سياسة / ملفات خاصة أمس, 23:05 | --

تحت ظلال العمالقة


الأحزاب الناشئة في العراق.. حضور رمزي في مواجهة نفوذ المال والإعلام والسلاح

بغداد اليوم - بغداد

لم يعد الحديث عن الأحزاب الناشئة في العراق ترفاً سياسياً أو تفصيلاً عابراً، بل صار انعكاساً لازماً لطبيعة التحولات التي أعقبت احتجاجات تشرين 2019 وما تلاها من انقسامات وانبعاث كيانات صغيرة تحاول أن تجد لها مكاناً بين جبال الأحزاب التقليدية الراسخة. في النجف، المدينة التي تُعد رمزاً للقرار الديني والسياسي معاً، يصف المتحدث في الشأن السياسي ميثم الخلخالي لـ "بغداد اليوم" هذا الواقع بأنه ليس مؤشراً على فشل التجربة الديمقراطية، بل "يمثل مساحة للحرية وحقاً مشروعاً في تكوين كيانات جديدة". لكن هذا التوصيف، رغم وضوحه، يفتح أبواباً واسعة للأسئلة حول قدرة هذه الأحزاب الوليدة على النجاة في حلبة يغلب عليها المال والنفوذ والسلاح، بحسب ما يذهب إليه محللون.

فالخلخالي حين يوضح أن "هذه الأحزاب ولدت حزبية أي بمعنى مدعومة من قِبل قوى تقليدية كبرى وتنتهج أيديولوجياتها ونهجها القديم"، يضع إصبعه على مأزق مزدوج: أحزاب تبدو ناشئة شكلياً لكنها تحمل جينات الماضي، وأخرى لم تنجح حتى في التعريف بنفسها بسبب "ضعف التمويل أو اعتمادها على جهود شخصيات شبابية تمتلك جماهير محدودة"، وهو ما يجعلها أسيرة الهامش. هنا يتوقف مراقبون عند طبيعة الخلل البنيوي الذي يطبع الحياة الحزبية في العراق: إما إعادة تدوير لأفكار قديمة تحت مسميات جديدة، أو محاولات شبابية لا تملك الأدوات الكافية لاختراق جمهور مُنهك من وعود متكررة.

ويضيف الخلخالي أن "مشاركة الأحزاب الناشئة في الانتخابات المقبلة ستكون حاضرة رغم أن بعض الأحزاب أعلنت مقاطعتها"، وهو ما يشي بأن حضورها ليس خياراً استراتيجياً بقدر ما هو محاولة لإثبات الذات حتى في بيئة انتخابية غير عادلة. فبين أحزاب "فضلت عدم المشاركة من دون الدعوة إلى المقاطعة"، وأخرى "تدعو بوضوح إلى المشاركة"، يتكشف مشهد متشظٍ يعكس ارتباك هذه الكيانات في التعامل مع لعبة انتخابية محكومة مسبقاً بسطوة الكبار. مختصون يربطون هذا الارتباك بغياب الهوية الواضحة والبرنامج المتماسك، ما يجعل المشاركة بالنسبة لبعضها أقرب إلى تسجيل حضور رمزي من أن تكون منافسة حقيقية.

لكن الخلخالي لا يقف عند هذا الحد، إذ يؤكد أن "حصر المنافسة الانتخابية بيد الأحزاب الكبيرة غير صحيح"، مشيراً إلى وجود قوى تأسست خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية "أو ما بعد احتجاجات عام 2021"، لكنها ـ وكما يعترف ـ "لا تزال تصطدم بسيطرة الأحزاب الكبرى التي تمتلك النفوذ الإعلامي والمالي إضافة إلى الأجنحة المسلحة". هنا يتبدى بوضوح الخندق الذي يفصل الناشئة عن الكبار: الأولون يدخلون السباق بأدوات بدائية، فيما الآخرون يملكون آلة إعلامية ومالية وأمنية تضمن إعادة إنتاج حضورهم. محللون يرون أن هذا التناقض لا يُبقي مجالاً لتكافؤ الفرص، وأن ما يظهر على سطح العملية الديمقراطية من حرية تأسيس لا يترجم واقعاً في صناديق الاقتراع.

ولكي تُفهم المعضلة أكثر، لا بد من العودة إلى ما بعد 2003، حين تحولت العملية السياسية العراقية إلى حقل خصب لتكاثر الأحزاب. آنذاك، ظهر عشرات الكيانات في كل دورة انتخابية، بعضها مدعوم مباشرة من القوى الكبرى كأذرع رديفة وأخرى وُلدت نتيجة انشقاقات داخلية. اليوم وصل العدد إلى أكثر من 340 حزباً، أي أكثر من عدد مقاعد البرلمان نفسه، في مفارقة تكشف كيف تحولت الديمقراطية إلى واجهة تتكدس فيها الشعارات من دون أن تعكس بالضرورة تعددية حقيقية. مراقبون يرون أن الأحزاب الناشئة كثيراً ما استُخدمت كأدوات لتشتيت الأصوات أو تجميل المشهد، فيما عجزت الكيانات المستقلة الصغيرة عن بناء قواعد اجتماعية مستقرة أو فرض خطاب بديل.

وفي النجف بالذات، تبدو الصورة أكثر درامية. فالمدينة التي أنجبت الاحتجاج وأعطت زخماً لخطاب الإصلاح، ما زالت تشهد محاولات ولادة أحزاب جديدة من رحم الغضب الشعبي. لكن هذه الولادة كثيراً ما تُجهض بفعل سطوة القوى التقليدية المتغلغلة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. 

وهكذا يبقى والسؤال هنا: هل ستنجح هذه الكيانات في كسر السقف الحديدي الذي تفرضه الأحزاب الكبرى، أم أن حضورها سيظل مجرد تجميل لديمقراطية مقيدة؟ الإجابة، كما يتركها الخلخالي، ليست نهائية، بل مرهونة بقدرة الناشئة على تحويل حضورها الرمزي إلى مشروع سياسي حقيقي، وفق ما يؤكده محللون.

المصدر: بغداد  اليوم+ وكالات

أهم الاخبار

الداخلية تنفي أنباء تفجير قرب مطار بغداد وتؤكد: لا صحة للشائعات

بغداد اليوم - بغداد نفت وزارة الداخلية، اليوم الأحد (31 آب 2025)، بشكل قاطع الأنباء التي تداولتها بعض وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول وقوع تفجير موجه قرب مطار بغداد الدولي. وأكدت الوزارة في بيان لها تلقته "بغداد اليوم"، أن

اليوم, 00:52