بغداد اليوم - بغداد
في أقلّ من عامين، انتقل الشرق الأوسط من مرحلة الازمات المزمنة إلى حالة أشبه بـ"السيولة الكاملة": خرائط حدودية ثابتة على الورق، لكنها مهزوزة تحت ضغط الاحتجاجات، والحروب المفتوحة، وصفقات التطبيع، والعقوبات العابرة للحدود. اليوم، تتقاطع أربع جبهات حساسة في لحظة واحدة: شارع إيراني ينزف، إدارة أمريكية يقودها دونالد ترامب تعود إلى خطاب "الضغط الأقصى"، شبكة تطبيع تمكّن إسرائيل اقتصاديًا وامنيًا عبر ممرات الخليج والبحر المتوسط، و"عربدة عسكرية" إسرائيلية تمتد من غزة إلى لبنان وسوريا واليمن، وصولًا إلى ضربات داخل العمق الإيراني.
الخبير في الشؤون الاستراتيجية عباس الجبوري، أكد أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة سيولة استراتيجية غير مسبوقة، فيما بيّن خطورة ذلك. وقال الجبوري، لـ"بغداد اليوم"، إن "المنطقة تمر اليوم بحالة من السيولة الجيوسياسية العالية التي تقترب من حدّ اللايقين، في ظل تسارع الأحداث وتشابك العوامل الإقليمية والدولية، ما يجعل من الصعب إن لم يكن مستحيلا الجزم بمآل المشهد القائم".
عندما يتحدث الجبوري عن "سيولة جيوسياسية عالية تقترب من حدّ اللايقين"، فهو لا يصف حالة نظرية، بل يلتقط صورة إقليم تتداخل فيه ملفات إيران، واتفاقات التطبيع، وتهديدات ترامب، وعربدة إسرائيل في ميدان واحد.
فالسيولة التي يشير إليها تعني أن القواعد التي حكمت المنطقة لعقود لم تعد تعمل بالطريقة نفسها: نظام إيراني يهتز تحت ضغط الاحتجاجات والعقوبات، إسرائيل تتحرك عسكريا خارج حدود فلسطين التقليدية، دول عربية تنخرط في تطبيع عميق يعيد تموضع تل أبيب في قلب الاقتصاد الإقليمي، ورئيس أمريكي يعيد استخدام لغة "الضغط الأقصى" ويهدد شركاء طهران قبل طهران نفسها.
في هذا المشهد، حدود الصراع لم تعد واضحة: الاحتجاج داخل إيران مرتبط بسعر العملة وبالعقوبات وبالتهديد العسكري، واتفاقات التطبيع ليست مجرد علاقات ثنائية بل جزء من شبكة أوسع لإعادة توزيع النفوذ على الموانئ والموارد، وقرارات واشنطن لا تقف عند حدود الخريطة بل تمتد إلى كل دولة ترتبط بتجارة أو نفط أو ممر مع طهران. هذه كلها أمثلة عملية على "تشابك العوامل الإقليمية والدولية" الذي يجعله الجبوري أساسا لحالة اللايقين الراهن.
وبيّن الجبوري أن "السيناريوهات المطروحة تتراوح بين احتمالات كبرى، من بينها سقوط النظام في إيران أو بقاؤه مع تحولات جوهرية في بنيته ودوره الإقليمي، وصولا إلى إعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة بحدود جديدة أو بصيغ نفوذ مختلفة، وأيا من هذه المسارات لا يمكن التعامل معه كخيار حتمي في الوقت الراهن".
هنا يضع المتحدث إيران في قلب السيناريو، لا لأنها الدولة الوحيدة المهددة، بل لأنها عقدة ترتبط بها أغلب خيوط التوتر: احتجاجات داخلية تضع شرعية النظام على المحك، ضغوط أمريكية متصاعدة تعززها تهديدات ترامب بفرض كلفة على كل من يتعامل مع طهران، وشبكة من الحلفاء والوكلاء تمتد من العراق إلى لبنان واليمن.
سقوط النظام في إيران – كما يطرحه الجبوري كاحتمال – لا يعني مجرد تغيير سلطة في طهران، بل فتح الباب أمام إعادة ترتيب نفوذ الفصائل المرتبطة بها، وتبدل خرائط القوة في العراق ولبنان وسوريا واليمن والخليج. وفي المقابل، بقاء النظام مع "تحولات جوهرية في بنيته ودوره" يعني انتقال إيران من صيغة ثورية تصطدم بالجميع إلى صيغة تفاهمات قسرية مع الغرب وجيرانها، وهو مسار لا يقل خطورة لأنه قد يحوّل ملفات الصراع الحالية إلى أوراق تفاوض على حساب دول أضعف.
أما "صيغ النفوذ المختلفة" التي يتحدث عنها الجبوري فتنطبق بوضوح على مسار التطبيع: فبدل تغيير الحدود السياسية، يجري إعادة رسم الخريطة عبر تمكين إسرائيل اقتصاديا وأمنيا داخل المنطقة من خلال بوابات مثل الإمارات، بحيث تصبح الجغرافيا القديمة نفسها لكنها محكومة بعلاقات نفوذ جديدة، تنعكس على الموانئ وخطوط التجارة والقرارات الاستراتيجية للدول.
وأضاف الجبوري أننا "أمام مرحلة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تتقاطع الصراعات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية، والانقسامات الداخلية مع صراعات النفوذ الدولي، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، والثابت الوحيد الذي يمكن الجزم به هو أن الشرق الأوسط لن يعود إلى صورته السابقة التي عرفها خلال العقود الماضية، سواء على مستوى توازنات القوى، أو شكل الدول، أو طبيعة التحالفات الإقليمية".
الفقرة هنا تشرح وحدها ما يجري حولنا إذا وضعت أمامها أربعة ملفات: صراع عسكري مفتوح تقوده إسرائيل على أكثر من جبهة، من غزة إلى لبنان وسوريا وربما داخل العمق الإيراني؛ ضغط اقتصادي غير مسبوق تتعرض له طهران، ولاحقا كل من يتعامل معها، بفعل عقوبات وتهديدات أمريكية متجددة؛ انقسامات داخلية في أكثر من دولة، من الشارع الإيراني إلى الأزمات الاجتماعية والسياسية في دول عربية عدة؛ ثم صراع نفوذ دولي بين واشنطن وغيرها من القوى الكبرى على من يمسك بمفاتيح الطاقة والممرات في هذه المنطقة.
في هذه "المرحلة الانتقالية المفتوحة"، لا يمكن لأي عاصمة أن تفترض أن التحالفات التي عاشت عليها في العقود الماضية ستبقى على حالها؛ فدولة كانت تراهن على إيران تجد نفسها مضغوطة بسبيل علاقتها بها، ودولة بنت على شراكات أمريكية تقلق من قرارات مفاجئة في واشنطن، وأخرى ربطت مستقبلها بالتطبيع مع إسرائيل تكتشف أن ثمن الحماية الاقتصادية أو الأمنية قد يكون عاليا على مستوى صورتها الداخلية أو علاقتها بجيرانها. هذه هي الكلفة العملية لعبارة الجبوري: "الشرق الأوسط لن يعود إلى صورته السابقة".
وتابع الجبوري أن "المنطقة تقف أمام جرس إنذار حقيقي، يتمثل في مخاطر تفكك الدول، وإذا انطلق قطار التقسيم في أي بلد من بلدان المشرق، سواء في سوريا أو العراق، فإن هذا المسار لن يتوقف عند حدود دولة بعينها، بل قد يمتد تدريجيا ليصل إلى سواحل سلطنة عمان".
هذا التحذير يربط بين كل العناصر السابقة: إذا استمرت إيران في نزيف داخلي مع تصعيد خارجي، وإذا استُخدمت ورقة الاحتجاجات والعقوبات والضغط العسكري لإعادة توزيع النفوذ بالقوة، وإذا تعمّق مسار التطبيع بما يعيد رسم الأوزان الاقتصادية والأمنية في المنطقة لصالح محور محدد، فإن النتيجة المنطقية هي إضعاف الدولة الوطنية في أكثر من ساحة، وفتح شهية مشاريع التقسيم أو الحكم الذاتي أو الفدراليات المفصلة على مقاس السلاح والمال لا على مقاس الدستور.
"قطار التقسيم" الذي يتحدث عنه الجبوري يبدأ من نقطة ضعف واحدة: دولة تشظّت تحت ضغط حرب أو حصار أو احتجاج غير مُدار، لكنه لا يتوقف عندها. مثال واحد في المشرق كافٍ ليغري فاعلين داخليين وخارجيين بتكرار النموذج: حين يرى لاعب إقليمي أن تفكك خصومه يمنحه مزيدا من الموانئ والنفوذ، أو يرى فاعل دولي أن تقسيم دولة ما يسهل التحكم بمواردها، يصبح من الصعب إقناع بقية الأطراف بأن الحفاظ على الدولة الواحدة مصلحتهم جميعا.
وختم الخبير في الشؤون الاستراتيجية قوله إن "المرحلة المقبلة تتطلب وعيا استراتيجيا عاليا من دول المنطقة، وتغليب منطق الدولة الوطنية والتكامل الإقليمي، كما يجب الحذر من أن الاستهانة بمؤشرات التفكك قد تقود إلى تحولات يصعب احتواؤها مستقبلا".
في الجملة الأخيرة، يضع الجبوري ما يشبه "خريطة طريق مضادة":
"وعي استراتيجي عال" يعني أن تقرأ العواصم العربية والإقليمية إيران وترامب والتطبيع وإسرائيل بوصفها عناصر في لوحة واحدة، لا ملفات منفصلة؛ أن تفهم أن طريقة التعامل مع احتجاج في مدينة إيرانية، أو مع ضربة إسرائيلية، أو مع صفقة تطبيع، ستنعكس بالضرورة على أمنها الداخلي وحدودها واقتصادها.
"منطق الدولة الوطنية" يعني أن تواجه ظاهرة السلاح المنفلت، والاقتصاد الموازي، والارتهان للخارج، بوصفها مهددات وجودية لا أوراق تفاوض؛ فدولة تقبل بتآكل سيادتها من الداخل ستجد نفسها أضعف في مواجهة عقوبات الخارج أو ابتزاز الحلفاء أو شروط التطبيع.
"التكامل الإقليمي" في هذا السياق ليس شعارا، بل محاولة واقعية لوضع خطوط حمراء مشتركة: حدود لا تُمس، موارد لا تُدار إلا بشراكة عادلة، وقواعد اشتباك تضبط سلوك القوى الكبرى والفاعلين المحليين، حتى لا يتحول كل توتر في إيران أو ضربة في فلسطين أو صفقة تطبيع في الخليج إلى خطوة جديدة نحو تفكك خرائط المشرق وشمال أفريقيا.
بهذا التفسير المتدرج لكلام عباس الجبوري، يصبح سؤال "الشرق الأوسط إلى أين؟" أقل غموضا: نحن، كما يصف، أمام سيولة شديدة، فيها إيران محور اهتزاز، واتفاقات تطبيع تعيد تشكيل موازين القوة، وتهديدات أمريكية تضغط على أعصاب الاقتصاد الإقليمي، وعربدة عسكرية إسرائيلية تدفع الحدود إلى حافة الانفجار. بين التفكك وبناء توازن جديد، يبقى الفارق هو مدى قدرة دول المنطقة على أن تتعامل مع هذه المؤشرات كجرس إنذار مبكر، لا كضجيج يمكن تجاهله إلى أن يفوت الأوان.
تقرير: محرر قسم الشؤون الدولية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - متابعة أفادت وسائل إعلام إيرانية، اليوم الأربعاء ( 15 نيسان 2026 )، بوقوع انفجار سيارة مفخخة في شارع "الإمام الخميني" الحيوي وسط العاصمة طهران، فيما لم ترد حتى الآن حصيلة مؤكدة لحجم الضحايا أو الأضرار. وذكرت التقارير، وفقا لوسائل