سياسة / أمن / ملفات خاصة 1-12-2025, 22:14 | --
+A -A

إسرائيل الكبرى


"العراق هو المقصود".. موقع بغداد في مشهد الأحداث القادمة "غير العادية" التي يتحدث عنها نتنياهو

بغداد اليوم - بغداد

نتنياهو، وهو يكتب في رسالته الأخيرة إلى رئيس الكيان إسحق هرتسوغ عن "أحداث غير عادية" ستشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة، لم يكن فقط يحاول تبرير طلبه بوقف محاكمته في قضايا الفساد، بل كان يرسم إطاراً سياسياً وأمنياً لمرحلة يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من هندستها. في تلك الرسالة، التي تسرّبت مضامينها إلى الإعلام، يتحدث عن حاجة إلى "استعدادات دبلوماسية وأمنية هائلة وعلى مدار الساعة"، في سياق تفاهمات يجري بحثها بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول عربية ودول أخرى، بما يوحي بأن المنطقة مقبلة على إعادة ترتيب واسعة في خرائط النفوذ وقواعد الاشتباك، لا على مجرد مناوشات محدودة كما كان يحدث في سنوات سابقة.

في القراءة الإسرائيلية، بقاء نتنياهو في الحكم لم يعد مسألة صناديق اقتراع فقط، بل مرتبط بقدرته على إقناع الداخل والخارج بأن وجوده في رأس الحكومة ضرورة خلال "الأشهر الحساسة المقبلة". الرجل يواجه أزمات داخلية، احتجاجات، وملفات قضائية، لكنه في الوقت نفسه يستند إلى إرث طويل من التحالف مع تيار دونالد ترامب في الولايات المتحدة، تلك الشراكة التي أنتجت سابقاً نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان، وصيغة تفاهمات إقليمية أعادت صياغة علاقة إسرائيل بعدد من الدول العربية. وهذه الخلفية تعود اليوم ليس فقط من خلال الذاكرة، بل عبر الأصوات المحسوبة على معسكر ترامب، ومنهم توماس براك الذي ذهب أبعد من ذلك حين قال إن "اتفاقية سايكس بيكو قد انتهت فعلياً، وإن إسرائيل لا يمكن وقفها عمّا ستفعله في أي مكان تراه ضرورة لأمنها"، وهو ما حدث فعلا في لبنان وإيران. هذا النوع من الخطاب يعزّز القناعة داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن اللحظة الراهنة لحظة إعادة رسم لا لحظة إدارة أزمة، وأن الغطاء السياسي الأميركي—أياً كان شكل الإدارة—ما يزال قائماً في المساحات التي تعتبرها تل أبيب مفصلية.

في العراق، لا تُقرأ هذه الرسائل الإسرائيلية بوصفها شأناً بعيداً. فالتجربة القريبة علّمت النخب السياسية أن كل موجة إعادة تشكيل في المنطقة تحمل في طياتها ارتدادات مباشرة على بغداد، سواء عبر بوابة الوجود العسكري الأميركي، أو عبر ملفات الفصائل المسلحة المرتبطة بمحور إيران، أو من خلال الضغوط الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تُستخدم كأداة لتغيير السلوك السياسي. هنا تحديداً يبرز صوت مثل عزت الشابندر، الذي يلخّص الأمر بعبارة حادة: "ما يحدث في المنطقة هدفه الأخير هو العراق، لأنه هو المقصود". الجملة في ظاهرها تحليل سياسي، لكنها في عمقها تستدعي سرديات أقدم من السياسة، تمتد إلى مخيال ديني وتاريخي عميق في الوعي الشيعي والسني على حد سواء، حول موقع العراق في "نهاية الزمان" ومعاركها الكبرى.

هذه السرديات لم تعد حبيسة الكتب أو الحلقات الضيقة، بل خرجت إلى الفضاء العام عبر تصريحات مباشرة، بعضها صدر عن شخصيات في موقع رسمي. رئيس مجلس النواب الأسبق محمود المشهداني تحدث في تسجيلات متداولة عن أن "النبي محمد عراقي" وأن "عشائر العراق هي التي ستهزم الأعور الدجال حتى يأتي النبي عيسى ليصلي معنا"، في استدعاء صريح لمرويات أخروية تربط بين الجغرافيا العراقية وبين المعارك النهائية. هذه اللغة، حين توضع إلى جانب مقولات من نوع "العراق هو المقصود"، تخلق طبقة إضافية فوق القراءة الجيوسياسية البحتة، وتفتح الباب أمام تصور يرى أن ما يجري في الإقليم ليس مجرد صراع نفوذ، بل فصلاً من سردية كبرى يُفهم فيها العراق بوصفه مسرحاً ممهداً لما هو أبعد من السياسة.

ضمن هذا السياق، تبرز إشارة بالغة الحساسية كثيراً ما تُعاد قراءتها في بغداد كلما ارتفعت نبرة تل أبيب. فنتنياهو نفسه، وفي أكثر من مناسبة خلال العقدين الماضيين، تحدث عن رؤيته لما يسميه "أمن إسرائيل التاريخي"، وهي رؤية تستند – بحسب معلقين إسرائيليين – إلى خرائط أيديولوجية قديمة لدى اليمين تتعامل مع "إسرائيل الكبرى" بوصفها نطاقاً استراتيجياً واسعاً يمتد من البحر إلى مناطق داخل العمق العربي، وتشمل في تصوراتها التاريخية أجزاء من العراق. ورغم أن هذه الخرائط ليست سياسة رسمية للدولة العبرية، إلا أن استدعاء نتنياهو لها في خطاباته عن "حدود الأمن" و"امتدادات التهديد الإيراني" يجعلها جزءاً من الخلفية الذهنية التي يتحرك ضمنها، ويمنح تصريحاته الأخيرة عن "أحداث غير عادية" طبقة إضافية من القراءة في العراق، حيث يُنظر إلى مثل هذه الإشارات باعتبارها انعكاساً لتطلعات أوسع من مجرد عمليات أمنية أو صراع نفوذ تقليدي.

لكن القراءة الأكثر واقعية تأتي من خبراء مثل جاسم الغرابي، الذي حذّر في حديثه لـ"بغداد اليوم" من خطورة التصريح الذي أدلى به نتنياهو، معتبراً أن "هذا التصعيد اللفظي يعكس توجهاً نحو مرحلة جديدة من التوتر قد تشمل عدة دول في المنطقة، وتل أبيب تحاول منذ أشهر إعادة رسم مسار الصراع مع إيران ومحور حلفائها، وتعمل على تهيئة الرأي العام الداخلي والدولي لإمكانية حدوث تطورات عسكرية أو سياسية كبيرة". ويضيف الغرابي أن استخدام نتنياهو لعبارة "أحداث غير عادية" يشير إلى وجود تحركات فعلية "إما على مستوى التحالفات أو العمليات الأمنية والاستخبارية أو حتى خيارات عسكرية محدودة". ويرى أن إسرائيل سبق أن لوّحت بإمكانية استهداف قيادات فصائل خارج حدودها، بما فيها العراق، غير أن تنفيذ هذا الخيار "مرتبط بحسابات ردود الفعل والتوازنات الدولية ووجود القوات الأميركية".

على الضفة الأخرى من المشهد، تبدو الولايات المتحدة في لحظة بحث عن صيغة جديدة للتعامل مع المنطقة. النقاشات التي دارت في مراكز الأبحاث والصحافة الغربية حول "إعادة تشكيل الشرق الأوسط" تتحدث عن مقاربة تجعل من إسرائيل محور تحالفات إقليمية أوسع، مع تقليص مباشر للحضور الأميركي والاستعاضة عنه بشبكة شركاء محليين يتحملون جزءاً أكبر من أعباء الأمن الإقليمي. وفي هذه الرؤية يصبح العراق حلقة وسطى حساسة: دولة لا يريدها الأميركيون ساحة صراع مفتوح، ولا يستطيعون تركها بالكامل لمحور طهران، ولا يمكن فصلها عن الحسابات الإسرائيلية المرتبطة بالردع والحدود والجبهات.

من هنا يمكن فهم لماذا يصرّ كثير من المسؤولين العراقيين على خطاب يركز على منع استخدام الأراضي العراقية في أي استهداف، وعلى منع استهداف أي طرف انطلاقاً من العراق. هذا الخطاب يحاول تثبيت معادلة مزدوجة: تطمين واشنطن بأن بغداد ليست طرفاً في أي مشروع إقليمي معادٍ، وتطمين طهران بأن العراق ليس منصة لضربها، وتطمين الداخل بأن الدولة تمسك بالحد الأدنى من التوازن الممكن. لكن هذا التوازن يبقى قابلاً للاهتزاز كلما ارتفعت نبرة العواصم الكبرى، وكلما عاد نتنياهو ليقدم نفسه باعتباره الرجل الذي يقود مرحلة "الأحداث غير العادية".

في قلب هذه التعقيدات، يتقدم خطاب عزت الشابندر ليضع العراق في مركز المشهد لا على هامشه. فحين يؤكد أن "العراق هو المقصود"، فإنه يعبّر عن إحساس عميق داخل جزء من النخبة بأن البلاد لم تغادر يوماً موقع الساحة المركزية للصراع، مهما تبدّلت التوازنات الإقليمية والدولية. وفي هذه اللحظة التي تتشابك فيها رسائل تل أبيب، وحسابات واشنطن، ومخاوف طهران، وسرديات الداخل عن أن العراق "الهدف الأخير"، تتبلور معادلة حرجة: إما أن يُعاد تثبيت موقع العراق في مشاريع التنمية وبناء الدولة، أو يبقى محكوماً بأن يُستدعى في كل دورة لإعادة رسم خرائط القوة في الشرق الأوسط، كلما لوّح لاعب كبير بـ"حدث غير عادي" جديد.

تقرير: محرر الشؤون السياسة في بغداد اليوم

أهم الاخبار