سياسة / ملفات خاصة اليوم, 13:00 | --

من بوابة العلمانية


بين المرجعية والانتخابات والجيل الجديد: هل يعيد التاريخ إنتاج البعث بوجه آخر؟ - عاجل

بغداد اليوم – النجف 

يطلّ سؤال العلمانية في مشهد سياسي عراقي متشابك، بوصفه معضلة لم تُحسم بعد. فبينما نشأت العلمانية في بيئات أوروبية دينية رهبانية قائمة على الماورائيات والخرافة، لتفصل الغيب عن الدولة وتضع العلم في قلب الإدارة، فإنها في العراق تبدو نسخة مشوهة، أقرب إلى حالة عداء سافر ضد الدين والمتدينين. هذا ما يؤكده الباحث في النظرية السياسية الدكتور محمد أبو النواعير، الذي يصرّ في حديثه لـ"بغداد اليوم" على أن البداية الحقيقية للنقاش يجب أن تبدأ بتعريف ما المقصود بالعلمانية، وما يُمارس في العراق تحت هذا العنوان.

ويقول أبو النواعير: "في البدء يجب علينا أن نُعرّف معنى العلمانية، وما يتم تناوله وتنفيذه في العراق على أنه علمانية، ومن ثم نقرر هل أن العلمانية ستكون ممكنة أم لا. ثانياً، هل أن العبرة في العمل السياسي بالشباب وما المعنى المحدد لمصطلح شباب؟ وفي أي فئة عمرية يمكن أن نعتبر أن هذه الفئة شباب؟ بالنسبة للعلمانية فهي بمعناها المختصر جداً فصل الفكر الديني الغيبي الماورائي، عن مفاصل وحيثيات ومرتكزات إدارة أي مشروع دنيوي بحت، ومنها إدارة الدولة، وانتبه لكلمة (فصل)، لأننا سنحتاجها بعد ذلك. نشأت العلمانية في أجواء دول كانت تتبنى ديانات لا عقلانية، رهبانية، تراثية، تبريرية، قائمة على الخرافة والماورائيات، لذا كانت الحياة العامة عندهم تعاني من الخراب والدمار والتخلف. جاءت العلمانية عندهم في أحد معانيها للدلالة على (إدخال العلم في كل مفاصل الحياة)، فأصبحت الحقائق العلمية العقلانية المنطقية الواقعية هي الدين الجديد الذي تم فرضه والتوافق على قيادته للحياة."

هذا التعريف الأكاديمي، الذي يفصل بين التجربة الغربية والواقع العراقي، ينتهي – بحسب أبو النواعير – إلى نتيجة صادمة: ما لدينا في العراق ليس علمانية، بل "عداء سافر وسعار محتقن ضد كل ما يتعلق بالدين والمتدينين، مغلف بدعوى العلمانية". ويضيف موضحاً أن من يرفعون هذا الشعار في الساحة العراقية ليسوا سوى "شلة من منحرفي الأخلاق والمعادين عداء شديد وجنوني ضد كل ما يتعلق بالدين"، محذراً من أن انتقالهم من التنظير إلى الممارسة السياسية قد يقود إلى "حالات عداء ودموية وإبادة وقتل بشكل كبير جداً". وهنا يستحضر الباحث تجارب الحكم العراقي الحديث، وآخرها حزب البعث، التي رفعت شعار العلمانية وفصل الدين عن الدولة، لكنها انتهت إلى "حمامات دماء وقتل وسجون وتغييب وتهجير ومحاربة لكل أشكال التدين".

هذا الربط بين التجارب التاريخية والفكرة النظرية يفتح الباب أمام سؤال آخر: ما جدوى الدعوة للعلمانية في بلد مثل العراق اليوم؟ يجيب أبو النواعير قائلاً: "الدعوة للعلمانية في بلد كالعراق اليوم، المحكوم بنظام ديمقراطي نوعاً ما، والمستند إلى دستور في أغلبه مدني لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، ستكون دعوة فارغة في شكلها ومضمونها. نحن لا نعيش في بلد دولته تطبق أحكام الشريعة، ولا في ولاية فقيه، بل في دستور مختلط بين الفرنسي والبريطاني وبعض المكملات الإسلامية."

وبهذا المعنى، فإن ما يطرحه الباحث يلتقي مع ما يقوله مختصون في السياسة والدستور: أي دعوة للعلمانية في العراق لا تُضيف جديداً، لأن الدولة أصلاً قائمة على أساس مدني مختلط، وليست محكومة برجال دين.

أما النقطة الثانية التي يتوقف عندها أبو النواعير فهي الشباب. وهنا ينتقل ليقول: "معلوم لدينا أن كلمة شباب تطلق على فئة عمرية محددة بين 17 و30 عاماً. نحن نتحدث عن فئة صغيرة نسبياً لتحميلها مسؤوليات كبيرة. طبيعة المعرفة الإنسانية تراكمية، تتدخل فيها عوامل بطيئة حتى يصل الإنسان إلى النضج والرشد. فالحديث عن تأسيس أحزاب سياسية أو إدارة دولة يقودها شباب بعمر 20 أو 22 عاماً، ثم زجهم في معترك تتصارع فيه العقول والإرادات والخبرات الإقليمية والدولية، إنما هو تخريب لأهم مفصل من مفاصل الدولة."

هذا التحذير يلتقي – بحسب محللين – مع تجارب عالمية عديدة، حيث لم يُعهد أن تقاد الدول الكبرى من قبل أعمار صغيرة، بل أُنيطت المسؤولية بأكثر الناس خبرة وحكمة. الجمع بين "العلمانية المشوهة" وبين "زج صغار السن في السياسة"، كما يحذر أبو النواعير، يقود في نظره إلى "كوارث كبيرة، تزيد في خراب البلد، وتزيد في الاحتقان الداخلي، وتقود إلى فوضى واقتتال كبيرين، تكون نتيجتها تسيد دكتاتوريات دموية مستقبلية جديدة، تعيدنا إلى المربع الأول".

ولمزيد من التأكيد، يذكّر أبو النواعير بأن تجربة البعث كانت قائمة على مزيج من العلمانية المعادية للدين والشبابية الثورية، فـ"صدام ورفاقه لم تتجاوز أعمارهم 23-30 عاماً عندما سعوا لتثبيت حزب البعث في الحياة العامة، وكانت النتيجة معروفة من دماء وخراب."

هنا يصبح الاستنتاج أكثر وضوحاً: في النجف، ومع ما تحمله من ثقل ديني واجتماعي، فإن أي دعوات لولادة أحزاب علمانية شبابية ستصطدم أولاً بالبنية الاجتماعية الرافضة لما يُنظر إليه كعداء للدين، وثانياً بخبرة التاريخ العراقي نفسه.

ويختم أبو النواعير بقوله: "الحل من وجهة نظري هو أن يكون الدين حاضراً في الفعل السياسي كمراقب وموجه للسياسي، لا أن يكون حاكماً، ولا أن يكون مهملاً. بل يبقى حضوره الاعتباري والجماهيري القوي، كبوصلة تصحح الانحرافات، وكصوت عالٍ يزأر بوجه التعديات والإخفاقات والألاعيب السياسية."

وهكذا يبقى الباب مفتوحاً على احتمالات متناقضة: بين من يرى أن جيلاً جديداً من الناخبين الشباب قد يفتح الطريق أمام أحزاب مدنية، وبين من يؤكد أن العلمانية بصيغتها المشوهة في العراق لن تجد بيئة حاضنة في النجف، وستظل المرجعية الدينية البوصلة الأقوى في ضبط الإيقاع السياسي.

المصدر: بغداد اليوم+ دراسات وابحاث

أهم الاخبار

المالكي: التصويت على قائمة السفراء ضرورة.. مع استبعاد من تثبت بحقهم اتهامات

بغداد اليوم - بغداد أكد رئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، اليوم الجمعة (29 آب 2025)، أن التصويت على قائمة السفراء يجب أن يمضي قدما بمعالجة جادة. وقال المالكي في منشور على منصة "اكس"، تابعتها "بغداد اليوم": "عانت سفاراتنا

اليوم, 14:20