بغداد اليوم - بغداد
يبدو أن الملف العراقي يعيد طرح السؤال ذاته في كل دورة سياسية تقريباً: لماذا لا يتعلم السياسيون الدرس، رغم أن الوقائع التي حكمت طريقة تعامل واشنطن مع “مراكز القوة” في العراق تكررت أكثر من مرة وبأساليب لا تحتمل التأويل؟ فمنذ عام 2019، حين قدّم الجانب الأمريكي قائمة ضباط إلى رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وطالب بإبعادهم عن مواقع حساسة داخل المؤسسة العسكرية بدعوى “عدم التوافق مع المصالح المشتركة”، كانت تلك الإشارة الأولى إلى أن الولايات المتحدة تصوغ علاقتها مع بغداد وفق قواعد واضحة: حين تشعر بأن ميزان النفوذ ينزاح بعيداً عن رؤيتها، فإنها تنتقل سريعاً من التحذير الدبلوماسي إلى خطوات أكثر خشونة.
تجاهل بغداد لذلك التحذير لم يمر طويلاً. فبعد شهور جاءت الضربة التي غيّرت شكل المنطقة: اغتيال قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس قرب مطار بغداد، ثم سلسلة ضربات لاحقة طالت معسكرات ومواقع للفصائل داخل العراق وخارجه، في رسالة لم يكن فيها أي غموض حول حدود ما تقبله واشنطن أو ترفضه. والآن توسّع التدخل الأمريكي ليأخذ منحى جديداً، أكثر صرامة وأقل مجاملة، تمثل بدور مباشر لوزير الخارجية الحالي ماركو روبيو في منع تمرير تعديلات على “قانون الحشد” كان من شأنها تعزيز موقع الفصائل داخل الدولة، ثم إدراج واشنطن عدداً من قادتها وشخصيات سياسية مقربة منها في قوائم الإرهاب، في إطار مسار متدرج يربط الأمن العراقي بالصراع الأميركي الإيراني بصورة أوثق.
ومع كل هذه السوابق، ظلّ جزء من الطبقة السياسية العراقية يتعامل مع الموقف الأمريكي وكأنه ضغط قابل للاحتواء، لا جزء من استراتيجية طويلة المدى. لكن المشهد الحالي أكثر تعقيداً، لأن القوى التي تتحفظ عليها واشنطن لم تعد مجموعات صغيرة أو أطرافاً هامشية، بل أصبحت العمود الفقري للأغلبية البرلمانية، وتمسك بخيوط الوزارات الأساسية والملفات الأمنية الحساسة. ومن هنا يعود السؤال ليتقدم إلى الواجهة: كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع حكومة تُمسك مفاصلها قوى تصنفها ضمن المشروع الإقليمي المناهض لها؟ وهل ستقبل واشنطن بمنطق “الأغلبية الانتخابية” إذا أنتجت واقعاً سياسياً لا يتوافق مع حساباتها الأمنية والاستراتيجية؟
وفي قلب هذا النقاش، جاء تعليق القيادي في تحالف الأساس عبد الصمد سالار الزركوشي ليضيف بعداً مختلفاً، إذ أكد لـ"بغداد اليوم" أن “الانتخابات العراقية مسار ديمقراطي واضح المعالم، وهو من الأكثر شفافية في المنطقة مهما شابته بعض السلبيات، لكنه يظل عملية حيوية تعيد تشكيل الحكومة كل أربع سنوات”، مشيراً إلى أن ما تفرزه صناديق الاقتراع “يمثل جميع المكونات والأطياف والقوميات”. وأوضح أن “الخطوط الحمراء الأميركية ليست جديدة، بل تكررت منذ أكثر من 15 عاماً”، وأن القوى السياسية اليوم “أكثر إدراكاً لأهمية استقلالية القرار السياسي العراقي”، لافتاً إلى أن “تشكيل الحكومات شأن عراقي بحت تحدده الحوارات بين القوى الوطنية، وليس محل قبول أو رفض من أي طرف خارجي”. وأكد أن “الضغوط الدولية والإقليمية قد تكون موجودة، لكنها لا تلغي حقيقة أن القوى العراقية منخرطة في مباحثات تشكيل الحكومة المقبلة، وتبحث عن صيغة تمثل كامل الطيف العراقي”.
ومع أن تصريحات الزركوشي تعكس خطاباً يؤكد استقلالية القرار الوطني، إلا أنها تصطدم بواقع أشد تعقيداً، لأن واشنطن لم تعد تتعامل مع العراق وفق المنطق الذي حكم علاقتها خلال عهدَي أوباما وبايدن، حين كانت الأولوية للاستقرار على حساب الضغط، بل وفق مبدأ “السلام بالقوة” الذي يجعل ملفات المشاركة في الحكومة، والسلاح، وشكل النفوذ، عناصر مباشرة في تعريف العلاقة مع بغداد. ومع صعود قوى مسلّحة داخل مفاصل الدولة، تتقدم واشنطن بأدوات ضغط غير مسبوقة: تضييق مالي، مراقبة أعلى على التحويلات، قوائم عقوبات، وتعطيل مسارات سياسية تراها تتعارض مع مصالحها الإقليمية.
ومع ذلك، تواصل بعض القوى العراقية التعامل مع تلك الإشارات وكأنها جزء من ضجيج موسمي يسبق تشكيل الحكومة، لا جزءاً من معادلة تفرض نفسها على مسار السلطة كلما اقتربت بغداد من لحظة الاختبار. لكن التجربة أثبتت، منذ 2019 وحتى اليوم، أن تجاهل المؤشرات الأمريكية مكلف، وأن إعادة إنتاج السيناريو نفسه كل أربع سنوات يجعل العراق يتحرك في دائرة مفرغة لا يريد النظام السياسي الاعتراف بوجودها.
وفي ظل المسار المتسارع للأحداث، يعود السؤال المركزي ليطرح نفسه مجدداً: هل تستوعب القوى الفائزة الدرس هذه المرة، أم أن بغداد تتجه نحو اختبار جديد يعيد إنتاج المشهد ذاته بوسائل مختلفة، فيما تبقى واشنطن تراقب وتضغط وتحدد قواعد الاشتباك، وتبقى القوى السياسية تتصرف وكأن الزمن لم يتغير، وكأن السوابق ليست جزءاً من معادلة الحكم العراقية؟
تقرير: محرر: الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - بغداد وجه رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، اليوم الأربعاء ( 8 نيسان 2026 )، بمتابعة الأسعار في الأسواق ومنع الاحتكار. وذكر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "رئيس مجلس الوزراء محمد شياع