أمن / ملفات خاصة 12-01-2026, 13:02 | --
+A -A

"تمائم اللايفات"


تكنولوجيا الشعوذة: كيف دمرت "طلاسم الفضاء الرقمي" بيوت العراقيين وحوّلت أحلامهم إلى أدوات ابتزاز؟

بغداد اليوم - بغداد

شابة عراقية متخرجة من الجامعة، تعيش منذ سنوات حالة تعلّق صامت بشاب قريب أو جار يسكن في الحي نفسه؛ تحفظ مواعيد خروجه وعودته، تتابع حسابه في إنستغرام، تمرّ على صوره وتعليقاته كأنها تراجع فصول رواية لا تنتهي، وتتعمّد الوقوف عند باب البيت كلما سمعت هدير سيارته أو وقع خطواته، بينما هو يمر أمامها بوصفها "بنت البيت" لا أكثر، جزءا من خلفية الحي الذي كبر فيه. يوما بعد يوم، يتحول السؤال عن مستقبلها من همس في غرف النساء إلى حديث صريح على مائدة الغداء: "متى نفرح بك؟"، "فلانة أصغر منك وخطبوها"، ومع كل جملة تشعر الشابة أن جدران البيت تضيق، وأن الأبواب تغلق على خيار واحد لا يتحرك، فتدخل غرفتها ليلا وتبكي أمام أمها، تردد أنها لا ترى زوجا غير هذا الشاب، وأن قلبها معلّق به على نحو لا تستطيع فكه، وأن هناك قوة غامضة، لا تفهمها، تمنعه من الاقتراب، حتى حين تبدو الظروف مهيأة.

الأم، المحاصرة هي الأخرى بخوف العمر وضغط المجتمع، تستدعي من ذاكرتها القديمة قصص "الشيوخ" و"المعالجين" الذين "يجلبون الحبيب" و"يفتحون النصيب"، وتتذكر جارة كانت تقسم قبل أشهر بأن رجلا "روحانيا" أعاد زوجها الهارب إلى البيت. في صباح اليوم التالي تمسك بيد ابنتها، لا تقول لها سوى "نجرب ولن نخسر شيئا"، وتتوجه بها إلى العنوان المكتوب على قصاصة صغيرة، بحثا عن طريق مختصر يختصر سنوات الانتظار. في غرفة ضيقة في أحد الأزقة، هواؤها مثقل برائحة البخور، يستقبلهما شخص يقودهما إلى رجل في منتصف العمر، أمامه بخور مشتعل وأوراق مبعثرة وسبحة ومصحف. يطلب اسم الشابة واسم أمها، يخط رموزا غير مفهومة على ورقة، يغمض عينيه لحظات، ثم يرفع رأسه قائلا إن "البنت عليها عمل قديم"، وإن "فلانا مربوط عنها"، وإن الحل لا يكون إلا "بعمل خاص" يحتاج إلى زيارات متكررة ودفن أوراق في مكان معيّن، وإلى مبالغ لا بد أن تُدفع إذا أرادتا أن يتغير "المكتوب" الذي يقف بين الشابة وبين حلمها. من تلك اللحظة تنزلق الشابة من تعلّق عفوي بقريب أو جار إلى دائرة كاملة من التبعية لهذا الرجل، الذي لا يرى في دموعها وارتجاف صوتها سوى مشروع ربح ثابت، مستندا إلى جهل متراكم وضغط اجتماعي وشعور عام بالعجز عن تغيير المصير بوسائل طبيعية.

ومع مرور الوقت، تُروى الحكاية داخل العائلة على أن "العمل" بدأ يؤتي أثره؛ فيقال إن الشاب الذي لم يكن يلتفت أصلا إلى قريبة أو جارة، انقلب حاله فجأة وصار يتقرب منها بلا سبب ظاهر، ويتعلق بحضورها، وربما يهمل خطيبته أو زوجته إذا كان متزوجا، إلى حدّ اتخاذ قرارات مصيرية كفسخ خطوبة أو طلب الطلاق من زوجة عاش معها سنوات، فقط لأنه بات يشعر بانصراف قلبه بطريقة غير مفهومة نحو شابة بعينها. في مثل هذه الحالات لا تُقرأ التغيرات على أنها تدرّج طبيعي في المشاعر، بل تُنسب إلى "قوة العمل" وما ارتبط به من تسخير لقوى غيبية، فيتحول السحر، في وعي من لجأوا إليه، إلى أداة لإعادة تشكيل مصائر الناس قهرا، حتى لو كان الثمن خراب بيت قائم وتفكك أسرة بريئة لم تكن طرفا في الرغبة الأولى.

الفضاء الرقمي: مشعوذ جديد على شاشة صغيرة

المشهد الذي عاشته هذه الشابة في الغرفة الضيقة يمكن أن يحدث اليوم لآلاف الشابات والشبان من دون أن يغادروا غرفهم؛ فالمشعوذ لم يعد محتاجا إلى دكان أو سمعة محلية، يكفيه هاتف بكاميرا جيدة وحساب على تيك توك أو إنستغرام أو تليغرام، حتى يتحول إلى "شيخ" أو "خبير روحاني" يتابعه عشرات الآلاف. في بث مباشر عابر، يظهر رجل بزي ديني أو بملابس عصرية، يضع أمامه مصحفا وكوبا من الماء، يتحدث بثقة عن "فك السحر والحسد" و"رد المطلقة" و"ربط القلوب"، ثم يطلب من المتابعين أن يكتبوا أسماءهم وأسماء أمهاتهم في التعليقات ليكشف لهم "على الهواء" ما يعيق رزقهم أو زواجهم أو نجاحهم.

في هذه اللحظة يبدأ التحول الصامت للفضاء الرقمي من مساحة ترفيه وتواصل إلى سوق واسعة للخرافة؛ تُجمع المعلومات الشخصية تحت غطاء "كشف مجاني"، ثم يُطلب ممن يشعر أن الكلام يلامس وجعه أن يرسل تفاصيله على الخاص. تبدأ دورة من الأسئلة عن المشاكل الأسرية والعاطفية، يليها طلب صور شخصية وتسجيلات صوتية لاعترافات لا تُقال عادة لأقرب الناس، مع وعود متصاعدة بأن الحل قريب وسريع إذا التزم الشخص بتحويل المبالغ المطلوبة وتنفيذ التعليمات حرفيا. وإذا تردد أو حاول الانسحاب، تتحول تلك الصور والاعترافات إلى أداة ضغط، ويُلوّح له باحتمال الفضيحة أو "انقلاب العمل عليه"، فيجد نفسه محاصرا بالخوف من المجتمع والخوف من الغيب في آن واحد.

بهذه الطريقة يسمح الفضاء الرقمي للمشعوذ بأن يتجاوز حدود المكان والزمان؛ ضحيته قد تكون طالبة في محافظة أخرى، أو موظفا في مدينة بعيدة، أو شابا في سكن جامعي، لا يجرؤ أحد منهم على زيارة "شيخ" علنا، لكنه يجد في شاشة الهاتف غطاء مريحا للبحث عن مخرج، من دون أن يدرك أنه يضع نفسه في قبضة شخص مجهول يحتمي بالافتراضية وسرعة تبديل الحسابات. وهكذا يصبح الفضاء الرقمي بيئة خصبة لانتشار السحر والشعوذة، لأنه يجمع بين وهم السرية لدى الضحية، والانتشار الواسع للمحتوى المضلل، وضعف الرقابة القانونية والأسرية على هذا النوع من الممارسات.

المقابر: حين تُدفن الطلاسم في تربة الخوف الجماعي

في الضفة الأقدم من المشهد، تواصل المقابر لعب دورها بوصفها الجغرافيا الأكثر رمزية في عالم السحر؛ فكثير من "الأعمال" التي تُصنع للبشر، للحب أو التفريق أو المرض أو الإفلاس، يُشترط في نظر بعض المشعوذين أن تُدفن بين القبور أو عند رؤوس الموتى أو في زوايا مهجورة من المقابر القديمة، بحجة أن السحر المدفون في تربة الموتى "أشد تمكينا" و"أصعب في الفك". عمال مقابر في مدن عراقية مختلفة يروون عن عثورهم المتكرر على أوراق مكتوبة مغلفة بأكياس نايلون، وأقمشة معقودة، وخصل شعر وأظافر وصور شخصية مدفونة بشكل سطحي أو مخبأة في شقوق الجدران، كما يروون عن عائلات تأتي تبحث عن "عمل" تعتقد أن خصوما دفنوه لقريب لهم.

استغلال المقابر هنا ليس تفصيلا تقنيا في طريقة أداء السحر، بل جزءا من اللعبة النفسية نفسها؛ فحين يقال لعائلة إن مصير ابنتهم أو زواجها أو صحة أحد أفرادها معلّق بورقة مطوية مدفونة في مقبرة، فإن قرار المشعوذ العبثي يُحمَّل في وعيهم وزن القداسة والخوف من انتهاك حرمة الموتى، ويجعل أي محاولة للانسحاب من الدائرة أو رفض ما يُطلب منهم تبدو كأنها عصيان لقوة أكبر من الجميع. بهذه الوسيلة يُنتهك حق الأحياء في أن يعيشوا حياتهم العاطفية والاجتماعية خارج هذا الابتزاز الرمزي، كما تُنتهك حرمة الأموات، ويتحول المكان الذي يفترض أن يذكّر الناس بهشاشة الحياة وبالمآل الواحد لهم إلى جزء من مسرح الخوف والتلاعب بالوعي، في مجتمع مثقل أصلا بذاكرة المقابر الجماعية والحروب والقتل.

البعد الديني: قوة حقيقية في الموروث ومحظورة شرعا

في الوعي الديني العراقي، بمذاهبه المختلفة، لا يُنظر إلى السحر باعتباره مجرد خرافة اجتماعية أو حالة نفسية، بل بوصفه بابا خطيرا إلى قوى غيبية محرمة؛ إذ تقر النصوص الدينية بوجود السحر وأثره، لكنها تشدد في الوقت نفسه على تحريم تعلّمه وتعليمه وممارسته وطلبه، لما يترتب عليه من ظلم وتلاعب بالإرادة وتدمير للأسر واستحلال لمحارم الله. كثير من العائلات التي تروي قصصا عن "عمل" قُصد به شخص معين، تتحدث عن انقلاب حاله رأسا على عقب: زوج يترك زوجته من غير سبب ظاهر، أو شاب يقطع خطوبة مستقرة، أو أب يغيّر موقفه من عائلته بالكامل، ويُربط كل ذلك بذلك "العمل" الذي دُفن في مقبرة أو صُنع عند مشعوذ.

في هذا التصور لا تكون قوة السحر مجرد خطاب يوهم الضحية، بل قوة حقيقية في عالم الغيب كما يعتقد المؤمنون، لكنها قوة محرمة شرعا، لا تُمارس إلا عبر الاستعانة بالباطل، ولا تُفتح إلا على حساب دين الإنسان واستقرار حياته. لذلك ينظر كثير من الفقهاء إلى اللجوء إلى السحرة على أنه لعب بالنار؛ قد يظن صاحبه أنه يربح شخصا أو زواجا، بينما هو يخسر بيته وطمأنينته وعلاقته بالله في الوقت نفسه، وتتحول رغبته الفردية إلى سبب في خراب بيوت أخرى ودخول أسر بريئة في دوامة من الشك والانهيار.

ما وراء القصة الفردية: جهل مُستغَل ودولة متأخرة عن المشهد

وراء قصة الشابة واللايفات الرقمية والطلاسم المدفونة، تقف طبقة أعمق من العوامل التي تسمح للسحر والشعوذة أن يتحولا إلى ظاهرة واسعة. دراسات اجتماعية عراقية تربط انتشار اللجوء إلى السحرة بضعف التعليم، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع ثقة الناس بالمؤسسات الصحية والقضائية، وغياب منظومة فعالة للصحة النفسية والإرشاد الأسري. كثير من الأسر تفضّل إرسال بناتها أو أبنائها إلى "شيخ يقرأ" على مراجعة طبيب نفسي، إما بسبب الكلفة أو الوصمة أو عدم توفر الخدمات أصلا، فيتحول المشعوذ إلى بديل رخيص وسريع لمنظومة علاجية وقانونية غائبة أو بعيدة.

إلى جانب ذلك يظهر أثر نظام تعليمي لا يربّي على التفكير النقدي؛ مناهج تعتمد الحفظ أكثر من النقاش، ولا توفر تربية إعلامية ورقمية تشرح للطلاب كيف يعمل التضليل والاحتيال، وكيف تُستخدم اللغة الدينية والرموز الغيبية لتوجيه الناس. بهذه الصورة يمسك جيل كامل هاتفه بثقة تقنية عالية، لكنه يفتقر إلى أدوات الفرز بين محتوى جاد ومحتوى مضلل، ما يجعل الوقوع في فخ "الشيخ الرقمي" أو "المعالج الروحاني" أمرا يسيرا في لحظة ضعف.

من التعاويذ القديمة إلى اقتصاد السحر الحديث: جذور الظاهرة في العراق

ظاهرة السحر والشعوذة لا ترتبط فقط بالحاضر، بل تمتد جذورها إلى طبقات أقدم من تاريخ الاجتماع العراقي؛ ففي القرى وأطراف المدن، كانت التمائم والأحجبة وقراءة الطالع جزءا من أدوات التعامل مع الخوف والمرض والقحط والنزاعات العائلية، في مجتمعات بعيدة عن الدولة المركزية تعتمد كثيرا على التفسيرات الغيبية للأحداث. مع مرور الزمن ترسخت صورة "العرّاف" و"كاتب الأحجبة" و"صاحب البركة" داخل الذاكرة الشعبية، وامتزجت بالتدين اليومي من دون أن تُفكك معرفيا أو تُنتقد بجدية.

في التسعينيات، ومع الحصار الاقتصادي وسقوط أغلب شبكات الأمان الاجتماعي، لجأ كثير من الناس إلى هذه الممارسات بحثا عن حماية خارقة من واقع لا يملكون أدوات تغييره، فازدادت سوق السحر والأحجبة، وتضخمت حكايات الشيوخ الذين "يحمون من القصف" أو "يجلبون الرزق". بعد 2003، ومع الفوضى الأمنية وصعود الهويات الطائفية وتحول الدين إلى ميدان تنافس سياسي ومسلح، وجد المعالجون الشعبيون والمشعوذون هامشا أوسع للحركة، مستندين إلى فراغ قانوني وضعف رقابة، وإلى خطاب ديني وإعلامي متداخل مع الخرافة في كثير من تفاصيله. حين ظهر الفضاء الرقمي، لم يخلق ظاهرة جديدة بقدر ما وفر لها منصة أخرى أكثر قوة وانتشارا؛ انتقلت التعاويذ من جيب المريض إلى شاشة هاتفه، وانتقل "الشيخ" من زقاق ضيق إلى بث مباشر يشاهده آلاف في وقت واحد، وتحول السحر من ممارسة هامشية إلى جزء من اقتصاد خوف حديث يعمل بالتحويلات السريعة والأرقام السرية.

العوامل التي تغذي انتشار السحر في العراق اليوم

انتشار السحر والشعوذة في العراق اليوم نتيجة تفاعل عدة عوامل بنيوية. الضغط الاقتصادي يلعب دورا مركزيا؛ بطالة واسعة بين الشباب، سوء خدمات، هوّة متزايدة بين خطاب الوعود والواقع، كل ذلك يدفع الناس إلى البحث عن "طريق مختصر" لحل أزماتهم، سواء كانت أزمة زواج أو عمل أو هجرة أو خلاف أسري. حين تغيب أمامهم حلول واقعية مقنعة، يصبح الحل السحري خيارا نفسيا مطروحا حتى لو رفضوه نظريا.

يبرز كذلك الفراغ في مجال الصحة النفسية والإرشاد؛ ندرة المراكز المتخصصة، كلفة العلاج، الوصمة المرتبطة بمراجعة الطبيب النفسي، غياب مرشدين مؤهلين في المدارس والجامعات، كل هذا يدفع من يمر بأزمة عاطفية أو انهيار أو قلق مزمن إلى البحث عن شخص "يسمعه" خارج الإطار الرسمي، فيجد أبواب المشعوذين، الواقعيين والرقميين، مفتوحة أكثر من أبواب العيادات. عامل آخر يتمثل في الخطاب الديني والإعلامي المتردد؛ منابر وخطباء يحذرون من السحر، لكنهم في الوقت نفسه يرسخون كثيرا من أنماط التفكير السحري عبر التوسع في قصص الكرامات والمعجزات الفردية، أو عبر تفسير النجاح والفشل بأسباب غيبية أكثر من تحليل الشروط الواقعية.

ومع ضعف حضور الدولة وهيبتها في تفاصيل الحياة اليومية، وغياب تشريعات واضحة تجرّم السحر بشكل مباشر، وضعف آليات ضبط المحتوى الرقمي، يشعر المشعوذ بأن المساحة مفتوحة أمامه، بينما يشعر المواطن بأن طريقه إلى حقه عبر المحاكم بطيء ومرهق، وأن الحل "الكوني" السريع الذي يقدمه الساحر أقل كلفة عاطفيا، وإن كان مدمرا على المدى البعيد. في هذه الفجوة بين عجز الدولة وعجز الفرد يترسخ السحر والشعوذة كخيار ثالث، لا يحل شيئا في الواقع، لكنه يقدّم وهما منظّما يملأ فراغات الخوف والانتظار.

"آفة سوداء" تنخر المجتمع

وسط هذا المشهد، يبرز كلام النائب ياسر وتوت بوصفه إحدى الشهادات العلنية القليلة من داخل المؤسسة السياسية؛ إذ يؤكد لـ"بغداد اليوم"، أن "السحر والشعوذة باتا يشكلان آفة خطيرة تنخر المجتمع بسبب الجهل، وهناك من يستغل بساطة الناس لاستنزاف أموالهم"، ويشير إلى أن "جهود وزارة الداخلية خلال الأشهر الماضية كانت مثمرة وإيجابية وأسفرت عن تفكيك عشرات شبكات السحر والشعوذة في عدد من المحافظات"، لافتا إلى أن "هذه الظاهرة تشهد اليوم انحسارا واضحا، ولاسيما بعد أن تبيّن أن نحو 70% من المعلومات التي قادت إلى اعتقال المشعوذين والسحرة جاءت عبر بلاغات المواطنين"، وأن ذلك يعكس "تنامي الوعي المجتمعي بأهمية مواجهة هذه الممارسات الخطيرة".

في هذا التصريح تتلاقى المعطيات الأمنية مع ما يشعر به كثير من المواطنين بصوت خافت؛ إحساس بأن السكوت عن المشعوذين يعني ترك مزيد من الضحايا يسقطون في شراكهم، وأن الإبلاغ عنهم، سواء عبر مراكز الشرطة أو عبر منصات الشكاوى الرقمية، شكل من أشكال الدفاع عن الأسرة والمجتمع، في ظل تأخر القوانين والمؤسسات التربوية والدينية عن إنتاج خطاب وقائي واضح ومتماسك.

تفكيك الخرافة يبدأ من تفكيك العجز

حين تُقرأ حكاية الشابة الجامعية التي تعلّقت بقريبها، إلى جانب حفلات اللايف على تيك توك، والطلاسم المدفونة في المقابر، وتصريحات مسؤولين يتحدثون عن "آفة سوداء تنخر المجتمع"، يتضح أن مواجهة السحر والشعوذة في العراق ليست مسألة حملات اعتقال أو بيانات استنكار فقط، بل معركة أعمق مع شعور واسع بالعجز يعيشه الأفراد أمام واقع اقتصادي واجتماعي مضطرب، ومع فراغ معرفي ونفسي وقانوني يسمح لمن يستثمرون في الخوف بأن يتحولوا إلى وسطاء بين الناس وأقدارهم.

لذلك فإن أي مشروع جدي لتفكيك هذه الظاهرة لا بد أن يبدأ من المدرسة والجامعة، حيث تُبنى مهارات التفكير النقدي والتربية الرقمية، ويمر عبر إصلاح حقيقي لقطاع الصحة النفسية والخدمات الأسرية، وتطوير خطاب ديني وإعلامي يوضح الحدود بين الإيمان بالغيب وتسليم المصير للخرافة، ويصل إلى تشريعات تحدد السحر والشعوذة كجريمة ذات أركان واضحة وعقوبات متناسبة، وتمنح أجهزة الدولة أدوات أقوى لملاحقة الشبكات التي تعمل في المقابر وعلى الشاشات في آن واحد. عند هذه النقطة فقط يمكن للتقارير التي تُكتب اليوم عن السحر في العراق أن تصبح، بعد سنوات، وثائق لمرحلة انتقل فيها المجتمع من الخضوع للخرافة إلى محاولة واعية لتجفيف منابعها البنيوية، لا الاكتفاء بمطاردة تجلياتها الأكثر فجاجة.

تقرير: محرّر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14