بغداد اليوم – بغداد
تتزايد، يومًا بعد آخر، قناعة كثير من المحلّلين السياسيين والمهتمّين بالشأن العراقي، بأنّ المشهد السياسي المقبل لن تُرسم ملامحه فقط داخل قبة البرلمان أو غرف التفاوض المغلقة، بل من خلال عدد محدود من الشخصيات التي نجحت في إعادة تعريف موقعها داخل الخريطة الوطنية والإقليمية والدولية، رغم تعقيدات اللحظة الراهنة. وفي مقدّمة هذه الأسماء، يبرز اسم رئيس تحالف العزم مثنّى السامرائي، بوصفه "بيضة القبان" الجديدة التي تتحرك بين بغداد وأربيل والعواصم الإقليمية والدولية، مستندًا إلى خطاب مختلف وموقع يتجاوز حسابات المقاعد والمكاسب الفئوية الضيقة.
هذا التقرير يرصد ملامح تحوّل السامرائي من زعيم تحالف فتيّ إلى لاعب محوري في الفضاء الوطني والإقليمي والدولي، وكيف انعكست خياراته على مسار الانسداد السياسي واستحقاقات الرئاسات، وما يمكن أن يعنيه ذلك لمستقبل التوازنات داخل العملية السياسية العراقية.
من تنازل رئاسة البرلمان إلى كسر شبح الانسداد
في لحظة كانت فيها البلاد على حافّة انسداد سياسي جديد، برز موقف تحالف العزم، بقيادة مثنّى السامرائي، حين اختار التنازل عن التنافس على منصب رئيس مجلس النواب، رغم امتلاكه حظوظًا واقعية لدخول سباق المنصب أو على الأقل لتعقيد المشهد. هذا القرار، كما يصفه المحلّل السياسي سيف الهاشمي، لم يكن تفصيلًا إجرائيًا، بل نقطة انعطاف:
-من جهة، أزال عاملًا إضافيًا من عوامل التعطيل التي كانت تهدّد بإغلاق أفق انتخاب رئيس البرلمان وبقاء البلاد في حالة فراغ متجدد.
-من جهة أخرى، أرسل إشارة إلى القوى السياسية بأنّ "العزم" مستعد للتنازل عن مكسب رفيع لصالح استمرارية الدولة وعدم إدخال المكوّن السني في صراع تكسيري جديد حول من يحتكر رئاسة المجلس.
الهاشمي يرى أنّ هذا السلوك منح السامرائي "رصيدًا سياسيًا" يتجاوز عدد مقاعد تحالفه، لأنّه تحرّك من موقع "المسؤولية السياسية" لا من موقع "المزايدة الفئوية"، في وقت كان كثيرون فيه يميلون إلى تعظيم مكاسبهم الخاصّة ولو على حساب استقرار المشهد.
ورغم أنّ أزمة رئاسة الجمهورية عادت لتلوّح اليوم بأشكال جديدة، مع تعثّر الانتخاب وتأجيل الجلسات، إلّا أنّ طريقة تعاطي "العزم" مع استحقاق رئاسة البرلمان باتت تُقدَّم كنموذج مغاير يمكن القياس عليه: تحالف يفضّل فتح الطريق على تكريس الانسداد.
خطاب عراقي بامتياز.. وهدوء في الإقليم
إقليميًا، يلفت سيف الهاشمي إلى أنّ مثنّى السامرائي نجح في تثبيت موقع متقدّم خارج الاصطفافات الحادّة، من خلال خطاب يقوم على:
-الاعتزاز الصريح بالانتماء إلى العراق أولًا، بعيدًا عن لغة "المظلومية المكوّناتية" أو "الارتهان لدولة جوار".
-التعامل مع دول الإقليم بوصفها "جوارًا" ينبغي إدارة العلاقة معه على أساس حسن الجوار، وتقديم مصلحة العراقيين معيارًا لفهم أي تقارب أو توتر.
هذا النمط من الخطاب، كما يرى الهاشمي، جعل حضور السامرائي في الإقليم مختلفًا عن الصورة التقليدية للزعماء السنة الذين وُضع كثير منهم في خانة "الامتداد الطبيعي" لعاصمة بعينها. وفي المشهد الراهن، حيث تتقاطع أجندات دولية وإقليمية على الأرض العراقية، يظهر أن شخصية تحافظ على لغة عراقية واضحة، مع قدرة على فتح قنوات تواصل هادئة مع العواصم المؤثرة، يمكن أن تتحول إلى "قيمة مضافة" في معادلة التهدئة ومنع انزلاق العراق إلى محاور مغلقة.
بيضة القبان الجديدة.. شراكات مع بارزاني والإطار ورسائل إلى الخارج
على مستوى الداخل، تشير المعطيات إلى أنّ تحركات مثنّى السامرائي لم تعد تُقرأ فقط في سياق "تمثيل المكوّن السني"، بل في إطار أوسع يتمثل في:
-شراكة ظاهرة مع الرئيس مسعود بارزاني وقيادات الحزب الديمقراطي الكردستاني، عبر لقاءات متكررة وحضور واضح في محطّات أساسية تتعلق بالاستحقاقات الدستورية وتفاهمات الإقليم مع بغداد.
-تواصل وتنسيق مع قيادات متقدّمة في الإطار التنسيقي، يظهر في الجلسات المشتركة والوفود التي تضمّه إلى جانب شخصيات شيعية فاعلة، بما جعله طرفًا حاضرًا في هندسة التفاهمات الكبرى، لا مجرّد ملحق بها.
هذا الانتقال من خانة "الطرف السني" إلى خانة "الشريك في ضبط الإيقاع" أكسبه، بحسب الهاشمي، موقع "بيضة القبان" في عيون عدد من القوى الدولية، وهو ما تعكسه زيارات سفراء دول مهمة له، بوصفه جهة يمكن التواصل معها والحصول منها على قراءة واقعية ومتوازنة للمشهد العراقي من الداخل، بعيدًا عن الخطابات القصوى أو الزعامات التي أُنهكت بصراعاتها القديمة.
وبلغة البروتوكول السياسي، فإنّ استقبال رئيس تحالف العزم لهذه الوفود الدبلوماسية لا يُقرأ فقط كـ"مجاملة"، بل كاعتراف عملي بوجود فاعل سياسي موثوق يمكن الاستثمار في علاقته لبناء تفاهمات أوسع حول مستقبل السلطة في العراق.
ما بعد المناكفات.. ملامح شخصية سياسية مختلفة
على المستوى الشخصي – السياسي، يسجّل الهاشمي نقطة يراها جوهرية في فهم ما يجري:
-مثنّى السامرائي، رغم ما تعرض له من منافسات قاسية وحملات رخيصة قبل الانتخابات وبعدها، نأى بنفسه عن الانخراط في "حروب الكلمات" أو الردّ بالمثل.
-لم ينجرّ إلى استخدام لغة نابية، ولا إلى فتح معارك إعلامية يومية مع خصومه، بل فضّل الترفّع والصمت في محطات كان يمكن أن يتخذ فيها طريق التصعيد السهل.
-هذه السمة، في بيئة سياسية اعتادت على التصعيد الشخصي والمناكفات الفئوية، تمنح، من وجهة نظر الهاشمي، انطباعًا عن "شخصية متفرّدة بطباع هادئة ورصينة"، قادرة على إدارة خلافاتها ضمن سقف المشروع السياسي لا ضمن ساحة الشتائم والتخوين.
-هذا النمط من السلوك، إذا ما تكرّر لدى سياسيين آخرين، يمكن أن يساهم في انتقال "مجتمعي – سياسي" أوسع في البلاد، ينقل الخطاب من مستوى "تصفيات الحساب" إلى مستوى "إدارة الاختلاف"، ويخلق مسافة بين التنافس الديمقراطي المشروع وبين الانحدار الأخلاقي في لغة الصراع.
تحالف فتيّ في فضاء وطني ودولي مفتوح
في حصيلة هذه المسارات الثلاثة – الوطني، الإقليمي، والدولي – تبدو صورة تحالف العزم اليوم مختلفة عن بداياته:
-تحالف فتيّ، لكنّه يتحرّك في فضاء وطني أوسع من حسابات "المكوّن الواحد".
-يمتلك زعامة تحاول أن تتموضع خارج قوالب الزعامة التقليدية، عبر خطاب عراقي واعتدال في الإقليم وانفتاح على العالم.
-يسعى إلى لعب دور "المسهّل" لا "المعطّل"، سواء في ملف رئاسة البرلمان أو في الاستحقاقات المقبلة المرتبطة برئاسة الجمهورية وتشكيل الحكومة.
يرى الهاشمي أنّ استثمار هذا الموقع يتوقف على قدرة بقية الأحزاب على التقاط الإشارة والاقتراب من هذا النمط، بدل الاكتفاء بمتابعته من بعيد. فالحياة السياسية في العراق لن تستقيم فقط بوجود شخصية أو تحالف واحد "عابر للمناكفات"، بل تحتاج إلى كتلة حرجة من الفاعلين الذين يقرّرون، بشكل واعٍ، الخروج من "منطق الغنيمة" إلى "منطق الدولة".
حتى الآن، تبدو تجربة العزم ورئيسه مثنّى السامرائي واحدة من التجارب القليلة التي تحاول السير في هذا الاتجاه، وسط مشهد مزدحم بشعارات الإصلاح وقليل من الممارسات التي تترجم هذه الشعارات على الأرض.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات
بغداد اليوم - متابعة كشف تقرير نشرته ميدل إيست نيوز، اليوم الاربعاء ( 25 آذار 2026 )، أن التوقف المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تنفيذ ضربات عسكرية واسعة ضد إيران جاء بعد تحذيرات مباشرة من دول الخليج، التي أكدت أن الحرب تتجه نحو مرحلة أشد خطورة،