقي اختار العيش بسلام من زاخو إلى الفاو. لذا، فإن ما تقصده أربيل بـ نموذج التعايش هو رؤية استراتيجية ترى أن استقرار الإقليم هو الضمانة الفعلية والركيزة الأخيرة لسيادة العراق والمنطقة بأسرها أمام مشاريع الفوضى والتدخلات الخارجية. قوة الإقليم ونضجه الدولاتي في التعامل مع الاستفزازات المسلحة بالثبات على الحقوق الدستورية لم يكن موقف ضعف، بل كان استراتيجية لحفظ ما تبقى من سيادة الدولة العراقية ككل، مما أحرج المهاجمين دولياً وثبّت أربيل كشريك دولي موثوق.

في الختام أثبتت أربيل أن السيادة لا تُحمى فقط ببطاريات الصواريخ بل بوفاء الصدور وتلاحم المصير. لقد ظن المهاجمون أن قصف المقرات سيفصل القائد عن شعبه، فإذا بالصواريخ تصبح المسامير التي ثبتت جسر الوفاء إلى الأبد في نعش محاولات الفتنة.

سيبقى دم شهداء البيشمركة الأبطال في القصف الأخير هو العهد المكتوب بالدم والشاهد الحي على أن الحقوق الدستورية والكرامة الوطنية لا تُسلب بالترهيب، بل تُصان بوعي شعب يرى في قيادته أمانه الوجودي وقيادة ترى في شعبها أسمى معاني السيادة والوجود، سيبقى هذا الجسر ممتداً عصياً على الكسر وبوصلة لا تخطئ طريق الثبات والكرامة فأربيل لا تدافع عن حدودها الجغرافية فحسب بل تدافع عن حلم التعايش الإنساني من زاخو إلى الفاو مؤكدة للعالم وللأشقاء في العراق أن ميثاق الصمود هو العقد الذي لا يمكن لأي قوة خارجية أن تنقضه أو تنال من صلابته لأن أمان أربيل هو أمان بغداد وبوصلتها دوماً هي كرامة الإنسان العراقي وسيادة أرضه.

أهم الاخبار

سماع دوي انفجارات في نينوى

بغداد اليوم - نينوى أفاد مصدر أمني، اليوم الثلاثاء ( 31 آذار 2026 )، بسماع دوي انفجارات في محافظة نينوى. وقال المصدر لـ"بغداد اليوم"، إن "صوت انفجار سُمع في إحدى المناطق الزراعية ضمن سهل نينوى قبل قليل"، مبيناً أن "فرق الدفاع

اليوم, 20:32