بغداد اليوم – بغداد
تتقاطع في اللحظة الراهنة ثلاثة مسارات متوتّرة فوق خريطة إيران: شارع يغلي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، وواشنطن تلوّح بالتدخّل إذا جرى استهداف المحتجّين، وطهران تحذّر من أنّ أي خطوة أمريكيّة غير محسوبة قد تفتح أبواب فوضى واسعة في الإقليم وتضرب المصالح الأمريكيّة قبل غيرها. وبين هذه الخطوط المتشابكة، يجد العراق نفسه عمليًّا على حافة مشهد قد يتحوّل إلى "زلزال سياسي – أمني" إذا تطوّرت الأزمة في الداخل الإيراني إلى ما هو أبعد من الاحتجاجات.
واشنطن ترفع سقف الخطاب وطهران تلوّح بكلفة إقليميّة
تصاعدت حدّة التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخّل في حال تعرّض المدنيّون أو المحتجّون في إيران للقتل خلال المواجهات الجارية، في خطاب قدّمه البيت الأبيض بوصفه دفاعًا عن "حقوق الإنسان"، لكنّه حمل في الوقت نفسه رسالة ضغط صلبة مفادها أنّ أي قمع واسع لن يمرّ من دون ثمن سياسي وربّما عسكري.
في المقابل، جاءت الردود الإيرانيّة شديدة اللهجة؛ مسؤولون سياسيّون وأمنيون حذّروا من أنّ التلويح بالتدخّل يمثّل "تجاوزًا لخط أحمر"، وأنّ أي خطوة أمريكيّة لن تبقى داخل حدود إيران، بل ستنعكس على المصالح والقواعد والقوّات المنتشرة في أكثر من بلد في المنطقة. بهذه اللغة، تحاول طهران أن تقول إنّ الضغط داخل حدودها لن يُقاس فقط بعدد المتظاهرين، بل بقدرتها على نقل جزء من الكلفة إلى المسرح الإقليمي حيث تمتلك أوراق نفوذ متعددة.
احتجاجات الداخل: أزمة اقتصاد وشرعيّة في آن واحد
في خلفية هذا الاشتباك الكلامي، تقف أزمة داخلية إيرانية عميقة؛ عملة تتهاوى، تضخّم مرتفع، وتراجع حاد في القدرة الشرائيّة يطال البازار والطبقة الوسطى وشرائح أوسع من المجتمع. الاحتجاجات الأخيرة ليست مجرّد تجمّعات احتجاجية متفرّقة، بل موجة تمتدّ إلى مدن عدّة، وتتغذّى من غلاء المعيشة، وتعطّل الأعمال، وغياب أفق واضح للإصلاح.
اللافت هذه المرّة أنّ الاحتجاجات تجمع بين بعد معيشي واضح وشعارات تمسّ بنية النظام نفسه؛ من الاعتراض على السياسات الاقتصاديّة إلى الهتاف ضدّ رموز السلطة. هذا التداخل بين الاقتصادي والسياسي يرفع منسوب الضغط على مؤسّسات الحكم، ويجعل أيّ معالجة "أمنيّة صافية" محفوفة بمخاطر متزايدة، لأنّها قد تدفع الشارع نحو مزيد من التطرّف بدل أن تُعيده إلى حالة الهدوء.
استثمار أمريكي في لحظة الاحتجاج لا انقلاب على النظام
في قراءة الباحث في الشؤون السياسيّة والاستراتيجيّة فراس إلياس، تبدو تصريحات ترامب أقلّ قربًا من "قرار حرب" وأكثر التصاقًا بسياسة استثمار اللحظة. فهو يرى أنّ واشنطن لا تنظر إلى النظام الإيراني الحالي بوصفه عبئًا مطلقًا يجب التخلص منه فورًا، بل كطرف يمكن الاستمرار في استثماره تفاوضيًّا ما دام البديل الداخلي غير واضح أو غير جاهز.
وفق هذا التصوّر، يتعامل البيت الأبيض مع الاحتجاجات كأداة ضغط إضافيّة للعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أقوى؛ كلّما ارتفع منسوب التوتّر في الشارع، ازدادت قدرة واشنطن على فرض معادلة "تنازلات نوويّة وإقليميّة مقابل تخفيف الخنق الاقتصادي". ولهذا، تبدو لغة ترامب عن "حماية المتظاهرين" أقرب إلى رسالة مشفّرة لطهران بأنّ تكلفة القمع لم تعد داخليّة فقط، بل قد تتحوّل إلى عبء دولي يلاحق النظام في كلّ ملف.
بين مخاوف التدويل وساحة الجغرافيا السياسيّة
من زاوية أخرى، يحذّر الباحث محمد صالح صدقيان من أنّ المشهد يتحرّك على أرضيّة قابلة للاشتعال بسرعة، وأنّ تصريح ترامب يضع الحكومة الإيرانيّة والشارع في اختبار مزدوج. الحكومة تخشى أن تتحوّل أي أعمال عنف إلى ذريعة جاهزة لتدخّل خارجي أو لعقوبات أوسع، فيما يخاف جزء من المجتمع من أن يُستغلّ غضبه المعيشي ليصبح أداة في لعبة أكبر لا يتحكّم في مساراتها.
الصحفي محمد جبار يذهب أبعد من ذلك في الربط بين الداخل والخارج؛ إذ يرى أنّ ما يجري في إيران يُدار اليوم كصراع على الجغرافيا السياسيّة أكثر منه صراعًا على الشارع وحده. واشنطن تحاول تدويل لحظة القمع المحتمل وتحويلها إلى "كلفة استراتيجيّة" على النظام، فيما تردّ طهران بمنطق "الربط الإقليمي" عبر التذكير بما تمسك به من أوراق في العراق وسوريا ولبنان واليمن. بذلك، لا تعود قرارات السلطات الإيرانيّة في التعامل مع المحتجّين شأنًا محليًّا صرفًا، بل جزءًا من معادلة ردع متبادلة مع القوى الدوليّة والاقليميّة.
الردّ الإيراني الرسمي: الأمن القومي خط أحمر لا يخضع لتغريدات
على المستوى الرسمي، جاء خطاب مستشار المرشد الأعلى للشؤون السياسيّة علي شمخاني ليؤطّر الموقف الأمني الإيراني. شمخاني شدّد على أنّ الأمن القومي الإيراني "خط أحمر" لا يمكن أن يكون مادّة لـ"تغريدات متهوّرة"، محذّرًا من أنّ أي يد تحاول الاقتراب من هذا الملف بذريعة حماية المتظاهرين "ستُقطع قبل أن تصل".
بالتوازي، حذّر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني الولايات المتحدة من مغبّة تحويل الاحتجاجات إلى منصّة لتدخّل مباشر، مشيرًا إلى أنّ تصريحات ترامب ومسؤولين إسرائيليّين "تكشف كواليس القصّة" كما وصفها، وأنّ طهران تميّز بين تجّار ومواطنين يحتجّون لأسباب اقتصاديّة مشروعة، وبين "عناصر تخريبيّة" تسعى إلى تدوير الغضب لصالح أجندات خارجيّة. الرسالة المضمرة هنا أنّ أي تصعيد أمريكي لن يمرّ من دون ثمن ملموس على الجنود والمصالح الأمريكيّة في المنطقة.
العراق على خطّ الزلزال المحتمل
وسط هذا الاشتباك بين واشنطن وطهران، يصبح السؤال في بغداد أكثر حساسيّة: ماذا لو تطوّرت الأزمة في إيران إلى سيناريو انهيار أو تغيير عميق في طبيعة النظام؟ الخبير في الشؤون الإقليميّة والاستراتيجيّة جاسم الغرابي يضع هذا السؤال في صلب قراءته للمشهد، ويتعامل مع احتمالات "ما بعد الاحتجاج" بوصفها عاملًا مباشرًا في مستقبل الاستقرار العراقي.
الغرابي يؤكّد، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، أنّ "التظاهرات الشعبيّة المتصاعدة داخل إيران تمثّل تحدّيًا غير مسبوق للنظام السياسي القائم، وقد تفتح الباب أمام تحوّلات داخليّة كبرى، سيكون للعراق نصيب وافر من تداعياتها في حال تطوّرت إلى أزمة بنيويّة أو تغيير جذري في طبيعة الحكم، والاحتجاجات الحاليّة في إيران تختلف عن سابقاتها من حيث اتّساع رقعتها الجغرافيّة، وتنوّع دوافعها، وعمق الأزمة الاقتصاديّة التي تغذّيها، ما يجعلها واحدة من أخطر الموجات الاحتجاجيّة التي تواجه النظام منذ قيامه عام 1979".
ويبيّن أنّ "الضغوط الاقتصاديّة الخانقة، وارتفاع معدّلات التضخّم، وتراجع القدرة الشرائيّة، إلى جانب السخط الشعبي على الأداء السياسي، كلّها عوامل تضع النظام الإيراني أمام اختبار حقيقي لقدراته على الاستمرار، خصوصًا إذا ما ترافقت الاحتجاجات مع انقسامات داخل مؤسّسات الدولة أو تراجع في تماسك الأجهزة الأمنيّة".
ويضيف أنّ "سقوط النظام الإيراني ليس سيناريو حتميًّا أو قريبًا بالضرورة، إلّا أنّه لم يعد احتمالًا نظريًّا بعيدًا كما كان في السابق، والنظام ما زال يمتلك أدوات قوّة كبيرة، لكنّه يواجه في الوقت ذاته أزمة ثقة داخليّة غير مسبوقة، وأخطر ما يمكن أن تواجهه طهران هو تحوّل الاحتجاجات من مطالب معيشيّة إلى مشروع سياسي واضح، أو حدوث شرخ داخل النخبة الحاكمة، وذلك قد ينقل الأزمة من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الانفجار".
وحول ارتدادات ذلك على العراق، يرى الغرابي أنّ "العراق سيكون من أكثر الدول تأثّرًا، نظرًا للتداخل السياسي والأمني والاقتصادي العميق بين البلدين، وضعف أو سقوط النظام الإيراني قد يؤدّي إلى تراجع نفوذ طهران داخل العراق، ما يخلق فراغًا سياسيًّا وأمنيًّا قد تتحرّك لملئه أطراف داخليّة أو إقليميّة أخرى، كما يجب الحذر من أنّ هذا الفراغ، إن لم يُدار بحكمة، قد يتحوّل إلى عامل عدم استقرار".
ويشدّد على أنّ "الملف الأمني سيكون الأكثر حساسيّة، خصوصًا ما يتعلّق بسلوك الفصائل المسلّحة، وأمن الحدود، ومنع انتقال أي حالة فوضى أو تهريب سلاح أو عناصر عبر الشريط الحدودي المشترك، كما أنّ العلاقات الاقتصاديّة بين العراق وإيران، لا سيّما في مجالات الطاقة والتجارة، ستتأثّر بأي اضطراب كبير داخل إيران، والعراق قد يواجه تحدّيات في سلاسل التوريد والطاقة إذا لم يضع بدائل وخطط طوارئ مسبقة".
ويختم الغرابي بأنّ "المرحلة المقبلة تتطلّب من العراق تعزيز سيادته السياسيّة، وتحقيق قدر أعلى من الاستقلال في قراره الداخلي، كما يجب رفع الجاهزيّة الأمنيّة على الحدود والمناطق الحسّاسة، وتنويع الشراكات الاقتصاديّة وتقليل الاعتماد على طرف واحد، وإدارة حوار وطني داخلي يمنع استثمار التطوّرات الإقليميّة في تأجيج الانقسام، إضافة إلى اتّباع سياسة خارجيّة متوازنة تقوم على مصلحة العراق أوّلًا".
سيناريوهات مفتوحة ومهامّ عاجلة لبغداد
إذا استمرّت الاحتجاجات في إيران ضمن سقف "الضغط المعيشي" واستطاع النظام امتصاصها عبر حزم اقتصاديّة أو إصلاحات جزئيّة، فإنّ كلفتها على العراق ستبقى في حدود الارتباك الاقتصادي وبعض التوتّر السياسي. أمّا إذا تحوّلت إلى مسار تغييري حقيقي، أو جرى دمجها بتدخّل خارجي مباشر، فإنّ المنطقة كلّها ستكون أمام إعادة رسم لعلاقات النفوذ والتحالفات، وسيكون العراق أحد أكثر الساحات تأثّرًا بما يجري شرق الحدود.
في هذه الصورة، لا يملك العراق ترف الانتظار؛ ملف الطاقة مع إيران بحاجة إلى بدائل تدريجيّة، حدود تمتدّ لمئات الكيلومترات تحتاج إلى ضبط أشدّ، وفصائل مسلّحة ذات صلات وثيقة بطهران قد تجد نفسها أمام اختبار تعريف جديد لدورها ومصادر قوّتها. وكلّما تأخّر بناء سياسة عراقيّة مستقلة وواضحة تجاه هذه الاحتمالات، زادت فرص تحوّل التطوّرات في إيران من عامل قلق خارجي إلى مصدر هزّة داخليّة عميقة.
تقرير: محرّر قسم الشؤون السياسيّة في "بغداد اليوم"
بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية