اقتصاد / ملفات خاصة 25-12-2025, 11:30 | --
+A -A


عقود طويلة وأجور ثابتة.. كيف تقلّص جولات التراخيص العائد الصافي للبرميل العراقي؟

بغداد اليوم – بغداد

يصدّر العراق سنويًا ما يقارب 1.2 مليار برميل من النفط الخام، رقم يكفي نظريًا لوضع المالية العامة في وضع مريح لو ذهبت عائداته مباشرة إلى الموازنة والتنمية. لكنّ الخبير النفطي أحمد عسكر يلفت إلى مفارقة جوهرية: نسبة غير قليلة من هذه العائدات لا تصل فعلًا إلى الإنفاق التنموي، بل تُستنزف في تغطية مصاريف وكلف شركات جولات التراخيص، بينما يدخل الجزء المتبقي فقط إلى خزينة الدولة على شكل إيرادات صافية.

يقول عسكر في حديثه لـ"بغداد اليوم" إنّ عقود جولات التراخيص، التي وُقّعت في ظروف سياسية وأمنية واقتصادية استثنائية بعد 2003، مثّلت حلًا سريعًا لزيادة الإنتاج، لكنها مع مرور الوقت تحوّلت إلى "قيد ثقيل على السيادة الاقتصادية والقرار النفطي العراقي"، بسبب ارتفاع كلف التشغيل ورسوم الخدمة الثابتة والالتزامات الطويلة الأمد التي تقلّل من مرونة الدولة في إدارة ثروتها الهيدروكربونية.

هذا النقاش يعيد فتح ملف جوهري: كيف صُمّمت جولات التراخيص أصلًا؟ ومن يستفيد أكثر من كل برميل يخرج من الحقول العراقية، الدولة أم الشركات المتعاقدة؟


كيف تعمل جولات التراخيص في العراق؟

جولات التراخيص التي أطلقتها وزارة النفط منذ 2009 اعتمدت بصورة رئيسية على نموذج "عقود الخدمة الفنية" طويلة الأمد. في هذا النموذج تبقى ملكية النفط والغاز بالكامل للدولة، فيما تتولى شركة أجنبية أو ائتلاف شركات تمويل تطوير الحقل وتشغيله، مقابل استرداد التكاليف مع أجر ثابت أو شبه ثابت عن كل برميل إضافي يتم إنتاجه فوق خط أساس محدد. 

في الجولات الأولى والثانية، شملت العقود حقولًا عملاقة مثل الرميلة وغرب القرنة 1 والزبير ومجنون وغيرها، بعقود خدمة تمتد غالبًا لـ20 سنة أو أكثر، مع أهداف إنتاجية طموحة جدًا. لاحقًا، ومع الجولات الخامسة والسادسة، انتقل العراق تدريجيًا إلى نماذج هجينة أقرب إلى "عقود الاستكشاف والتطوير والإنتاج" تتضمن تقاسمًا للأرباح بدل الأجر الثابت فقط، خصوصًا في البلوكات الغازية والحدودية، في محاولة لجعل العقود أكثر جاذبية للمستثمرين بعد شكاوى من ارتفاع المخاطر وضعف هامش الربحية في النموذج القديم. 

من الناحية القانونية، تبقى هذه العقود كلها في إطار "الخدمة" وليس "الامتياز"، لكنّ طريقة توزيع العائد بين الدولة والشركات تختلف بين جولة وأخرى، وبين حقل وآخر، ما خلق مروحة واسعة من الترتيبات المالية يصعب أحيانًا تبسيطها في رقم واحد.


من يستفيد من البرميل؟ الدولة ام الشركات؟

جوهر نقد أحمد عسكر ينطلق من سؤال بسيط اقتصاديًا: كم يبقى للعراق من كل برميل بعد دفع استحقاقات الشركات؟

في عقود الخدمة الفنية التقليدية، تحصل الشركات على:

-استرداد تكاليف الاستثمار والتشغيل من نسبة محددة من الإيراد الإجمالي للحقل.
-أجر خدمة" عن كل برميل إضافي يتم إنتاجه، يُحتسب عادة بالدولار للبرميل، بغضّ النظر عن سعر السوق العالمي، ثم يُدفع نقدًا أو عينيًا (نفطًا).

هذا التصميم يعني عمليًا أنّ الشركات تؤمّن تمويلًا وخبرة تقنية مقابل دخل شبه مضمون طالما أنّ الحقل ينتج، بينما تتحمّل الدولة الجزء الأكبر من مخاطر تقلب الأسعار، لأنّ العائد الصافي للموازنة يرتفع أو ينخفض مع سعر البرميل بعد تثبيت حصة الشركات.

دراسات أكاديمية عراقية انتقدت هذا النموذج مبكرًا، وأشارت إلى أنّ العمل بعقود التراخيص "يقلّل من الأرباح الصافية المتاحة للحكومة عبر رفع كلفة إنتاج البرميل"، وأنّ العراق كان يمتلك، نظريًا، كوادر فنية قادرة على تشغيل قسم من هذه الحقول لو توفّر لها الدعم والصلاحيات، أو على الأقل التفاوض على عقود أقصر زمنًا وأكثر مرونة. 

لهذا يقول عسكر إنّ العراق، رغم كونه من أكبر المنتجين والمصدّرين في العالم، "لا يزال يعاني من ضعف العائد الصافي للبرميل الواحد مقارنة بدول نفطية أخرى"، بسبب طبيعة العقود التي "تضمن أرباحًا شبه مضمونة للشركات الأجنبية، بغضّ النظر عن تقلبات الأسعار أو الأوضاع المالية للدول".


مثال مبسّط على استنزاف العائد التنموي

إذا افترضنا، على سبيل المثال التقريبي، أنّ العراق يصدّر 1.2 مليار برميل سنويًا بسعر متوسط قدره 75 دولارًا للبرميل، فإنّ الإيراد الإجمالي يكون بحدود 90 مليار دولار في السنة. إذا كانت كلف التطوير والتشغيل ورسوم الخدمة تمثّل مثلًا 10 دولارات من هذا البرميل، فإنّ ما يذهب إلى الشركات يقترب من 12 مليار دولار، فيما يبقى نظريًا قرابة 78 مليار دولار للدولة قبل احتساب كلف أخرى وخصومات الإنتاج والنقل.

هذا المثال ليس رقمًا رسميًا، لكنه يوضح الفكرة التي يشير إليها عسكر: جزء معتبر من الإيراد الإجمالي لا يظهر في بند "الإيرادات النفطية الصافية" في الموازنة، لأنّه يُستقطع مسبقًا لتسوية كلف الشركات وأجورها. ومع اتساع عدد الحقول المتعاقد عليها، وطول أمد العقود، يصبح مجموع هذه الاستقطاعات رقمًا مؤثرًا في قدرة الدولة على تمويل الاستثمار والتنمية.


من حلّ سريع إلى قيد طويل الأمد

يرى عسكر أنّ جولات التراخيص "وُلدت كحلّ سريع لرفع الإنتاج" في وقت كان العراق بحاجة إلى استثمار ضخم وخبرة أجنبية في بيئة أمنية وسياسية صعبة، لكنّها بمرور الوقت "تحوّلت إلى قيد ثقيل على السيادة الاقتصادية والقرار النفطي".

تتوافق هذه القراءة مع مسار السنوات الماضية؛ فمع كل مراجعة للموازنة أو نقاش حول كلف الإنتاج، يعود النقاش إلى نقطتين:

-ارتفاع كلف التشغيل والمشاريع المرتبطة بالشركات المتعاقدة، وما يتصل بها من مصاريف خدمية واستشارية ولوجستية.
-طول أمد الالتزامات التعاقدية، ما يقلّل من قدرة الحكومة على إعادة توزيع الاستثمار بين الحقول أو إدخال شركاء جدد بشروط مختلفة، إلّا عبر إعادة تفاوض شاقة ومعقّدة. 

التحوّل الأخير نحو نماذج تقاسم الأرباح في بعض عقود الجولات الخامسة والسادسة، خاصة في الغاز، يعكس اعترافًا ضمنيًا بأنّ النموذج القديم لم يعد جذابًا بما يكفي للشركات، وفي الوقت نفسه لم يعد مريحًا ماليًا للدولة. لكنّ هذا التحوّل نفسه يفتح نقاشًا جديدًا عن كيفية توزيع الربح، وعن مخاطر تزايد نفوذ شركات بعينها، خصوصًا مع هيمنة شركات صينية وإقليمية على معظم العقود الجديدة، وغياب الشركات الغربية الكبرى تقريبًا عن المشهد. 


الأثر على الموازنة والتنمية

حين يقول عسكر إنّ "استمرار العمل بجولات التراخيص بالشكل الحالي يعني بقاء العراق مقيدًا ماليًا وفنيًا لسنوات قادمة"، فإنّه يربط مباشرة بين هندسة العقود وبين شكل الموازنة العامة.

في موازنة تعتمد أساسًا على النفط لتغطية الرواتب والدعم والتحويلات، تصبح كل زيادة في كلف الإنتاج أو في أرباح الشركات خصمًا مباشرًا من المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري. وهذا يتقاطع مع تحذيرات سابقة من مؤسسات دولية أشارت إلى أنّ السعر اللازم لمعادلة الموازنة في العراق ارتفع في السنوات الأخيرة إلى مستويات تقارب 80 دولارًا للبرميل أو أكثر، نتيجة تضخم الإنفاق الجاري وبطء الإصلاحات، ما يعني أنّ أي تراجع في الأسعار يترجم سريعًا إلى عجز مالي.

بهذا المعنى، يصبح ملف جولات التراخيص جزءًا من صورة أوسع: اقتصاد يعتمد على مورد واحد، وعقود طويلة الأمد تُثقل كلفة كل برميل، وموازنة تستهلك معظم ما يدخلها على الإنفاق الجاري، فتتقلص حصة الاستثمار في البنى التحتية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة.


ما الذي يمكن فعله مع العقود القائمة؟

عسكر يميّز بين "التعاون مع الشركات العالمية" بوصفه خيارًا منطقيًا لأي بلد نفطي، وبين "نموذج التعاقد" الذي لم يعد ملائمًا لمرحلة يمتلك فيها العراق خبرة فنية وطنية أوسع وقدرات تشغيلية أفضل.

السيناريو الواقعي، كما يرى عدد من الخبراء، لا يقوم على إلغاء فجائي للعقود، بل على مسار متدرج يشمل:

-إعادة تفاوض منظمة على بعض بنود الكلف وأجور الخدمة في الحقول الكبرى، بما يراعي تغيّر أسعار النفط والظروف المالية.

-تقصير أمد بعض الالتزامات أو تعديل أهداف الإنتاج بما ينسجم مع حصص "أوبك+" وقدرة البنى التحتية على الاستيعاب، بدل بناء العقود على سقوف إنتاجية غير واقعية.

-التمييز بوضوح بين الحقول الاستراتيجية التي تحتاج إلى وجود شركات عملاقة طويل الأمد، والحقول التي يمكن أن تتولاها شركات وطنية أو شراكات محلية – أجنبية أكثر توازنًا.

-ربط أي جولة تراخيص جديدة بسياسة غاز واضحة، تمنع تكرار أخطاء الماضي في ترك الغاز المصاحب يحترق أو الاعتماد على الاستيراد لتشغيل محطات الكهرباء. 

جوهر الفكرة هنا هو "إعادة توازن" لا قطيعة؛ أي الحفاظ على الاستثمار الأجنبي والخبرة العالمية، لكن ضمن شروط أكثر انسجامًا مع مصلحة المالية العامة، ومع هدف تحويل جزء أكبر من الإيراد إلى مشاريع تنموية ملموسة.


من ملف نفطي إلى أولوية وطنية

يختم أحمد عسكر بالقول إنّ "النفط ما زال يمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، وأن إصلاح ملف جولات التراخيص لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وطنية لحماية الموارد وتعظيم الفائدة منها بما يخدم التنمية والاستقرار الاقتصادي".

عمليًا، هذا يعني أنّ النقاش حول جولات التراخيص لم يعد نقاشًا تقنيًا بين وزارة النفط والشركات، بل جزءًا من نقاش أكبر حول نموذج الاقتصاد العراقي: هل يبقى اقتصادًا يعيش على برميل نفط تتقاسمه الموازنة والشركات والديون، أم يتحول تدريجيًا إلى اقتصاد يستخدم هذا البرميل نقطة انطلاق لبناء قاعدة إنتاجية أوسع، ومالية عامة أكثر مرونة، واستقرار أقل هشاشة أمام صدمات السوق؟

هذا السؤال، في النهاية، لا تجيب عنه النصوص التعاقدية وحدها، بل تجيب عنه الخيارات التي ستتخذها الحكومات المقبلة في التفاوض، وفي إدارة موارد 1.2 مليار برميل تصدير سنويًا: كم منها يذهب إلى دفاتر الشركات، وكم يعود فعلًا إلى المدارس والمستشفيات والطرق وفرص العمل داخل العراق.

تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

بابل تعلن الحداد ثلاثة أيام على أرواح شهداء العراق وأبناء المحافظة

بغداد اليوم - أعلن محافظ بابل، الحقوقي علي تركي الچمالي، الحـ،،ـداد العام في المحافظة لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من اليوم، وذلك على أرواح شـ،،ـهداء العراق ومحافظة بابل.

اليوم, 12:34