بغداد اليوم - بغداد
في الساعات المتأخرة من الليل، تحديدًا بعد الواحدة صباحًا، أفاد صحفيون سوريون بدخول نحو 30 شاحنة تحمل لوحات تسجيل تعود لمحافظتَي أربيل ودهوك إلى مدينة القامشلي في الشمال الشرقي من سوريا، تحت حماية وحدات خاصة من قوات "الهات" التابعة لتنظيم "قسد"، عبر المدخل الشرقي للمدينة ومن خلال حاجز النعمتلي، وسط حالة استنفار أمني وانتشار مكثّف للحواجز، قبل أن تُزال تلك الحواجز مباشرة بعد عبور الرتل وعودتها إلى وضعها السابق، في مشهد يختلط فيه العسكري بالسياسي، واللوحة المرورية العراقية – الكردستانية بسياق صراع مسلّح يدور على أرض دولة تعترف بها بغداد رسميًا وتتعامل مع حكومتها بوصفها السلطة الشرعية في دمشق.
بحسب المعطيات المتداولة في الأوساط السورية الميدانية، لم تكن هذه الشاحنات مجرّد قافلة تجارية عابرة في سوق حدودي مضطرب، بل جزءًا من مسار دعم عسكري ولوجستي لوحدات "قسد" في قتالها مع القوات الحكومية السورية في الشمال الشرقي، أي أنّ لوحات تسجيل صادرة من داخل العراق وإقليمه الكردي تحضر عمليًّا في مشهد اشتباك مسلّح ضد جيش نظام سياسي يحتفظ بسفارة في بغداد، ويعلن العراق في كل خطاب خارجي أنّه يعترف بوحدة أراضيه وسيادته. هذه المفارقة لا تتوقف عند حدود "الإحراج الدبلوماسي"، بل تفتح سؤالًا أعمق حول الكيفية التي تُستخدم فيها الجغرافيا العراقية وأدواتها الاقتصادية واللوجستية في صراعات الإقليم، ومن الذي يقرّر فعلًا مآل الحركة عبر الحدود حين تتحوّل الشاحنات من وسيلة تجارة إلى جزء من بنية الحرب.
صورة الرتل العسكري تتكامل مع ما كُشف في العراق خلال الأشهر الماضية عن طبيعة الحركة اليومية في معبر سيمالكا – فيشخابور. رئيس هيئة المنافذ الحدودية عمر الوائلي أشار، في تصريحات سابقة، إلى أنّ صهاريج نفط تخرج بشكل يومي من مناطق خاضعة لسيطرة قسد باتجاه العراق عبر هذا المعبر، وأنّ جزءًا من هذه الكميات يُكرَّر داخل إقليم كردستان، في ما يشبه خطًّا نفطيًّا ثابتًا يربط بين "الإدارة الذاتية" في الشمال الشرقي السوري والبنية الاقتصادية في الإقليم. نائب في البرلمان العراقي ذهب أبعد من ذلك حين تحدّث عن مرور ما يقارب مئة شاحنة يوميًّا عبر سيمالكا، تتحرك من حقول النفط الواقعة تحت سلطة قسد إلى مصافي ومحطات داخل الإقليم، بما يعني أنّ العلاقة لم تعد مجرّد تهريب متقطع، بل منظومة إمداد مستمرة ترفد قسد بموارد مالية ثابتة، وتمنح الإقليم منفذًا إضافيًّا للنفط الخام خارج الأطر التقليدية لقطاع النفط العراقي الرسمي.
عندما يُضاف إلى هذا الخط النفطي المنتظم رتل الشاحنات ذات الطابع العسكري الذي دخل القامشلي ليلًا، يتضح أنّ المعبر والطرق المتفرّعة عنه يشكلان اليوم شبكة مزدوجة الوظيفة: مسارًا للنفط والمال من قسد باتجاه الإقليم، ومسارًا لدعم لوجستي وعسكري من داخل الإقليم باتجاه قسد، في علاقة تبادلية تُدار على أرض عراقية – اتحادية من حيث السيادة العامة، لكنّ مركز قرارها اليومي يتحرّك إلى حدّ كبير داخل دائرة حكومة الإقليم والقوى الفاعلة فيها.
على المستوى السياسي، تتقاطع المؤشرات على أنّ حكومة إقليم كردستان، بدرجات متفاوتة، تقف في موقع الداعم لقسد، وأنّ الاتحاد الوطني الكردستاني يميل إلى علاقة أوثق وأعمق مع القوى الكردية السورية، بحكم امتداداته التاريخية والفكرية وصلاته بحزب العمال الكردستاني، مقابل موقف أكثر توازنًا وحسابًا للخطوط الحمراء التركية لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يدير السلطة التنفيذية الأولى في أربيل. هذا التوزّع الداخلي يعني أنّ ما يجري عبر معبر سيمالكا، وما يتحرك ليلًا إلى القامشلي، ليس نشاطًا اقتصاديًّا منفصلًا عن السياسة، بل انعكاس لاختيارات تتصل بالهوية الكردية العابرة للحدود، وبالنقاش حول من يمثّل "العنوان الكردي" الأوسع في الإقليم السوري – العراقي – التركي المتداخل.
من زاوية بغداد، يزيد هذا التعقيد من صعوبة بناء سياسة موحدة تجاه الملف السوري؛ فحين تتصرّف حكومة الإقليم، أو كتلة سياسية رئيسية فيه، بما يشبه سياسة خارجية خاصة تشتبك مع خرائط القوى في سوريا، يصبح على الحكومة الإتحادية أن تجيب عن سؤال صريح: هل يُسمح لوحدة اتحادية بأن تتحرك في صراع دولة مجاورة بهذا العمق، نفطًا وتسليحًا وإسنادًا، في الوقت الذي يعلن فيه الدستور أنّ رسم السياسة الخارجية والأمنية الإستراتيجية اختصاص اتحادي حصري؟ أم أنّ ضعف أدوات المركز، ورغبة القوى النافذة في تجنّب الصدام مع الإقليم، تركت مساحة واسعة لما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الموازية" التي تنطلق من أربيل والسليمانية نحو القامشلي وعين العرب والحسكة من دون غطاء واضح من بغداد؟
العراق، على مستوى الخطاب الرسمي، يكرّر في المحافل الدولية أنّه يدعم وحدة الأراضي السورية ويعترف بالحكومة القائمة في دمشق، ويطالب بعدم تحويل سوريا إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية. لكنّ الوقائع التي تتكشف على الحدود الشمالية، من مرور صهاريج نفط لقسد نحو الإقليم إلى تحرّك رتل عسكري بأرقام أربيل ودهوك لدعم قسد في مواجهة الجيش السوري، ترسم صورة أخرى لدور جزء من المنظومة العراقية في المشهد السوري، صورة تجعل العراق، أو جزءًا منه على الأقل، شريكًا عمليًّا في إسناد تشكيل مسلّح غير حكومي يشتبك مع دولة تعترف بها بغداد.
هذا التناقض لا يبقى داخل دائرة التنظير القانوني، بل يخلق قابلية لإثارة الملف في أكثر من اتجاه: دمشق تستطيع أن تُدرج هذه التحركات في خانة "التدخل في الشأن السوري" إذا اختارت التصعيد السياسي، وأنقرة تراقب كل ما يعزز حضور قسد وحلفائها بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وطهران تنظر إلى الشمال الشرقي بوصفه ساحة توازن إضافية في علاقتها المعقّدة مع واشنطن وموسكو وأنقرة ودمشق. في وسط هذه الشبكة، تبدو بغداد وكأنّها تقف في منطقة رمادية؛ لا تعلن دعمًا لقسد، ولا تمتلك القدرة أو القرار لفرض ضبط صارم على ما يخرج من الإقليم نحو مناطق سيطرة قسد، فتجد نفسها معرضة لأن تُحاسَب على أفعال لم تُصوَّت عليها في مجلس وزراء ولا في مجلس نواب، بل تشكّلت من تراكُم قرارات محلية وإقليمية داخلية.
جزء مهم من تفسير الصمت الاتحادي إزاء ما يجري عبر معبر سيمالكا، وما يخرج من الإقليم نحو مناطق نفوذ قسد، يعود إلى الإرث الثقيل لسياسات القوى الممسكة بالحكومة الإتحادية منذ عام 2011 في التعامل مع الملف السوري؛ إذ تشير روايات سياسية وإعلامية متواترة إلى أنّ تلك القوى شاركت، بدرجات مختلفة، في دعم نظام بشار الأسد ماليا ولوجستيا وبالبشر، سواء عبر تسهيلات مصرفية وتجارية، أو عبر السماح بمرور مقاتلين وعتاد من الأراضي العراقية باتجاه الداخل السوري، تحت عناوين من قبيل الدفاع عن محور المقاومة أو منع سقوط الدولة السورية أو حماية المراقد والمقدسات. هذا التدخل لم يبق في حدود الشعار، بل كان أحد الأسباب الرئيسة التي مهّدت لدخول تنظيم داعش إلى العراق لاحقا، لأنّ الانخراط في الحرب السورية فتح الحدود عمليا أمام حركة المقاتلين والسلاح، وخلق حالة استقطاب طائفي حاد داخل المجتمع العراقي، ودفع شرائح واسعة من المناطق السنية إلى الشعور بأنّ بغداد انحازت إلى طرف في صراع خارجي على حساب استقرارها الداخلي، فاختلطت مشاعر الغضب من السلطة مع تأثير الدعاية المتطرفة، وتحوّل الخط الصحراوي بين البلدين إلى ممر مزدوج يذهب عبره المقاتلون إلى سوريا ثم يعود جزء منهم إلى العراق في صورة تنظيم عابر للحدود يمتلك خبرة ميدانية وتمويلا وعلاقات تشابكت مع مسار الدعم السابق للنظام السوري. في هذا السياق، يصبح من الصعب على الحكومة الإتحادية اليوم أن ترفع خطابا متشددا ضد دعم ينطلق من داخل الإقليم باتجاه قسد، لأنّ أي إدانة صريحة ستعيد فتح ملف السنوات التي سبقت تمدد داعش، حين كانت قوى نافذة في بغداد تسهم في دعم طرف آخر في الحرب نفسها ولكن على الضفة المقابلة، ما يخلق نوعا من تقييد ذاتي للقرار الاتحادي، ويدفعه إلى الاكتفاء بالحديث العام عن احترام سيادة سوريا من دون تحويل هذا الشعار إلى سياسة ملزمة لا للمركز ولا للإقليم ولا للقوى المتداخلة في هذا الملف من داخل العراق.
عندما يُقرأ هذا المشهد على ضوء القلق القديم المتجدّد من السجون التي تحتجز فيها قسد آلاف العناصر من تنظيم داعش، بينهم عراقيون متورّطون في مجازر دامية داخل العراق، تتضح خطورة ربط أمن الحدود العراقية بمعادلة هشّة في الشمال الشرقي السوري. فكل تقوية لقسد في وجه دمشق أو قوى أخرى قد تُفسَّر، في لحظة ما، بوصفها تعزيزًا لحاجز أمام تمدّد داعش، لكنّ اعتماد أمن العراق على تماسك تشكيل غير حكومي في دولة أخرى، يتحرك ضمن توازنات دولية لا يسيطر عليها العراق، يجعل مصير تلك السجون، ومصير مَن فيها، مرتبطًا بتقلبات خارجية؛ فإذا اهتزّت السيطرة، أو تغيّر شكل الحضور الأمريكي، أو فُرضت تسوية تُعيد ترتيب السلطة في الشمال الشرقي، يمكن أن يتحوّل ملف السجون إلى ثغرة أمنية مدمّرة تنعكس أولًا على العراق وحدوده وصحرائه.
في هذه الحالة، يصبح خط سيمالكا – أربيل – القامشلي أكثر من مجرّد معبر نفطي أو رتل دعم؛ يتحوّل إلى قناة من قنوات إعادة تشكيل موازين القوى حول أخطر ملف أمني عرفه العراق في العقدين الأخيرين، وهو ملف تنظيم داعش وخلاياه العائدة المحتملة. وكلّما ازدادت درجة انخراط جزء من المنظومة العراقية في إسناد طرف محدّد في الشمال الشرقي، من دون استراتيجية وطنية واضحة، ازدادت احتمالات أن يدفع العراق جزءًا من كلفة أي تصعيد أو انهيار هناك، سواء على شكل موجات تسلل جديدة، أو تهريب سجناء، أو إعادة تنشيط خلايا نائمة على امتداد خط الحدود الطويل.
ما يكشفه رتل الشاحنات ذات الأرقام العائدة لأربيل ودهوك وهي تدخل القامشلي، مضافًا إلى خط النفط اليومي عبر سيمالكا، ليس مجرد ثغرة في مراقبة الحدود، بل صورة مكثّفة عن مأزق أوسع تعيشه الدولة العراقية في إدارة علاقتها بالصراع السوري. فمن جهة، هناك دستور يمنح الحكومة الإتحادية مسؤولية رسم السياسة الخارجية وضبط الأمن الإستراتيجي؛ ومن جهة ثانية، هناك إقليم يمتلك بحكم الجغرافيا ووزن القوى فيه القدرة على بلورة سياسة عملية خاصة تجاه قسد والمشهد الكردي – السوري؛ وبين الجهة والجهة تتحرك مصالح حزبية وقومية واقتصادية تُحوّل الحدود إلى أداة في لعبة إقليمية أكبر من قدرة بغداد على ضبطها بالكامل.
في ضوء ذلك، لا يعود السؤال مقتصرًا على توصيف ما إذا كان ما يجري "تهريبًا" أو "تجارة" أو "دعمًا عسكريًا"، بل يتجاوز نحو سؤال أشمل: هل يريد العراق أن يكون لاعبًا منخرطًا في إعادة تشكيل الخريطة السورية عبر منافذه ومعابره، أم أنّ مصلحته الإستراتيجية تفرض عليه أن يحصّن حدوده من أن تكون جزءًا من خطوط الإمداد في حروب الآخرين؟ وما لم تُصَغ إجابة واضحة، على شكل سياسة موحدة تُلزم المركز والإقليم معًا، سيظلّ كل رتل ليلي يعبر من أربيل ودهوك نحو القامشلي، وكل صهريج نفط يتحرك من حقول قسد نحو مصافي الإقليم، سببًا إضافيًا لتآكل مفهوم الدولة الإتحادية على الورق، لصالح سياسات متعدّدة تتحرك من داخل الحدود نفسها، ولكّنها تكتب أدوارًا متباينة للعراق في صراعات لم يحسم بعد إن كان يريد أن يكون طرفًا فيها أم ضحية لارتداداتها.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات