بغداد اليوم - بغداد
في اللحظة التي نُشر فيها القرار رقم (61) لسنة 2025 في جريدة الوقائع العراقية، اكتسب النص قوة تتجاوز وزناً إدارياً عادياً. فالجريدة الرسمية ليست منصة إعلامية، بل المكان الذي تتحول فيه القرارات إلى واقع قانوني ملزم، وهو ما جعل أزمة إدراج حزب الله اللبناني وأنصار الله الحوثيين تتخذ منحى مختلفاً؛ إذ لم يعد السؤال مرتبطاً بالجهة التي مررت القرار، بل بقدرة الدولة على إيقاف مفاعيله أو تعديله بعد ظهوره في السجل الرسمي الوحيد المعترف به قانوناً.
هذا التحول كشف حجم التعقيد الكامن عند نقطة التقاء القانون بالسياسة داخل العراق، خصوصاً عندما يتصل القرار بكيانات ذات امتداد إقليمي وتأثير مباشر على توازنات الداخل والخارج.
بدأت القصة بطلب فني ورد من ماليزيا إلى لجنة تجميد أموال الإرهابيين، تضمن تحديثاً لقوائم مرتبطة بملف مكافحة تمويل الإرهاب. جرى التعامل مع الطلب عبر المسار الإداري التقليدي: تدقيق، مصادقة، ثم إحالة إلى النشر. لكنّ إدراج اسمي حزب الله والحوثيين—وهما عنصران فاعلان في شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة—نقل المسار الإداري إلى حقل سياسي شديد الحساسية، ما دفع قوى سياسية إلى التشكيك في كيفية عبور القرار من سلسلة التدقيق إلى لحظة النشر.
ومع انتشار الوثيقة بين قادة الإطار التنسيقي، تفاقم الجدل، وصدرت استفسارات عاجلة إلى مكتب رئيس الوزراء، قبل أن تبدأ البيانات الرسمية محاولة احتواء الموقف. غير أن تلك البيانات لم تعالج جوهر المشكلة: النص ظهر في الوقائع، وبالتالي أصبح نافذاً من الناحية القانونية.
يحدد المستشار القانوني سالم حواس إطاراً صارماً لا يترك مساحة كبيرة للتأويل. يقول في إيضاح، تابعته "بغداد اليوم": "القرار 61 أصبح ملزماً بمجرد نشره في جريدة الوقائع العراقية. النشر ليس إجراءً إعلامياً، بل هو الذي يمنح القرار حجّيته القانونية النهائية بموجب قانون الجريدة الرسمية رقم 78 لسنة 1977."
ويضيف موضحاً طبيعة الإلزام: "لا يجوز قانوناً تعديل أو حذف أي فقرة من القرار بعد النشر، سواء في الصياغة أو التبويب أو المضمون. اكتمال النشر يعني اكتمال الإرادة القانونية للقرار."
وبحسب حواس، فإن البيانات والتصريحات التي تصدر عن الجهات المعنية—مهما كانت صفتها—لا تملك سلطة إلغاء أثر النشر، لأنها ليست جزءاً من المنظومة القانونية التي تحكم إصدار القرارات. ويشرح ذلك بقوله: "التصحيح لا يكون إلا عبر الوقائع نفسها. إما بيان تصحيح إذا كان الخطأ شكلياً، أو قرار جديد بالإلغاء أو التعديل إذا كان الخطأ جوهرياً."
ويوضح أيضاً أن الحديث عن ضرورة تدخل مجلس النواب غير دقيق: "اللجنة لا تُشرّع قوانين حتى يحتاج تعديل قراراتها إلى البرلمان. تعديل القرار يتم فقط بقرار جديد يُعاد نشره في الوقائع."
تحوّل القرار إلى أزمة سياسية لأن ظهور اسمَي حزب الله والحوثيين في وثيقة رسمية عراقية لم يُقرأ باعتباره تحديثاً إدارياً عادياً، بل كإشارة سياسية تمس شبكة نفوذ واسعة داخل البلاد. فهذان الكيانان ليسا تنظيمين منفصلين عن المشهد العراقي، بل يمثلان امتداداً لمحور إيران، وشريكين مباشرين لفصائل عراقية نافذة، وعنصرين مؤثرين في العلاقة المعقدة بين بغداد وواشنطن.
وضع اسميهما في قائمة رسمية لتجميد الأموال يعني عملياً فرض قيود مصرفية، وإمكانية تجميد أي أصول محتملة، وتوفير أرضية يمكن استثمارها دولياً ضد العراق، وهو ما يضع الدولة بين ضغوط الامتثال المالي من جهة، ورغبتها في تجنب مواجهة مع حلفائها الداخليين والإقليميين من جهة أخرى.
ولهذا لم يُقرأ القرار كإجراء فني، بل كخطوة سياسية غير معتادة، حتى لو جاء نتيجة مسار إداري روتيني.
تبدو الأزمة اليوم واقفة بين حقيقتين متوازيتين لا تلتقيان بسهولة: القانون يتعامل مع النشر بوصفه الحدّ الذي تُغلق عنده النصوص، فلا يعود ممكناً تعديلها خارج إطار الوقائع. والسياسة تنظر إلى الأسماء المدرجة بوصفها جزءاً من شبكة حساسة لا يمكن المس بها دون حسابات دقيقة.
ولهذا فإن أي معالجة للأزمة لن تُبنى على البيانات أو التوضيحات، بل على قرار جديد يصدر عن لجنة تجميد الأموال، يُعيد صياغة الموقف وينشر في الجريدة الرسمية بالطريقة ذاتها التي ظهر فيها القرار الأول. وما لم يُنشر مجدداً في الوقائع، يبقى—من وجهة نظر القانون—خارج الوجود، مهما تعددت الروايات أو تفاوتت الضغوط.
تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - كردستان كشف عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفا محمد، اليوم الاثنين ( 6 نيسان 2026 )، عن بدء وفد اقتصادي من إقليم كردستان مفاوضاته الرسمية اليوم في العاصمة بغداد مع وزيرة المالية الاتحادية طيف سامي، لحسم الملفات المتعلقة بالنفط والجمارك