كتبت: فينوس بابان
شهد المشهد السياسي والأمني العراقي منعطفاً دراماتيكياً يحمل بوادر تحول بنيوي في علاقة القوى السياسية بالدولة، فالقرار التاريخي لزعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر بإنهاء الارتباط العسكري لـ سرايا السلام بتياره وإلحاقها الكامل ببدن الدولة بإمرة القائد العام للقوات المسلحة ليس إجراءً إدارياً عابراً بل خطوة استراتيجية تضع العراق على أعتاب مرحلة عنوانها المأسسة وحصر السلاح وتدفع بالعملية السياسية نحو الاستقرار المستدام رغم ممانعة فصائل أخرى، والقرار الذي حظي بترحيب فوري من رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي، يكتسب قوته من صدوره عن الزعامة الأكثر ثقلاً جماهيرياً حيث لم يتكئ السيد مقتدى الصدر على نصوص قانونية جافة بل استثمر الشرعية الكاريزماتية ليحدث تحولاً جذرياً في الوعي العام العراقي.
وفي علم السياسة، تواجه القرارات الفوقية بمقاومة إن لم تسندها قاعدة صلبة وتؤثر خطوة السيد الصدر في الشارع عبر بعدين أساسيين، أولهما تحويل حصر السلاح إلى رغبة شعبية عارمة بنقل المفهوم من خانة الشعارات السياسية والمناورات الحكومية إلى مستوى الثقافة العامة بعدما بادر تيار يمتلك الملايين لتسليم سلاحه طواعية. وثانيهما رفع الغطاء والحماية عن المظاهر المسلحة وإسقاط أي مبرر اجتماعي، عشائري، أو عقائدي عن السلاح المنفلت فالسيد مقتدى الصدر أخبر الشارع ضمناً بأنهم إذا كانوا بتاريخهم وثقلهم نأتمر بأمر الدولة فلا عذر لأحد بعد اليوم مما يمنح المواطن شعوراً بالأمان ويرفع أمله في ولادة دولة القانون.
وعملياً، لا يقتصر ثقل سرايا السلام على الوجود البشري بل يمتد إلى جغرافيا معقدة، حيث تمسك السرايا بأمن مدينة سامراء ومحيطها عبر الألوية 313، 314، 315 المنضوية تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي. وهنا تبرز حنكة الصدر، فهو لم يدعُ لحل القوة وترك فراغ أمني يتسلل منه الإرهاب بل دعا إلى التوطين والمأسسة عبر فك الارتباط بالأوامر الحزبية وتحويل الألوية إلى تشكيلات نظامية تأتمر حصرياً بالقائد العام مما يضمن بقاء سامراء آمنة تحت راية العلم العراقي ويمهد الطريق لإعادة تنظيم هيكلية الحشد الشعبي وتطهيره من التسييس، ينطوي القرار أيضاً على أبعاد تعيد صياغة المشهد داخلياً وخارجياً، إذ يصوغ مفهوم المقاومة المدنية وينقل التيار الصدري من عسكرة المجتمع إلى الجهاد الأكبر المتمثل في بناء المؤسسات وتحويل الشق المدني للسرايا إلى البنيان المرصوص للعمل دون سلاح أو مقرات عسكرية يعني ضخ مئات الآلاف من الشباب في مشاريع تنموية محولاً طاقتهم إلى قوة بناء ناعمة، أضف إلى ذلك نجاح الخطوة في سحب الذرائع الدولية والإقليمية التي لطالما استخدمت وجود الفصائل لتبرير بقاء القوات الأجنبية أو التدخل في الشؤون العراقية مما يدعم موقف حكومة السيد الزيدي في المفاوضات الدولية ليتحدث رئيس الوزراء من موقف قوة مدعوم بأكبر كتل شعبية تسانده في بسط السيادة.
وأحدث الثقل الشعبي والسياسي الجارف لخطوة السيد مقتدى الصدر ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ تأثير الدومينو، حيث نجح القرار في تعرية المواقف وضغط على كافة القوى المسلحة للخروج من مساحات الرمادية والغموض الاستراتيجي مجبراً إياها على تحديد تموضعها علناً وبشكل مكشوف أمام الرأي العام العراقي، هذا الزخم الشعبي والسياسي فجّر انقساماً راديكالياً حاداً داخل معسكر الفصائل تمثّل في ثلاثة مسارات متباينة، المسار الأول قادته حركة عصائب أهل الحق وعبر كتلتها النيابية صادقون.
والتي أظهرت مرونة سياسية واضحة عبر إبداء تأييد مشروط بحاكمية الدولة واستيعاب اللحظة السياسية الحرجة، وفي المقابل برز المسار الثاني الأكثر تصلباً على لسان المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء كاظم الفرطوسي، الذي أعلن صراحة رفض فصيله القاطع لتسليم السلاح في المرحلة الحالية منتقداً فكرة الدمج المباشر في الأجهزة الأمنية ومتمسكاً ببقاء سلاح المقاومة ما دامت المبررات الموضوعية لوجوده كالاحتلال والخروقات السيادية قائمة من وجهة نظرهم، بينما تماثل المسار الثالث مع رؤية حركة النجباء التي حاولت الالتفاف على الحرج السياسي عبر تفكيك المفهوم والتمييز بين السلاح المنفلت الذي يسبّب الفوضى الأمنية ووجوب كبحه وبين ما تصفه بـ سلاح المقاومة المشروعة الذي ترى ضرورة الاحتفاظ به، هذا التباين البنيوي يعكس بدقة حجم الإرباك الذي أحدثه السيد مقتدى الصدر إذ جرّد الفصائل الرافضة من حججها الوطنية ووضعها في مأزق شعبي حرج يظهرها أمام الشارع كمجموعات تقدم الأطر الحزبية والأجندات الإقليمية على مصلحة العراق العليا وهو ما سيشكل حتماً أداة ضغط متصاعدة تجبرها عاجلاً أم آجلاً على التنازل وتبني مرونة أكبر للتفاوض مع الحكومة ضمن آليات زمنية محددة.
ويمثل توقيت القرار دعماً استراتيجياً هائلاً لحكومة السيد علي الزيدي التي لم يمضِ على نيلها الثقة سوى أسبوعين ويتضمن منهاجها الوزاري فقرة واضحة لحصر السلاح فالسيد الصدر منح الحكومة أنياباً سياسية وقانونية ووضع ثقله المليوني خلف السيد علي الزيدي، مما يعطيه الشجاعة لتنفيذ منهاجه دون خوف من صدام مسلح شيعي-شيعي، علاوة على ذلك تعزز الخطوة الثقة بالدولة وتجذب الاستثمار، فعندما يرى المستثمر الخارجي والمواطن أن الفصيل الأكثر نفوذاً يذوب طواعية في جسد الدولة ترتفع مؤشرات الاستقرار الأمني البنيوي وينعكس ذلك إيجاباً على الحركة الاقتصادية ومشاريع الإعمار من البصرة إلى أربيل.
وفي الختام يثبت هذا المنعطف التاريخي أن السيد مقتدى الصدر يمتلك بعد نظر استراتيجي يدرك أن مستقبل العراق وقوته يكمنان في الدولة السيادية القوية لا الدويلات الموازية، ورغم ممانعة بعض الفصائل فإن القطار الوطني قد انطلق بالفعل وإن نجاح حكومة السيد علي الزيدي في استثمار هذا الزخم الجماهيري والسياسي البناء وتفعيل اللجان الحكومية لوضع آليات زمنية لتنظيم وتسليم السلاح بالتوازي مع التفاهمات داخل الإطار التنسيقي سيكون اللبنة الأساسية لإنهاء حقبة المراحل الانتقالية والعبور بالعراق نحو فضاء دولة المواطنة والسيادة الكاملة.
بغداد اليوم - متابعة قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس ( 27 أيار 2026 )، من أهمية تأثير حرب إيران على انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر المقبل. وبحسب تصريحات صحفية تابعتها "بغداد اليوم"، قال ترامب إنه "غير قلق بشأن