سياسة / ملفات خاصة 4-12-2025, 15:46 | --
+A -A

عراق ما بعد يونامي


نهاية حقبة الأمم المتحدة تطرح سؤال الدور والجدوى: شريك للدولة أم غطاء للنظام السياسي بـ"علّاته"؟

بغداد اليوم - بغداد

مع انتهاء مهمة الممثل الخاص للأمين العام في العراق، محمد الحسان، طُرِح سؤال موجَّه إلى قلب التجربة الأممية منذ عام 2003: ما الذي فعله هذا الحضور الدولي فعلاً في العراق؟ وهل شكّل وجود بعثة الأمم المتحدة أثراً حقيقياً في مسار الدولة، أم ظلّ دوراً هامشياً يتحرك داخل هوامش النظام السياسي أكثر مما يتحرك فوقها؟

منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق، كان حضور الأمم المتحدة جزءاً من معادلة إعادة تشكيل الدولة الجديدة. كوفي عنان هو من وقّع على تأسيس بعثة "يونامي" عام 2003، وحدّد لها مهمة مركّبة تقوم على تقديم المشورة السياسية، ودعم كتابة الدستور، والإشراف على العمليات الانتخابية. كان الدور الأممي حينها يتقدم على الدور الإقليمي والدولي، ويُنظر إليه بوصفه مظلة تمنح الشرعية لعملية انتقال لا تزال تتلمس خطواتها الأولى. ومع أن البعثة بدت مراقباً محايداً، إلا أنها بقيت حذرة في مقاربتها لمراكز النفوذ، محافظِة على مسافة آمنة مع كل القوى التي برزت بعد الاحتلال.

ومع مرور السنوات، تعددت الشخصيات التي أدارت البعثة: أد ميلكرت، نيكولاي ملادينوف، يان كوبيش، ثم جينين بلاسخارت، وصولاً إلى محمد الحسان. كانت لكل مرحلة طبائعها السياسية. ملادينوف دعم العملية السياسية من دون الدخول في صدام مباشر مع القوى المتنفذة. كوبيش ركّز على ملفات المصالحة والانتخابات. أما بلاسخارت فكانت الأكثر حضوراً في الذاكرة العراقية؛ انتقدت السلاح خارج الدولة، تحدثت عن مخاطر النفوذ الموازي، وواجهت حكومات وبرلمانات في تقاريرها، لكنها في الوقت نفسه حافظت على علاقة عملية مع القوى نفسها التي انتقدتها، في محاولة لعدم خسارة القدرة على العمل داخل بغداد. ومع ذلك، ظلّ تأثيرها محدوداً لأنها كانت تصطدم دائماً بواقع أن الأمم المتحدة لا تمتلك أدوات تنفيذ، بل أدوات توصية فقط.

مع وصول محمد الحسان إلى رئاسة البعثة، بدا أن الأمم المتحدة انتقلت إلى نمط أكثر تحفظاً. حديثه في مجلس الأمن ولقاءاته الرسمية كانت أقل حدة من سابقيه، وتميل إلى مقاربة مرضية للنظام السياسي القائم، بلا توصيف واضح لمشكلات الفساد والمحاصصة والسلاح، رغم أنها مشكلات تشهد عليها كل التقارير الحقوقية والاقتصادية الدولية. هذا التغيير لم يمرّ مروراً عادياً، بل أشار إليه مراقبون باعتباره اصطفافاً غير معلن مع الطبقة السياسية، أو على الأقل رغبة في تجنّب أي مواجهة معها.

هذا ما أشار إليه عضو التحالف البديل، صالح رشيد، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، مؤكداً أن الأمم المتحدة "تراجعت بشكل واضح داخل بغداد"، وأن الانتخابات الأخيرة "لم تشهد دوراً فعّالاً للأمم المتحدة، ولم يتم تدوين معظم المخالفات رغم مشاركة منظمات أممية في الرصد". وبرأي رشيد، فإن خطاب الحسان الوداعي لم يتناول بوضوح الملفات الأكثر حساسية: الفساد، المحاصصة، السلاح، النفوذ السياسي، واستغلال المال العام. ويرى أن الاكتفاء بصياغات عامة، من دون الاقتراب من جوهر الأزمات، جعل البعثة تبدو "أقرب إلى شاهد صامت منها إلى جهة رقابية دولية مؤثرة".

تاريخياً، كان يُفترض أن تشكّل الأمم المتحدة ثقلاً موازناً داخل العراق؛ جهة تمتلك القدرة على قول ما لا تستطيع القوى المحلية قوله، وأن تضغط من أجل بناء مؤسسات دولة مستقلة. لكن ما حدث كان عكس ذلك تقريباً: كلما تعمّقت الأزمات، تقلّص الدور الأممي، وكلما ارتفعت حرارة الصراع السياسي، ازداد الخطاب الأممي اعتدالاً. وهكذا تحوّلت البعثة مع السنوات من جهة مبادرة إلى جهة مراقبة، ثم من جهة مراقبة إلى جهة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقة مع جميع الأطراف من دون أن تغضب أحداً.

اليوم، ومع انتهاء مهمة محمد الحسان، تبدو حصيلة الأمم المتحدة في العراق مختصرة بجملة واحدة: حضور سياسي ثابت، لكن أثره محدود. لم تغيّر شكل النظام السياسي، ولم تفرض آليات حوكمة جديدة، ولم توقف تمدد السلاح الموازي، ولم تستطع بناء منظومة انتخابية محمية من تدخلات المال والنفوذ. وفي المقابل، وفّرت غطاءً دولياً للعملية السياسية، وشاركت في إدارة انتخابات، وسهّلت الحوار بين بغداد وأربيل في مراحل معينة، وأسهمت في دعم بعض الملفات الإنسانية والتنموية. لكن في ميزان التأثير الفعلي، يظل دور البعثة أقرب إلى الهامش منه إلى المركز. وجودها لم يكن بلا فائدة، لكنه أيضاً لم يكن عاملاً فارقاً في مسار الدولة. 

ومع انتهاء مهمة محمد الحسان وإغلاق صفحة آخر ممثل خاص للأمين العام في العراق، تكون البلاد قد دخلت مرحلة غير مسبوقة منذ عام 2003، وهي مرحلة ما بعد البعثة الأممية بكل أدوارها وقيودها وتأثيراتها. لم يعد هناك وسيط دولي يعيد ترتيب الطاولة عند الأزمات، ولا صوت أممي يدوّن ما يجري داخل البلاد بقدر من الحياد أو المجاملة أو التجاهل.

إن خروج البعثة يعني أن العراق يقف اليوم بلا مظلة سياسية خارجية، وبلا إطار أممي يوازن بين القوى المتنافرة أو يضغط عند الحاجة. وهذا التحوّل، مهما بدا إجرائياً، يترك فراغاً كانت تشغله تقارير دورية ومواقف علنية، حتى وإن اتُّهمت أحياناً بالاصطفاف أو بالتساهل مع الطبقة السياسية.

لقد انتهت البعثة، وبانتهائها انتهى أيضاً أحد آخر أشكال الرقابة الدولية على المسار السياسي العراقي، تاركة سؤالاً مختلفاً هذه المرة: ليس عمّا يجب أن تفعله الأمم المتحدة، بل عمّا يمكن للعراق أن يفعله الآن وهو يواجه وحده مشهده الداخلي المتشابك، بلا شاهد خارجي ولا وسيط يدوّن الوقائع نيابة عنه.

وهكذا تُغلق عشرون عاماً من الحضور الأممي، لتبدأ مرحلة لا تحددها تقارير مجلس الأمن، بل قدرة الدولة العراقية نفسها على إنتاج توازن مستدام يملأ الفراغ الذي خلّفته المنظمة الدولية بعد رحيلها.

تقرير: محرر الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14