بغداد اليوم – بغداد
في أحدث قراءة لتقرير البنك الدولي لعام 2025، يقدّم الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي صورة مختلفة تمامًا عن "ثروة العراق". فالمورد الأهم، بحسب التقرير، ليس النفط ولا الفوائض المالية العابرة، بل "شعبه وطبقته الشابة". غير أنّ هذه الثروة، كما يعلّق الهاشمي، تُدار اليوم بأقل قدر من الرؤية وبأعلى قدر من الهدر، إلى درجة جعلت العراق واحدًا من أكثر البلدان هشاشة في بناء رأس المال البشري رغم حجم موارده المالية.
يرى تقرير البنك الدولي، كما ينقل الهاشمي، أنّ عقود الصراعات السياسية والظروف المتقلبة وسوء الإدارة الحكومية عطّلت بناء رأس المال البشري، وقلّصت بالتالي فرص النمو الاقتصادي. ويشير التقرير إلى أنّ طبقة الشباب العراقي خسرت خلال السنوات الماضية "عشرات المليارات من الدولارات" التي كان يمكن أن تتحقق كدخل صاف لهذه الفئة لو توفرت بيئة تعليم جيد، ونظام صحي فعّال، وسوق عمل منتج. بعبارة أخرى، لم يخسر العراق فقط أموالًا محتملة، بل أضاع أيضًا فرصة تراكم خبرات ومهارات كان يمكن أن تغيّر مسار اقتصاده.
الهشاشة، كما يصفها الهاشمي استنادًا إلى التقرير، ليست تفصيلًا في قطاع واحد. فالعراق، وفق هذه القراءة، من أكثر الدول هشاشة في التعليم والتدريب والصحة والامن الغذائي، مع فجوات واسعة في كل مراحل العمر؛ من الطفولة المبكرة، مرورًا بسنوات الدراسة والعمل، وصولًا إلى الشيخوخة. طفل يدخل المدرسة من دون تغذية كافية أو تعليم مبكر منظّم، ثم طالب يتلقّى خدمة تعليمية متدهورة في مدارس وجامعات مزدحمة، ثم شاب يواجه بطالة عالية أو وظائف منخفضة الإنتاجية، ثم عامل يتقدّم في العمر بلا نظام تقاعد وحماية صحية راسخ… سلسلة كاملة من الفجوات المتتابعة، تنتهي بمجتمع أقل إنتاجية وأكثر هشاشة وأقل قدرة على الصمود.
على الورق، الصورة مختلفة. يشير الهاشمي إلى وجود خطط وطنية مثل "الخطة الوطنية للتنمية 2023–2027"، لكنّه يلفت إلى أنّ التنفيذ يصطدم كل مرة بـ "عدم وجود إصلاحات مستمرة، وسوء الادارة، وغياب الحوكمة الفعالة، وعدم توفر تمويل كاف للتنفيذ". الخطط تُكتب، لكن المؤسسات التي يُفترض أن تحوّلها إلى برامج وسياسات وأرقام على الأرض تبقى أسيرة البيروقراطية والتجاذبات السياسية وتغيير الأولويات مع كل حكومة جديدة.
في هذا السياق، يضع الهاشمي إصبعه على جوهر المشكلة: ضعف المؤسسات الحكومية وعدم قدرتها على تحويل الاستراتيجيات إلى نتائج حقيقية يبقى التحدي الأكبر أمام أي مشروع جدي لاستثمار رأس المال البشري. فالمؤسسات التي تُدار بمنطق المحاصصة والترضيات، بدل الكفاءة والمساءلة، تميل إلى إنتاج شبكات وظائف ريعية أكثر مما تنتج برامج تعليم وتدريب وصحة ذات جدوى. والنتيجة اقتصاد يعتمد أكثر فأكثر على التعيين الحكومي واستيعاب الشباب في وظائف منخفضة الانتاجية، بدل ضخهم في قطاع خاص قادر على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة.
مع ذلك، لا يتعامل الهاشمي مع الملف بوصفه حالة ميؤوسًا منها، بل كفرصة لا تزال قائمة إذا ما تم التعامل معها كأولوية وطنية. فهو يؤكد أنّه "لا فرصة أمام العراق إلا بتطوير رأس المال البشري والاستثمار بالطبقة الشابة"، عبر مسار متكامل يشمل تحسين التعليم، وتعزيز النظام الصحي، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص ليخلق فرص عمل حقيقية للشباب، مقرونة بالتدريب ورفع القدرات والخبرات. من دون ذلك، ستظل الأجيال الجديدة تدور في الحلقة ذاتها: دراسة لا تُترجم إلى مهارة، ثم بحث طويل عن وظيفة حكومية، أو عمل في مجالات لا تتناسب مع المؤهلات.
الهاشمي يذكّر أيضًا بأنّ "الاستثمار في الانسان هو الطريق الأهم نحو نمو اقتصادي مستدام وازدهار طويل الأمد"، وأنّ الاستثمار في رأس المال البشري "ليس رفاهية، بل هو شرط البقاء والنهضة". فالدول التي بنت لنفسها مكانة اقتصادية متماسكة لم تفعل ذلك عبر الموارد الطبيعية فقط، بل عبر تكوين طبقة واسعة من الكفاءات المدربة والمتمكنة، قادرة على الابتكار والتكيّف والصمود أمام الصدمات. "فالدولة صاحبة رأس المال البشري المدرب والمتمكن"، كما يقول، "تكون غالبًا دولة متماسكة اقتصاديًا، ولديها القدرة على الصمود أمام الازمات، والمسير بثقة نحو التحضر والتقدم".
في النهاية، يربط الهاشمي كل هذه الملاحظات بسؤال سياسي مباشر وإن جاء بصيغة اقتصادية هادئة: هل ستتجه الحكومة القادمة إلى خطوات واضحة وملموسة للاستثمار في رأس المال البشري العراقي، أم سيستمر التردي وتلتحق بسابقاتها من الحكومات التي أهملت هذا الملف وتركت الشباب عالقين بين انتظار التعيين الحكومي أو الانجرار إلى أعمال غير مناسبة؟ بين تقرير دولي يرفع الصوت وتحذيرات خبراء محليين، يبدو المستقبل الاقتصادي للعراق معلقًا على إجابة عملية عن هذا السؤال، لا على مزيد من الخطب والبرامج غير المنفذة.
المصدر: بغداد اليوم+ موقع أكس
بغداد اليوم - بغداد كشف مركز العراق لحقوق الإنسان، اليوم السبت ( 11 نيسان 2026 )، أن حوض نهر دجلة يتعرض لـ"أخطر كارثة بيئية" في العصر الحديث، داعيًا إلى اتخاذ حزمة من أربعة إجراءات فورية، مع توجيه رسالة مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء محمد شياع