بغداد اليوم – بغداد
"نرجعكم 20 سنة للوراء"؛ جملة انطلقت في استوديو حواري، لكنّ صداها تحوّل خلال ساعات إلى ما يشبه محكمة علنيّة للهجات العراقيين، وخصوصًا أبناء الغربية. لم يكن الخلاف بين محلّلين سياسيين يدور حول برنامج حكومي أو تحالف انتخابي، بل حول كلمة واحدة قالها أحدهما بلهجته: "عَجَل". ردّ الآخر فورًا، باعتبارها "حچي صدام" وتهديدًا مبطّنًا بأنّ الاستمرار بهذا الكلام يعيد من يستخدمه إلى زمن لا يريد العراقيون العودة إليه. من تلك اللحظة، لم يعد الأمر تفصيلاً في مناظرة تلفزيونية، بل نافذة على سياقات أعمق: كيف تُستَخدم اللهجة في العراق كمعيار ولاء، وكأداة عقاب رمزي لجغرافيا كاملة، وكيف يُعاد إنتاج منطق العقاب الجماعي الذي قيل إنّ البلد تخلّص منه بعد سقوط الدكتاتورية.
على الجانب الآخر من المشهد، استُحضرت فورًا مفردة أخرى من الضفّة الجنوبية: "جا". الكلمة التي تكاد تكون توقيعًا صوتيًا لأبناء الجنوب، والتي تعرّضت في مراحل مختلفة للتنمّر والاستهزاء، كما لو أنّها تعبير عن "طبقة" أو "رتبة اجتماعية" لا عن لهجة حيّة. بين "عَجَل" الغربية و"جا" الجنوبية، تمدّدت أمام العراقيين خريطة كاملة من الأسئلة: من يملك حقّ تحديد "اللغة المقبولة" في المجال العام؟ وهل يكفي أن يتكلّم المرء بلكنته حتى يُشبَّه بصوت ديكتاتور، أو يُوضَع في خانة "الرجوع عشرين سنة إلى الوراء"؟
لهجات الجغرافيا لا لهجات التهمة: "العَجَل" الغربية و"الجا" الجنوبية
في الحياة اليومية، تُستخدم اللهجات العراقية بوصفها خرائط دقيقة للجغرافيا. أبناء الغربية يعرفون أنفسهم ويُعرَفون من خلال مفردات مثل "عَجَل"، "بعد شتريد"، "هسّه"، كما يعرف الجنوبيون أنفسهم بـ"جا"، "لعد"، "ها خويّي"، وتملك مدن الفرات الأوسط والبصرة والموصل وكردستان والعاصمة تنويعاتها الخاصة. هذه التنوّعات ليست طارئة، بل هي تراكم مئات السنين من الاحتكاك والاختلاط والتجارة والهجرة والحروب، وهي جزء من ذاكرة المكان بقدر ما هي جزء من ذائقة الناس.
في هذا الإطار، تصبح كلمة "عَجَل" أكثر من أداة ربط في جملة؛ إنّها إشارة سريعة إلى بيئة اجتماعية كاملة في الأنبار وصلاح الدين وأطراف بغداد، إلى نبرة محدّدة في الحديث، وإلى إحساس ضمني بالانتماء لمجال جغرافي يُسمّى عادة "الغربية". بالمقابل، لا تُستخدم "جا" في الجنوب فقط كأداة استدراك، بل تحمل شحنة عاطفية قريبة من "يا رجل" أو "يا حبيبي"، وتدخل في نسيج الكلام الحميمي اليومي، حتى صارت عند كثيرين عنوانًا للهجة الجنوب كلّها.
بهذا المعنى، حين تتحوّل "عَجَل" إلى قرينة على "حچي صدام"، وحين تُعامَل "جا" بوصفها مفردة أقلّ منزلة من لهجة العاصمة، فإنّ ما يُستهدَف ليس الكلمة بحدّ ذاتها، بل المجال الاجتماعي الذي تنتمي إليه. يصبح ابن الغربية "مشبوهًا" لمجرّد أنّه يتكلّم كما تعوّد أهله أن يتكلّموا، ويصبح ابن الجنوب مضطرًا لإخفاء مفرداته إذا أراد أن يُنظَر إليه كـ"شخص رسمي" أو "أنسب للإعلام". هنا يتقدّم سؤال الهوية على سؤال الذوق، ويتحوّل الاختلاف اللغوي من ثراء ثقافي إلى أساس لتفاضل سياسي واجتماعي.
من نقد صدام إلى استعادة أدواته: منطق العقاب الجماعي يعود متنكّرًا
المفارقة الأكثر حدّة في الحادثة الأخيرة أنّ الخطاب الذي استُخدم لمهاجمة مفردة "عَجَل" هو الخطاب نفسه الذي كان يُقال إنّ صدام حسين مارسه ضدّ مناطق كاملة. طوال سنوات ما بعد 2003، جرى التنديد بمنطق "المعاقبة بالجملة": اعتبار الجنوب كتلة واحدة يجب إخضاعها لأنّه تمرّد، أو النظر إلى الكرد ككتلة واحدة يجب الضغط عليها لأنّها طالبت بالحقوق، أو التعامل مع الغربية كأنّها "البيئة الحاضنة" للنظام السابق.
اليوم، حين يُقال لضيف على الهواء إنّ كلامه "يرجعكم 20 سنة إلى الوراء" لمجرّد استخدامه كلمة من لهجته، فإنّ الرسالة المضمرة تتجاوز الشخص إلى محيطه: أنتم، باعتباركم أبناء تلك المنطقة، عليكم أن تغيّروا طريقة كلامكم كي تثبتوا أنّكم انفصلتم عن إرث الدكتاتورية. وكأنّ المطلوب من أهل الغربية أن يتبرّؤوا ليس فقط من قرارات النظام السابق، بل من مفرداتهم أيضًا، وأن يُعيدوا تشكيل نطقهم على أساس معيار يقرّره "المركز".
المشهد لا يختلف كثيرًا عن طريقة التعامل السابقة مع لهجة الجنوب، حين اعتُبرت مفردة "جا" علامة على "ريفية" أو "بساطة" ينبغي التخفّف منها في المجال الرسمي. كثير من الجنوبيين، خصوصًا ممّن صعدوا في الوظائف أو ظهروا على الشاشات، وجدوا أنفسهم في لحظة ما يخفون "جا" و"ها خويّي" تحت طبقة مصطنعة من لهجة أكثر قربًا إلى بغداد، كأنّ الترقي الاجتماعي يستلزم محو آثار ضفاف الأهوار وشوارع البصرة والناصرية من الكلام.
في الحالتين، يظهر جوهر المشكلة: بدل أن تكون معركة ما بعد 2003 مع الاستبداد بوصفه بنية سياسية وأمنية واقتصادية، جرى، عن قصد أو عن غير قصد، نقل النزاع إلى مستوى اللهجة والملامح والانتماء المناطقي. والنتيجة أنّ كثيرين من أبناء المناطق التي خرج منها ضبّاط أو مسؤولون في النظام السابق صاروا في موقع الدفاع الدائم عن أنفسهم، وكأنّهم متّهمون بحكم الجغرافيا، لا بحكم الفعل.
محلّلون "برعاية" سياسية وخطاب بلا كوابح
ما زاد من حدّة الجدل أنّ الشخص الذي أطلق عبارة "نرجعكم 20 سنة للوراء" لم يكن مواطنًا عاديًا في مقهى، بل محلّلًا سياسيًا معروفًا، له صلته بجهات سياسية نافذة. هذه الفئة من الضيوف لا تتكلّم فقط باسم نفسها؛ هي جزء من ماكينة أوسع يتقاطع فيها الإعلام بالمال وبالنفوذ الحزبي. وحين يخطئ أحدهم، لا تُقرأ زلّته على أنّها انفعال فردي، بل تُحمَّل، في وعي الجمهور، على الجهة التي تقف خلفه أو تفتح له الشاشات.
هذا ما يلتقطه عضو مركز التنمية، عدنان عبد الله التميمي، في قراءته للحادثة. يقول التميمي في حديثه لـ"بغداد اليوم" إنّ "ما أثاره أحد المحللين المقرّبين من قوى سياسية معروفة في المشهد العراقي، وانتقاده لضيف استخدم مفردة لغوية تميّز جغرافيا عراقية تضم مئات الآلاف من المواطنين، أمر غير مبرّر ويعكس خطأ في طريقة التعامل مع مفردات تشكّل عناوين لمناطق واسعة من البلاد".
ويضيف أنّ "هذه اللهجات محترمة، وليست وليدة اللحظة، بل هي امتداد لمئات السنين، وجميع المناطق تمتلك لهجاتها وتقاليدها التي هي نتاج تراكمات اجتماعية راسخة في الذاكرة"، مشدّدًا على أنّه "لا يحقّ لأي محلّل أن يربط هذه المفردات بسياقات مسيئة أو يحمّلها دلالات لا تمتّ للواقع بصلة".
التميمي يلفت أيضًا إلى زاوية مهنية وأخلاقية غائبة عن كثير من البرامج، معتبرًا أنّ "الأجدر بهذا المحلّل أن يتعامل بمرونة، لا أن يثير إشكالية تحوّلت إلى مصدر غضب شعبي واضح على منصّات التواصل الاجتماعي"، وأنّ "الأولى كان به أن يسلّط الضوء على معاناة الشعب العراقي بكلّ أطيافه، من نقص الخدمات والأزمة المالية والمحاصصة، بدلًا من افتعال قضايا جانبية". ويختتم بتحذير واضح: "بعض المحللين يسيئون لأنفسهم وللجهات التي يقتربون منها عبر إثارة الرأي العام بين فترة وأخرى"، داعيًا إلى "التعامل بمسؤولية مع الخطاب الإعلامي، لما قد يحمله من ارتدادات اجتماعية لا تُحمد عقباها".
وراء هذا التوصيف يقف سؤال أكبر عن موقع الدولة. فالفضاء الإعلامي العراقي شهد خلال السنوات الماضية تجاوزات لم تقف عند حدود اللهجات؛ كثير من الأصوات الإعلامية والسياسية وصلت إلى حدّ السخرية من رموز دينية أو التشكيك في قيادات عسكرية قاتلت الإرهاب، ولم تُقابَل غالبًا سوى بإجراءات شكلية: اعتذار سريع، إيقاف لبرنامج، أو بيان استنكار، ثم عودة إلى الحياة العادية. هذا النمط يكرّس انطباعًا بأنّ بعض المتحدّثين فوق المساءلة، ما داموا محاطين بحماية سياسية أو طائفية، وبأنّ الخطوط الحمر في الخطاب العام يمكن التلاعب بها بحسب الظرف والمصلحة.
"العَجَل" و"الجا" كمؤشّرين على أزمة مواطنة لا أزمة مفردات
لو جرى تفكيك ما حدث خارج حرارة اللحظة، لاتّضح أنّ النقاش حول "العَجَل" الغربية و"الجا" الجنوبية ليس نقاشًا لغويًا بحتًا، بل تعبيرًا مكثّفًا عن أزمة أعمق تتعلّق بالمواطنة المتساوية. فحين يشعر ابن الغربية أنّ لهجته تُعامَل كظلّ لصوت صدام، وحين يشعر ابن الجنوب أنّ مفرداته موضع ترفّع من بعض أبناء المركز، يتكرّس في اللاوعي شعور بأنّ هناك "درجات" مختلفة من الانتماء، وأنّ بعض العراقيين مطالبون بإثبات "عراقيّتهم" أكثر من غيرهم.
في المقابل، ينظر جزء من النخبة الإعلامية والسياسية إلى "توحيد الخطاب" على أنّه شرط للاستقرار: لغة أكثر قربًا من نموذج رسميّ واحد، وإيقاع متقارب في الكلام، وترتيب غير مُعلن للهجات "المقبولة" وتلك التي يُفضَّل ألا تكثر على الهواء. هذه الفكرة، حتى لو لم تُصرَّح، تقود عمليًا إلى نوع من "المركزة اللغوية"، حيث تُصبح لهجة العاصمة (كما تُعرّف نفسها) معيارًا تُقاس عليه باقي اللهجات.
هنا يطرح كثير من الباحثين في قضايا اللغة والهوية سؤالًا معاكسًا: بدل السعي إلى "ترويض" لهجات الناس، لماذا لا يتمّ الاستثمار في هذا التنوع بوصفه مصدر قوّة؟ لهجة الغربية ليست تهديدًا لوحدة البلد، بل شاهدًا يوميًا على تداخل جغرافي بين الأنبار وصلاح الدين وبغداد. ولهجة الجنوب ليست عائقًا أمام الاحتراف الإعلامي، بل ذاكرة حيّة لبيئة قدّمت أجيالًا كاملة من المقاتلين والعمّال والموظّفين والفنّانين. تحويل هذه اللهجات إلى تهمة يعني عمليًا تجريد الناس من أبسط أشكال التعبير عن أنفسهم، وجعلهم أسرى لقالب واحد في الكلام، كما لو أنّ الطريق إلى "العصر الجديد" يمرّ عبر محو آثار الأمس من الحنجرة.
أيّ لغة نحتاج كي لا "نرجع 20 سنة للوراء" حقًا؟
المفارقة الأخيرة في هذه الحكاية أنّ العبارة التي قيلت بقصد التحذير من العودة إلى زمن صدام، تحوّلت هي نفسها إلى نموذج مُصغّر عن الأدوات التي استخدمتها الأنظمة الشمولية: ربط منطقة كاملة بخطاب واحد، ومعاقبتها رمزيًا كلّما حاول أحد أبنائها أن يتكلّم بطريقته. وإذا كان العراقيون لا يريدون فعلًا العودة إلى الوراء، فربما يكون أوّل ما ينبغي تركه خلفهم هو هذا النوع من الخطاب الذي يحاكم الناس على لهجاتهم بدل أفعالهم.
من هنا، تصبح المعركة الحقيقية ليست حول كلمة "عَجَل" أو "جا"، بل حول قواعد جديدة للخطاب الإعلامي والسياسي: قواعد تعترف بشرعية كلّ اللهجات، وتضع الحدود لا على النطق، بل على الإهانة والتحريض والوصم. المطلوب ليس "توحيد الكلام" بل "تنظيم المسؤولية"؛ أن يعرف كلّ من يجلس أمام الكاميرا أنّ جملة مثل "نرجعكم 20 سنة للوراء" قد تُفتح منها أبواب كثيرة للفتنة، وأنّ الدفاع عن كرامة الناس يبدأ من احترام طريقتهم في الكلام قبل أيّ شيء آخر.
عند هذه النقطة تحديدًا، يتقاطع مطلب العدالة اللغوية مع مطلب العدالة السياسية. فبلد يَسمح بأن تُهان لهجاته على الهواء لن يكون قادرًا، في المدى البعيد، على بناء شعور متماسك بالمواطنة المشتركة. والعراق الذي يريد الخروج من ظلال الماضي، يحتاج إلى لغة تُضمِّد الجراح بدل أن تعيد فتحها كلّما قال أحدهم، ببساطة، "عَجَل يابه" أو "جا خويّي" أمام الكاميرا.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم



