أمن / اقتصاد / ملفات خاصة 13-01-2026, 11:23 | --
+A -A

أسرار الأزمة المفتعلة


من يسرق غاز العراقيين في ذروة البرد؟.. تفكيك لغز " الوفرة" التي خنقتها شبكات التهريب والمضاربة

بغداد اليوم – بغداد

خلال الأيام الماضية أصبح منظر طوابير أسطوانات الغاز أمام المعامل ووكلاء التوزيع مشهداً مكرراً في بغداد وعدد من المحافظات، في ذروة موجة برد دفعت العائلات إلى استهلاك أعلى لغاز الطبخ من أجل التدفئة والطهي معاً. وبينما تظهر الصور ازدحامات وارتفاعاً في الأسعار، تؤكد بيانات وزارة النفط والشركات المعنية أن الإنتاج في أعلى مستوياته، وأنه لا توجد "أزمة حقيقية" في المادة، بل اختناق في التوزيع وسلوكيات استغلال ضخّمت آثارها على الشارع.

وفرة في الإنتاج… وأزمة في الشارع

وزارة النفط والشركة العامة لتعبئة وخدمات الغاز تؤكدان أن معامل الغاز تعمل حالياً بكامل طاقتها، وأن أزمة غاز الطبخ "تحت السيطرة" ومن المتوقع أن تنتهي تدريجياً خلال الأيام المقبلة. مسؤولون في الوزارة أوضحوا أن أحد أنابيب نقل الغاز دخل خلال الفترة الماضية في أعمال صيانة عاجلة، وتم تعويضه بشكل فوري عن طريق الصهاريج، ما سمح باستمرار تشغيل المعامل دون توقف، مع الإشارة إلى أن هلع بعض المواطنين ودافع الخوف من انقطاع الغاز دفع الكثيرين إلى اقتناء كميات إضافية داخل المنازل، وهو ما رفع الطلب مؤقتاً فوق المعدلات الطبيعية.

مع ذلك، تشير الأرقام إلى أن الإنتاج اليومي لأسطوانات غاز الطبخ في بغداد ارتفع من نحو 120 ألف أسطوانة إلى 160–180 ألف أسطوانة يومياً، وأن الطاقة الإنتاجية على مستوى البلاد تتجاوز حاجة الاستهلاك الداخلي، مع تصدير جزء من الغاز المسال إلى الأسواق الخارجية. هذا التناقض بين وفرة الأرقام وحديث الناس عن شحّ في السوق، جعل الأنظار تتجه إلى حلقات النقل والتوزيع والرقابة، أكثر من التساؤل عن توفر المادة نفسها.

ديالى نموذجاً: إنتاج مرتفع واتهامات بتهريب وأزمة "مفتعلة"

في محافظة ديالى، التي تحولت في تغطيات متعددة إلى أحد عناوين أزمة الأيام الماضية، يقدّم رئيس مجلس المحافظة عمر الكروي صورة نموذجية عن هذا التداخل بين الوفرة والاختناق. الكروي أعلن في حديثه لـ"بغداد اليوم" دخول "استراتيجية النقاط الأربع" حيز التنفيذ لمواجهة أزمة غاز الطبخ، مؤكداً أن "الأزمة مفتعلة وتقف خلفها شبكات تهريب تسعى لرفع الأسعار".

وبحسب الكروي، ارتفع إنتاج أسطوانات غاز الطبخ في ديالى خلال أقل من أسبوع بنسبة تقارب 30%، لتتجاوز طاقة 24 معملاً في المحافظة حاجز 40 ألف أسطوانة يومياً، وهي كمية يصفها بأنها "فائض واضح" قياساً بالسنوات الماضية. لكن القراءة الميدانية للأوضاع والاجتماعات مع الجهات ذات العلاقة أظهرت، وفق الكروي، وجود عمليات تهريب واسعة للأسطوانات باتجاه المحافظات المجاورة، ما دفع المجلس إلى اعتماد خطة تقوم على أربعة محاور:

  • إحالة ملف تهريب الغاز إلى جهاز الأمن الوطني لتتبع الشبكات المتورطة وتقديمها إلى القضاء.

  • تشديد الإجراءات على السيطرات الخارجية لمنع خروج الأسطوانات ومحاسبة المتورطين.

  • متابعة مباشرة لوكلاء التوزيع في الأقضية والنواحي.

  • منح مديري الوحدات الإدارية صلاحيات كاملة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يثبت تلاعبه بالأسعار أو الكميات.

هذه التفاصيل في ديالى تُطرح بوصفها مثالاً لما يمكن أن يحدث في أي محافظة أخرى، حين تتوفر كميات كافية من الغاز على الورق، بينما تساهم حلقات التهريب والاحتكار والمضاربة في صناعة "أزمة موضعية" يشعر بها المواطن مباشرة عند باب المعمل أو الوكيل.

بغداد والنجف ومحافظات أخرى: الطوابير تصنع الأزمة

في بغداد والنجف ومحافظات أخرى، تكررت خلال الأيام الماضية شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على أسطوانات الغاز وارتفاع الأسعار، حيث ارتفع سعر الأسطوانة لدى بعض الباعة المتجولين من 8 آلاف إلى 10 آلاف دينار أو أكثر، رغم ثبات السعر الرسمي في محطات التعبئة عند 5 آلاف دينار للأسطوانة الواحدة.

صور ومقاطع متداولة أظهرت اصطفافاً طويلاً للعجلات والمواطنين أمام معامل الغاز الحكومية ووكلاء التوزيع، مع اندفاع كبير نحو الشراء بعد انتشار أخبار عن "أزمة مقبلة" في غاز الطبخ. مسؤولون في شركات تعبئة الغاز في بغداد والنجف نفوا وجود شح في المادة، وأكدوا أن الإنتاج في تلك الأيام تجاوز المستويات الاعتيادية، مشيرين إلى أن جزءاً من الازدحام ناتج عن الفارق بين السعر الرسمي في المعمل وسعر البيع عند الوكلاء والباعة الجوالين، إضافة إلى سلوكيات التخزين داخل المنازل، ما ضاعف الإحساس بالأزمة وصنع موجة "هلع شرائي" رفعت الطلب خلال فترة قصيرة.

"خلل هيكلي" في التوزيع والرقابة: عنق الزجاجة الحقيقي

ما تكشفه أزمة الأيام الماضية، وفق مختصين في الشأن الاقتصادي، هو وجود خلل هيكلي في منظومة التوزيع والرقابة، لا في منظومة الإنتاج. فالسلسلة الممتدة من المصافي ومعامل التعبئة، إلى مخازن المحافظات، إلى وكلاء التوزيع، إلى المواطن، تمر عبر حلقات عديدة قابلة للاختراق، في ظل غياب نظام تتبع إلكتروني دقيق للأسطوانات، وضعف رقابة فاعلة على الأسعار، وتفاوت في تطبيق العقوبات على من يثبت تورطه في التهريب أو الاحتكار.

بمعنى آخر، يكفي أن يحدث خلل في حلقة واحدة من حلقات النقل أو التوزيع، أو أن تنشط شبكة تهريب في محافظة معيّنة، حتى ينعكس ذلك على شكل طوابير وارتفاع أسعار في عدد من الأحياء، رغم أن معامل الغاز ما تزال تعمل بالمستوى نفسه. هذا ما جعل أزمة غاز الطبخ أقرب إلى أزمة "إدارة وتوزيع" منها إلى أزمة "مادة مفقودة".

رد الحكومة: بيع مباشر وتشديد قبضة الأمن الاقتصادي

لمواجهة الاختناقات التي ظهرت في الأيام الماضية، اتجهت وزارة النفط، عبر الشركة العامة لتعبئة وخدمات الغاز، إلى اعتماد البيع المباشر للمواطنين في عدد من المعامل والساحات الحكومية في بغداد وبعض المحافظات، بهدف تقليص دور الحلقات الوسيطة وتسريع حركة التوزيع، مع التأكيد على ثبات السعر الرسمي وعدم وجود نية لزيادته. كما تم الإعلان عن زيادة الحصص المجهزة من أسطوانات الغاز إلى بعض المناطق التي ظهر فيها ضغط أعلى، لإعادة التوازن إلى السوق خلال فترة قصيرة.

في المقابل، تحركت حكومات محلية، كما في حالة ديالى، لإدخال أجهزة الأمن، وخصوصاً جهاز الأمن الوطني، على خط أزمة الغاز بوصفها ملفاً للأمن الاقتصادي، مع تشديد الرقابة على السيطرات الخارجية ومتابعة مسارات خروج الأسطوانات من المحافظات، وإعطاء رسائل واضحة بأن عمليات التهريب والتلاعب لن تُعامل على أنها "تجاوزات بسيطة"، بل جرائم تطاول الأمن المعيشي للمواطنين.

أزمة عابرة أم إنذار مبكر؟

على المدى القريب، تؤكد وزارة النفط أن الوضع "شبه طبيعي" وأن الأزمة تحت السيطرة وتتجه إلى الانحسار خلال الأيام المقبلة، مع عودة الطلب إلى معدلاته المعتادة بعد تراجع موجة الهلع التي رافقت الأخبار الأولى عن الأزمة. لكن خلف هذه الطمأنة يطرح خبراء الطاقة سؤالاً أوسع: هل ما جرى مجرد أزمة عابرة ارتبطت بصيانة أنبوب وارتفاع مؤقت في الطلب، أم أنه جرس إنذار لملفات أعمق تتعلق بأمن الطاقة المنزلي، وآليات التخطيط لمواسم الذروة، والقدرة على ضبط التوزيع ومنع التهريب والمضاربة؟

خلاصة ما حدث خلال الأيام الماضية أن أزمة غاز الطبخ لم تكشف نقصاً في الغاز بقدر ما كشفت نقصاً في الانضباط والشفافية والثقة؛ أزمة توزيع قبل أن تكون أزمة إنتاج، وأزمة إدارة قبل أن تكون أزمة أنبوب. وإذا نجحت الحكومة في عبور هذا الاختبار عبر البيع المباشر وإجراءات الأمن الوطني في ديالى ومحافظات أخرى، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه المعالجات الطارئة إلى سياسة دائمة، تحمي أسطوانة الغاز من أن تتحول في كل شتاء إلى ورقة مضاربة على حساب الموقد البسيط في بيت عراقي ينتظر وجبة ساخنة لا أكثر.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14