بغداد اليوم – بغداد
لم تعد مسألة تشكيل الحكومة في العراق شأناً داخلياً يمكن عزله عن محيطه، ولا عملية تفاوض بين كتل سياسية محصورة داخل بغداد، بقدر ما باتت، منذ سنوات، نقطة تقاطع بين حسابات قوى إقليمية ترى في العراق مجالاً أمنياً واقتصادياً حيوياً، وقوى دولية تنظر إلى بغداد بوصفها ساحة توازن مع طهران وممراً للطاقة والاستثمار. ومع اقتراب لحظة الحسم في ملف الحكومة المقبلة بعد انتخابات تشرين 2025، تتجه الأنظار إلى سؤال مزدوج: من الذي يرضى عن موقع العراق الإقليمي الحالي ومن الذي يشعر بالقلق أو الغضب منه، وكيف ينعكس ذلك عملياً على اسم رئيس الوزراء وشكل الائتلاف الحاكم وبرنامجه السياسي والاقتصادي في السنوات الأربع المقبلة؟
على مستوى الخطاب الرسمي، يقدّم العراق نفسه في السنوات الأخيرة كدولة تحاول اعتماد سياسة خارجية متوازنة، لا تنحاز بشكل كامل إلى محور ضد آخر، وتطرح بغداد نفسها كجسر حوار بين خصوم كبار، من استضافة جلسات التهدئة الإيرانية – السعودية في السابق، إلى محاولة تخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، مع الحفاظ على علاقات عمل مع تركيا ودول الخليج وإيران في آن واحد. هذا النهج رصدته مراكز أبحاث دولية باعتباره "مشيًا على حبل مشدود" في إقليم يشهد تحولات عنيفة في ميزان القوى، مع تحذير من أن أي ميل حادّ باتجاه محور واحد سيجعل العراق عرضة لردود فعل متسلسلة من الأطراف الأخرى.
في المقابل، تواصل إيران النظر إلى العراق بوصفه عمقاً استراتيجياً وساحة نفوذ رئيسية، ليس فقط من خلال العلاقات السياسية، بل عبر الفصائل المسلّحة المنضوية في هيئة الحشد الشعبي وجزء من القوى الشيعية الحاكمة، وباعتباره شرياناً اقتصادياً مهماً في ظل العقوبات. وفي الجهة الأخرى، تتعامل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع العراق كدولة مفصلية لأمن الطاقة وممر الغاز وربط الشبكات الكهربائية والاستثمارات، لكن بشروط تتعلّق بضبط سلاح الفصائل وتقليص هامش النفوذ الإيراني، وهو ما انعكس في ربط جزء من برامج التعاون الأمني والمالي مع بغداد بمستوى سيطرة الحكومة على الجماعات المسلّحة المتحالفة مع طهران.
جزء من الرضا الإقليمي عن العراق الحالي يأتي من مسار الانفتاح المتزايد مع دول الخليج، ولا سيّما السعودية والإمارات، سواء على مستوى مشاريع الربط الكهربائي، أو الاستثمارات في قطاعات الطاقة والزراعة والخدمات، أو على مستوى الحضور السياسي والزيارات المتبادلة. تقارير بحثية تتحدث عن انتقال العلاقة الخليجية – العراقية من مرحلة الشكّ والحذر إلى نمط "الانخراط البراغماتي"، حيث تحاول الرياض وأبوظبي تثبيت نفوذ اقتصادي ناعم في العراق، مقابل أن يحافظ الأخير على مسافة محسوبة من المحور الإيراني، من دون الدخول في مواجهة معه.
في الوقت نفسه، يظهر رضا واضح من جانب واشنطن عن استمرار الشراكة الأمنية والاقتصادية مع بغداد، رغم الخلافات حول دور الفصائل. افتتاح قنصلية أميركية عملاقة في أربيل خلال الأيام الماضية، بوصفها أكبر قنصلية أميركية في العالم، حمل رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة تنوي تكريس وجود طويل الأمد في العراق، ولو بطابع مدني – دبلوماسي وأمني مخفّف، مع التركيز على إقليم كردستان كنقطة ارتكاز إضافية. هذا المسار يُقرأ في سياق رغبة غربية عامة في التعامل مع بغداد كشريك "ممكن التعويل عليه" إذا نجحت الحكومة المقبلة في ضبط إيقاع الفصائل وتقديم إشارات جدية في ملفات الطاقة والاستثمار والإصلاح الاقتصادي.
بالنسبة لتركيا، التي ارتفعت مكانة العراق في استراتيجيتها بعد 7 تشرين وما رافقه من تغيّر في أوزان اللاعبين الإقليميين، باتت بغداد جزءاً من مشروع أوسع يتربط بالممرات البرية والطاقة والتجارة، مع استمرار ملف حزب العمال الكردستاني كأولوية أمنية أنقرة لا تتردد في ملاحقته عسكرياً داخل الأراضي العراقية. دراسات تركّز على أن أنقرة تنظر إلى الانتخابات العراقية وتشكيل الحكومة المقبلة من زاوية قدرتها على ضمان شريك في بغداد مستعدّ لتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني، وتثبيت التفاهمات حول الممرات التجارية ومسارات تصدير النفط والغاز.
في الضفة الأخرى، هناك دوائر مؤثرة في واشنطن تنظر بقلق إلى استمرار نفوذ الفصائل المسلّحة الحليفة لإيران، وترى أن أي حكومة عراقية لا تضع ملف "حصر السلاح" في مركز برنامجها ستواجه صعوبات في الحصول على دعم كامل، سواء في ملفات التسليح أو التعاون الاستخباري أو التسهيلات المالية. ينص مشروع قانون الدفاع الأميركي لعام 2026 على ربط جزء من التمويل المخصّص للتعاون الأمني مع العراق بإثبات أن رئيس الوزراء يمارس سلطة حقيقية على القوى المسلحة، وأنّ الحكومة تتحرك باتجاه محاسبة الجهات التي تستهدف القوات أو المصالح الأميركية.
من جهة أخرى، تمرّ العلاقة مع إيران بمرحلة حسّاسة؛ طهران ترى أن أي تحوّل في ميزان القوى داخل البرلمان أو الحكومة يمكن أن ينعكس مباشرة على مستقبل الحشد الشعبي وملف الوجود الأميركي ومستوى التعاون الاقتصادي، في وقت تواجه فيه ضغوطاً متزايدة على شبكتها الإقليمية. تقارير متعدّدة تشير إلى أن إيران تعتبر العراق "عمقاً استراتيجياً" ومتنفساً اقتصادياً أساسياً، وأنها استخدمت بعض فصائل الحشد سابقاً في استهداف مصالح غربية وإسرائيلية، ما يجعلها حريصة على ألا تنتج الانتخابات العراقية حكومة تنزاح كثيراً باتجاه واشنطن أو العواصم الخليجية على حسابها.
الملف الأخير المتعلق بإدراج "حزب الله" اللبناني و"أنصار الله" الحوثيين على قوائم تجميد الأموال، ثم التراجع عن ذلك بعد نشر القرار في الوقائع العراقية، كشف حجم هشاشة التوازن الذي تحاول بغداد الحفاظ عليه؛ فالإجراء الأول قرأته عواصم غربية بوصفه إشارة إيجابية في سياق ضبط تمويل الجماعات المصنّفة إرهابية، بينما مثّل التراجع عنه استجابة لضغط قوى سياسية متحالفة مع طهران في الداخل، وأعاد تذكير الجميع بأن أي حكومة جديدة ستضطر إلى إدارة معادلة شديدة التعقيد بين متطلبات "الرضا الأميركي" وحدود ما يمكن قبوله في المحور الإيراني.
الصورة العامة للعراق في الإقليم تكشف عن تعدّد مستويات التعامل معه: دول تتعامل معه كشريك اقتصادي وتبحث عن مشاريع طويلة الأمد، دول ترى فيه مجال نفوذ أمني يجب ألا يخرج من تحت سيطرتها، وأطراف تستخدمه كساحة لتصفية حسابات مع خصوم إقليميين أو دوليين. تعطيل معاهدة الاستثمار مع السعودية قبل أشهر عبر إفشال جلسة التصويت في البرلمان، بعد ضغوط مارستها قوى مرتبطة بمحور إيران، مثّل مثالاً واضحاً على كيف يمكن أن تُقدَّم حسابات محور إقليمي على مصلحة جذب استثمار استراتيجي كان يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العراقي.
في المقابل، لا يمكن تبرئة القوى الدولية من منطق "المصلحة أولاً"؛ فالولايات المتحدة، التي تضغط لتقييد نفوذ الفصائل، لا تخفي أن جزءاً من اهتمامها بالعراق مرتبط بأمن الطاقة والغاز وخطوط الإمداد، وباعتبار العراق نقطة توازن في صراعها الأوسع مع إيران، في حين تنظر دول أوروبية إلى بغداد بوصفها سوقاً واعدة للاستثمار في البنية التحتية والطاقة، لكنها تربط ذلك دائماً بملف الاستقرار السياسي وشفافية بيئة الأعمال.
وسط هذا كله، يجد العراق نفسه في وضع تتوزّع فيه مصادر الضغط بين أكثر من جهة: قوى إقليمية تريد منه أن لا يخرج من "محورها"، قوى أخرى تريد منه أن يبتعد عن هذا المحور، ومصالح اقتصادية متشابكة تجعل من أي قرار في السياسة الخارجية قراراً ذا كلفة داخلية.
في هذا السياق، تبدو عملية تشكيل الحكومة المقبلة امتداداً مباشراً لهذه الشبكة من الضغوط والتفاهمات. منذ 2003، كشفت تجارب تشكيل الحكومات المتعاقبة أن القرار لا يُصنع داخل الغرف المغلقة للكتل فقط، بل يتأثر بما يصدر عن السفارات والعواصم والمؤتمرات الإقليمية، وبما يجري من تفاهمات غير معلنة بين أطراف خارجية ووسطاء داخليين.
التصريحات التي أطلقها عضو الإطار التنسيقي عدي عبد الهادي، والتي اعترف فيها صراحة بأن "الضغط الخارجي والإقليمي" سيبقى حاضراً في مرحلة ما قبل اختيار رئيس الوزراء، تعكس انتقال الحديث عن التدخل الخارجي من خانة الإنكار إلى خانة الإقرار بأنه "جزء من قواعد اللعبة" لا يمكن تجاهله. هذا النمط يتطابق مع ما يصفه بعض الباحثين بـ"السيادة التفاوضية"، حيث لا تُلغى الإرادة الداخلية بالكامل، لكنها تُعاد صياغتها ضمن سقف ما هو مقبول إقليمياً ودولياً. في هذا الإطار، تتحوّل الانتخابات إلى خطوة ضرورية لكنها غير كافية؛ إذ يبقى اسم رئيس الوزراء وملامح الحكومة رهناً للتفاهم النهائي بين الداخل والخارج.
في ضوء هذا التعقيد، يقدّم تصريح رئيس مركز الرفد للدراسات الإستراتيجية، عباس الجبوري، مقاربة مختلفة للضغط الخارجي، إذ يحاول أن يضعه ضمن خانة "العامل الداعم" لا "الشرط الفارض". يقول الجبوري لـ"بغداد اليوم" إن "الرضا الإقليمي والدولي يلعب دوراً حاسماً في نجاح عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، مشيراً إلى أن البيئة السياسية الحالية في العراق لا يمكن فصلها عن محيطها الإقليمي ومتطلبات التوازن الدولي". ويبيّن أن "العراق اليوم يقف عند مفترق طرق مهم، فعملية تشكيل الحكومة لم تعد شأناً داخلياً صرفاً، بل ترتبط بشكل وثيق بعوامل الاستقرار الإقليمي وتقاطعات المصالح الدولية، وأي حكومة جديدة تحتاج إلى شبكة دعم محلية واسعة، لكنها تحتاج أيضاً إلى درجة كافية من القبول خارجياً لتستطيع تنفيذ برنامجها السياسي والاقتصادي بأقل قدر من الضغوط والتجاذبات".
ويضيف الجبوري أن "الرضا الإقليمي يأتي من خلال قدرة الحكومة المرتقبة على تبنّي سياسة خارجية متوازنة، وتطمين دول الجوار بأن العراق لن يكون ساحة صراع أو أداة نفوذ لأي طرف، ودول الجوار تتابع بدقة شكل التحالفات السياسية ومسارات تشكيل الحكومة، لأن ذلك ينعكس بشكل مباشر على أمنها وحدودها ومصالحها الاقتصادية". أما على المستوى الدولي، فيرى أن "الدعم الدولي خصوصاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة يلعب دوراً رئيسياً في تعزيز الثقة بالبيئة السياسية العراقية، لاسيما في الملفات المتعلقة بالاستثمار، مكافحة الفساد، والطاقة، خاصة وأن العراق في مرحلة بحاجة ماسة فيها إلى فتح أبواب الاستثمار وتعزيز علاقاته الاقتصادية، وهذا لا يتحقق من دون وجود حكومة تحظى بمستوى مقبول من الثقة الدولية، وقادرة على تقديم رسائل واضحة حول احترام سيادة القانون والالتزام بالإصلاحات".
ويختم الجبوري بالقول إن "على القوى السياسية أن تنظر إلى الرضا الإقليمي والدولي ليس كشرط مفروض أو تدخل خارجي، بل كعامل داعم للاستقرار والتنمية داخل العراق، فنجاح الحكومة الجديدة يعتمد على مدى قدرتها على بناء توافق داخلي يعزّزه دعم خارجي عقلاني ومتوازن". بهذا المعنى، لا يلغي الجبوري خطورة التدخلات، لكنه يدعو إلى تحويلها – قدر الإمكان – إلى فرصة لتثبيت الاستقرار إذا ما حُسن استخدامها لصالح المصلحة الوطنية، لا لصالح محور بعينه.
تشكّل نتائج انتخابات تشرين 2025 وموازين القوى داخل البرلمان، كما ترصدها تقارير دولية، اختباراً جديداً لمدى قدرة العراق على تثبيت معادلة تضمن ثلاثة شروط في آن واحد: حكومة قادرة على إنتاج توافق داخلي واسع بما يكفي لتمرير القوانين والقرارات الضرورية، ومستوى مقبول من الرضا الإقليمي يمنع تحوّل البلاد إلى ساحة صراع مباشر بين المحاور، ودرجة من الثقة الدولية تفتح الباب أمام استثمارات تحتاجها البلاد بشدة لمعالجة أزماتها الاقتصادية والمالية والخدمية.
لكن تحقيق هذه المعادلة يصطدم بعدّة حقائق؛ من بينها استمرار وجود فصائل مسلّحة تمتلك هامشاً واسعاً من القرار خارج مؤسسات الدولة، وتعقّد العلاقة بين بغداد وطهران وواشنطن في آن واحد، وتنامي نفوذ أطراف إقليمية ترى في العراق جزءاً من ترتيبات أوسع تتعلق بممرات التجارة والطاقة والأمن الحدودي. في هذا الإطار، أي خطوة باتجاه إرضاء طرف خارجي ستكون موضع تدقيق من الأطراف الأخرى، وأي محاولة للاقتراب من محور معين ستنتج ضغطاً مقابلاً من محور آخر، ما يجعل مساحة المناورة أمام رئيس الوزراء المقبل أضيق مما تبدو عليه على الورق.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل يمكن تشكيل حكومة "مستقلة" تماماً عن تأثير الإقليم والعالم؟ فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن هذا هدف غير واقعي في المدى المنظور. السؤال الأهم هو ما إذا كانت القوى السياسية العراقية قادرة على أن تجعل رضا الإقليم والعالم نتيجة لطبيعة أدائها الداخلي واستقرارها السياسي، لا شرطاً مسبقاً يفرض عليها شكل الحكومة وحجم الإصلاح وحدوده. عند هذه النقطة تحديداً، سيتبيّن ما إذا كانت بغداد قادرة على الانتقال من موقع "الساحة المفتوحة للتأثير" إلى موقع "الفاعل الذي يفاوض من أجل مصالحه"، أم أنها ستستمر في إدارة كل استحقاق حكومي تحت سقف السؤال الذي يفرضه الخارج قبل الداخل: من يرضى ومن يغضب؟
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم