اقتصاد / ملفات خاصة 13-01-2026, 17:00 | --
+A -A

الاحتراق المعيشي


سيناريو الانهيار: خسارة 20% من الراتب + 25% غلاء بضريبة ترامب.. ماذا سيتبقى من راتب العراقي؟

بغداد اليوم – بغداد

يدخل العراق مرحلة جديدة شديدة التعقيد بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض ضريبة جمركية بنسبة 25% على أي دولة تواصل تعاملها التجاري مع إيران، وهو قرار أعلنه عبر منصة "إكس" بوصفه خطوة لمعاقبة كل من لا يساير سياسة "خنق" الاقتصاد الإيراني.
بالنسبة للعراق، الذي يرتبط بشبكة واسعة من الاستيراد من السوق الإيرانية، لا تبدو هذه الخطوة شأناً نظرياً، بل تهديداً مباشراً لسلة غذائه، ولسوق البناء، ولقدرة الموظف والمواطن العادي على تحمّل موجة جديدة من الغلاء.

سوق عراقي مربوط بإيران

يستورد العراق من إيران كل شيء تقريباً باستثناء الغاز والكهرباء اللذين يشكلان ملفاً مستقلاً بحد ذاته:

  • مواد غذائية أساسية مثل الخضروات والفواكه (الطماطم، الخيار، البطيخ، التفاح)، المعلبات، معجون الطماطم، الزيوت، الأجبان ومشتقات الألبان، العصائر والحلويات.

  • مواد البناء: الإسمنت، وحديد التسليح، السيراميك والمرمر، الطابوق والبلوك، ومنتجات الحديد والصلب التي تعتمد عليها مشاريع الإعمار الصغيرة والكبيرة داخل العراق.

  • الأجهزة المنزلية والكهربائية: المبردات، المكيّفات، الثلاجات، التلفزيونات، وأدوات المطبخ، والتي تمتلئ بها الأسواق الشعبية ومراكز البيع الكبرى.

  • سلع استهلاكية أخرى مثل المنظفات، البلاستيكيات، الأدوات المنزلية، والأقمشة والملابس منخفضة الكلفة.

هذه السلع مجتمعة جعلت إيران خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للعراق في الغذاء والسلع غير النفطية، فيما تشير تقديرات إلى أنّ بغداد تستحوذ على نحو خُمس صادرات إيران غير النفطية، وأنّ جزءاً كبيراً من رفوف المتاجر والأسواق العراقية مرتبط بسلاسل توريد قادمة عبر المنافذ الحدودية مع إيران.

من المصانع المعطلة إلى مائدة العراقيين

قرار ترامب لا يضرب فقط حركة الشاحنات بين الجانبين، بل يسلّط الضوء أيضاً على ثمن خيارات اقتصادية اتُّخذت بعد 2003، حين فُتحت الحدود أمام السلع المستوردة على حساب الصناعة والزراعة المحلية.

بيانات رسمية تشير إلى أنّ العراق يملك قرابة 4000 مصنع في مختلف القطاعات، لكنّ معظمها متوقف أو يعمل بطاقة محدودة، فيما تتحدث إحصاءات عن أكثر من 18 ألف مشروع صناعي متوقف لأسباب تتراوح بين انقطاع الطاقة، وضعف التمويل، وعدم القدرة على منافسة السلع المستوردة الأرخص ثمناً.

في الزراعة، تراجع إنتاج الكثير من المحاصيل لصالح استيراد منتجات إيرانية وتركية وإقليمية، من الطماطم والخضروات إلى الألبان واللحوم المجمدة، بينما يشكو مزارعو النخيل من بيع التمر العراقي بأثمان منخفضة لشركات وسيطة، ليُعاد تسويقه في أسواق الخليج بعلامات تجارية مختلفة، في وقت لا يحصل فيه المستهلك العراقي على قيمة مضافة حقيقية من هذه السلسلة.

اليوم، ومع التلويح الأمريكي بضرائب إضافية على كل من يستمر في التعامل التجاري مع إيران، يجد العراق نفسه أمام فاتورة مزدوجة: اقتصاد محلي ضعيف الإنتاج، وسوق داخلية تعتمد بنسب عالية على الاستيراد من دولة أصبحت هدفاً مباشراً لإجراءات عقابية أمريكية.

ضرائب فوق ضرائب.. من يدفع الفاتورة؟

القرار الأمريكي الجديد يتزامن مع حزمة داخلية من الضرائب والرسوم في العراق نفسه. فالحكومة أعادت خلال الأشهر الماضية فرض ضريبة بنسبة 20% على بطاقات تعبئة الهاتف والإنترنت، ضمن إجراءات لزيادة الإيرادات وتقليص العجز، ما يعني عملياً اقتطاع جزء من القدرة الشرائية للمواطن، حتى لو جرى تمرير القرار على شركات الاتصالات شكلياً.

في الوقت ذاته، رُفعت الرسوم الجمركية على شرائح واسعة من السلع المستوردة إلى مستويات تتراوح بين 10% و30%، وسط شكاوى تجار من أنّ هذه الزيادات تمرّ مباشرة إلى الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك، لأنّ السوق العراقية تعتمد على الاستيراد في الغذاء والأجهزة المنزلية والمواد الإنشائية.

الخبير في الشؤون الاقتصادية أحمد التميمي يقول لـ"بغداد اليوم" إنّ "قرار ترامب بفرض ضريبة 25% على الدول المتعاملة مع إيران يضع العراق أمام تحديات اقتصادية وتجارية معقّدة"، موضحاً أنّ "العراق يرتبط تجارياً مع إيران في ملفات حيوية كاستيراد الغاز والكهرباء، إضافة إلى المواد الغذائية ومواد البناء والسلع الاستهلاكية، ما يعني أنّ أي ضغط أمريكي مرتبط بهذه التعاملات ستكون له آثار مباشرة على الأسعار داخل السوق العراقية".

ويضيف التميمي أنّ "الخطر الحقيقي لا يكمن في الأثر الفوري على الصادرات العراقية إلى الولايات المتحدة، وهو أصلاً محدود، بل في الضغط السياسي والاقتصادي على بغداد لإعادة هيكلة علاقاتها التجارية والبحث عن بدائل عاجلة، الأمر الذي قد يرفع كلفة الاستيراد ويغذّي موجة تضخّم جديدة تثقل كاهل الموظف والمواطن الذي يواجه أصلاً ارتفاعاً في الضرائب والرسوم".

الموظف الذي شعر خلال الفترة الماضية أنّ راتبه الفعلي تراجع مع زيادة الضرائب وأسعار السلع، مهدّد اليوم بخسارة جزء إضافي من قدرته الشرائية، إذا ما انتقلت كلفة هذه الحرب التجارية إلى رفوف المتاجر وصالات بيع مواد البناء وأسواق الجملة.

هل يعود التهريب إلى الواجهة؟

في كل مرة ترتفع فيها تكلفة التجارة الرسمية عبر المنافذ، يعود الحديث عن تنشيط قنوات التهريب. الحدود الجبلية والوعرة بين العراق وإيران عرفت خلال السنوات الماضية نشاطاً ملحوظاً لشبكات نقل البضائع عبر "المهربين" وغيرهم من الناقلين الذين يستغلون الفارق في الأسعار والضرائب بين الجانبين.

إذا واصلت واشنطن التصعيد في فرض ضرائب على الدول المتعاملة مع إيران، ورفعت بغداد في الوقت ذاته رسومها الجمركية على الاستيراد، فإنّ جزءاً من السوق قد ينجذب نحو طرق غير شرعية لتجاوز الكلفة الجديدة، سواء عبر منافذ في إقليم كردستان أو معابر ثانوية أقل ضبطاً.
هذا السيناريو يعني خسارة إضافية لخزينة الدولة من جهة، وانزلاق جزء من التجارة إلى اقتصاد موازٍ غير خاضع للرقابة الصحية والضريبية، من جهة أخرى.

خيارات صعبة أمام بغداد

القرار الأمريكي يضع الحكومة العراقية أمام معادلة شديدة الحساسية:

  • الاستمرار في الاعتماد على الاستيراد من إيران كما هو، مع تحمّل مخاطر العقوبات والضرائب الأمريكية وانعكاساتها على الاقتصاد.

  • أو الانخراط في عملية إعادة هيكلة سريعة لسلسلة الإمداد، عبر تنويع الشركاء التجاريين، والبحث عن مصادر بديلة للغذاء ومواد البناء والطاقة، وهو مسار لن يكون بلا كلفة على المدى القصير.

الخيار الثالث، الأكثر صعوبة لكنّه الأكثر استدامة، يتمثل في استثمار هذه الأزمة كفرصة لإحياء ما تبقّى من الصناعة والزراعة العراقية، من خلال:

  • إعادة تشغيل المصانع المتوقفة وتوفير الطاقة والتمويل لها، بدلاً من تركها جزءاً من "الخردة الاقتصادية" كما تصفها بعض التقارير.

  • دعم المزارعين وسلاسل القيمة الزراعية، من التمر والحبوب إلى الخضروات، بما يضمن رفع الإنتاج وتحسين التسويق داخل العراق وخارجه.

  • استخدام أدوات السياسة التجارية لحماية المنتج المحلي من الإغراق، من دون تحويل تلك الأدوات إلى عبء غير مدروس على المستهلك.

بين واشنطن وطهران، يجد العراق نفسه مجدداً في قلب معركة ليست من صنعه، لكنه يدفع ثمنها في لقمة الخبز، وفي كيس الإسمنت، وفي فاتورة الكهرباء والهاتف. قرار ترامب الأخير ليس مجرد رقم جديد في قائمة الضرائب العالمية، بل جرس إنذار لاقتصاد عراقي بُني لعقدين على الاستيراد، وحان وقت مواجهة سؤال مؤجل: إلى متى يبقى السوق رهينة لمعادلات الآخرين، فيما المصانع معطلة، والأراضي الزراعية عطشى، والمواطن يحسب كل يوم كم خسر من راتبه قبل أن يبدأ الشهر؟

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14