مقالات الكتاب اليوم, 20:54 | --
+A -A


العراق.. القضاء في اختبار الدولة

بغداد اليوم - بغداد 

مهند محمود شوقي

هناك لحظات في حياة الدول لا تكشف قوة مؤسساتها من خلال ما تقوله، بل من خلال ما تستطيع فعله. والعراق يقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات، لأن ما يجري لم يعد مجرد خلاف سياسي بين الحكومة والفصائل، ولا مجرد نقاش حول حضور رئيس مجلس القضاء الأعلى في المشهد العام، بل بات يتصل بالسؤال الأهم في أي دولة: من يملك القرار النهائي؟

خلف البيانات والتصريحات المتبادلة، يدخل العراق مرحلة شديدة الحساسية. فبيان كتائب حزب الله الأخير، بما حمله من شروط وتحذيرات للحكومة ورئيسها علي الزيدي، عكس حجم الاعتراض على مسار حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تحاول فيه الحكومة تحويل هذا المبدأ إلى سياسة قابلة للتنفيذ، مع تحديد 30 أيلول موعداً حاسماً.

لكن أزمة السلاح ليست منفصلة عن أزمة العلاقة بين القضاء والسياسة.

في قلب هذا المشهد يقف رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة من أكثر الشخصيات حضوراً وتأثيراً في الحياة العامة العراقية. وهذا الحضور لا يمكن اختزاله بسهولة في توصيف سياسي، فهو لا يقود حزباً ولا يمثل كتلة، وإنما يرأس مؤسسة دستورية يفترض أن تكون إحدى ركائز الدولة.

لقد ظهر اسم زيدان في ملفات تتعلق بالاستحقاقات الدستورية، والمواعيد الانتخابية، ومكافحة الفساد والإرهاب، والتعاون القضائي الدولي، إضافة إلى لقاءاته مع مسؤولين وقادة سياسيين. ويمكن النظر إلى جانب كبير من هذا الدور باعتباره دفاعاً عن انتظام عمل الدولة، لا تدخلاً في السياسة.

بل إن المفارقة أن اتساع حضور القضاء في المشهد العراقي قد لا يكون نتيجة رغبة القضاء في الاقتراب من السياسة، بقدر ما هو نتيجة تراجع قدرة السياسة نفسها على حل أزماتها من دون اللجوء إلى المؤسسات الأخرى.

وهنا تكمن أهمية فائق زيدان.

فهو لم يبن حضوره على خطاب حزبي، وإنما على موقعه الدستوري وعلى قدرة القضاء على أن يكون حاسماً عندما تصل الخلافات السياسية إلى حدود الدستور والقانون.

لذلك، فإن السؤال الأدق ليس: هل فائق زيدان سياسي؟

بل: هل أصبح القضاء في العراق مضطراً إلى الاقتراب من السياسة بسبب طبيعة النظام السياسي نفسه؟

في الأنظمة الديمقراطية، لا يعني استقلال القضاء انفصاله عن حياة الدولة، بل قدرته على التعامل معها من موقع مستقل. والقضاء القوي ليس القضاء الذي لا يؤثر في السياسة، وإنما الذي يؤثر فيها من خلال القانون.

وهنا يمكن استحضار تجربة جون مارشال في الولايات المتحدة، الذي كان من أكثر رؤساء المحكمة العليا تأثيراً في التاريخ السياسي والدستوري الأميركي، لكن مصدر تأثيره كان الأحكام وتفسير الدستور وترسيخ العلاقة بين السلطات. لقد أثر في السياسة من خلال القانون، لا من خلال المشاركة في التنافس السياسي.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي سلطة قضائية في العراق اليوم.

إذا كان تأثير فائق زيدان نابعاً من موقعه الدستوري ومن أحكام القضاء وحماية القانون، فإن ذلك يعكس حاجة العراق إلى قضاء قوي. أما إذا تحول هذا التأثير إلى مشاركة مباشرة في صناعة التوازنات السياسية، فستبرز الحاجة إلى إعادة رسم الحدود.

لكن العراق يواجه اليوم سؤالاً أكثر إلحاحاً: السلاح.

الدولة التي تريد فرض القانون تحتاج أولاً إلى أن تكون صاحبة القرار في استخدام القوة. ومن هنا، فإن رفض بعض الفصائل الانخراط في مسار حصر السلاح لا يمثل خلافاً سياسياً عادياً مع الحكومة، بل يضع مفهوم الدولة نفسه أمام اختبار.

يمكن للقوى السياسية أن تختلف حول الحكومة والاقتصاد والسياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية، لكن لا يمكن لنظام سياسي حديث أن يستقر إذا أصبح قرار استخدام القوة موزعاً بين أكثر من مركز.

السلاح هو آخر أدوات السلطة، ومن يملك قرار استخدامه يمتلك، في لحظة معينة، القدرة على التأثير في القرار السياسي نفسه.

ولهذا فإن 30 أيلول لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد موعد حكومي، بل باعتباره اختباراً لقدرة الحكومة على تحويل القرار إلى ممارسة.

وفي خضم هذا المشهد جاء اعتقال عباس حسين اليعقوبي، القيادي في حركة النجباء والمسؤول عن استخباراتها، وما رافق ذلك من جدل حول اعتقاله من قبل قوة مرتبطة بجهاز مكافحة الإرهاب ثم انتقاله لاحقاً إلى أمن الحشد الشعبي.

هنا ظهرت أسئلة تحتاج إلى إجابات مؤسساتية واضحة: لماذا اعتقلته جهة اتحادية؟ ما الأساس القانوني لنقله؟ ولماذا انتهى به الأمر إلى جهة أمنية تابعة للحشد؟

لا ينبغي تحويل هذه الأسئلة إلى اتهامات، كما لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بربط الاعتقال بصورة مباشرة بالتقارير التي تحدثت عن مخطط محتمل لاستهداف فائق زيدان. كما نفت حركة النجباء ارتباط اليعقوبي بالتهديدات الموجهة إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى.

لكن تزامن الأحداث يكشف حجم التشابك الذي وصلت إليه الملفات الأمنية والسياسية والقضائية في العراق.

والتقارير التي تحدثت عن محاولة محتملة لاستهداف فائق زيدان تضع المسألة في مستوى أكثر حساسية. فإذا ثبتت هذه المعلومات، فإن استهداف رئيس مجلس القضاء الأعلى لا يمكن التعامل معه باعتباره استهدافاً لشخص، بل باعتباره اعتداءً على مؤسسة دستورية يفترض أن تكون خارج دائرة الصراع السياسي والأمني.

وهنا تظهر قيمة القضاء مرة أخرى.

فقوة رئيس القضاء لا تكمن في أن يكون جزءاً من موازين القوى، وإنما في أن يكون قادراً على الوقوف فوقها. ولا تكمن في قربه من السياسيين، وإنما في قدرته، عندما تنتهي السياسة، على الاحتكام إلى القانون.

وهذه النقطة هي التي تجعل الحديث عن فائق زيدان مختلفاً عن الحديث عن أي شخصية سياسية أخرى. فالمطلوب ليس قضاءً منعزلاً عن الدولة، وإنما قضاءً مستقلاً داخل الدولة؛ قضاءً يستطيع أن يتعامل مع السلطة من دون أن يصبح جزءاً من صراعها.

وإذا دخل العراق في مواجهة حول السلاح، فإن القضاء سيكون حاضراً بالضرورة، لأن ملفات الاعتقال والمحاكمة والفساد والإرهاب والاعتداء على مؤسسات الدولة لا يمكن حسمها خارج القانون. وكلما ازدادت الحاجة إلى القضاء، ازدادت الحاجة إلى استقلاله.

وهذه هي المفارقة: كلما ازدادت قوة القضاء في حماية الدولة، ازدادت ضرورة حماية المسافة بينه وبين السياسة.

لذلك، فإن الدفاع عن استقلال فائق زيدان لا يعني الدفاع عن كل موقف يصدر عنه، كما أن طرح الأسئلة حول حدود حضوره العام لا يعني إضعافه أو التشكيك في القضاء. المطلوب أكثر نضجاً: قضاء قوي، وقواعد عمل واضحة.

العراق يحتاج إلى حكومة تستطيع تنفيذ قراراتها، وأجهزة أمنية تعرف مرجعيتها، وقضاء يستطيع تطبيق القانون، وقوى سياسية تعرف حدودها، وفصائل تدرك أن دورها، مهما كان تاريخها أو حجمها، لا يمكن أن يتحول إلى سلطة موازية للدولة.

فالاستقرار لا يصنعه توازن الخوف بين القوى، وإنما يصنعه وضوح المرجعيات.

والمستثمر لا يبحث فقط عن قانون جيد، بل عن حكومة تستطيع حماية القانون. والاتفاقات الدولية لا تحتاج فقط إلى حكومة توقعها، وإنما إلى مؤسسات قادرة على تنفيذها. وكلما بقي قرار القوة موزعاً بين أكثر من جهة، بقيت قدرة العراق على بناء اقتصاد مستقر وعلاقات خارجية مستقرة موضع اختبار.

لهذا فإن أزمة السلاح وأزمة العلاقة بين القضاء والسياسة تلتقيان عند السؤال نفسه:

من يملك القرار؟

هل القرار النهائي للحكومة ومؤسساتها؟ وهل القانون هو المرجعية عندما تصل الخلافات إلى لحظة الاختبار؟ وهل يستطيع القضاء أن يبقى فوق الصراع عندما يصبح الصراع قريباً من أبوابه؟

هذه الأسئلة لا تخص فائق زيدان وحده، ولا علي الزيدي وحده، ولا الفصائل وحدها. إنها أسئلة عن الدولة العراقية نفسها.

العراق لا يحتاج إلى قضاء ضعيف كي يحافظ على استقلال القضاء، ولا إلى حكومة تصطدم بالجميع كي تثبت قوتها، ولا إلى مواجهة شاملة مع الفصائل كي تثبت أنها دولة.

ما يحتاجه هو وضوح القواعد:

الحكومة تدير.

البرلمان يشرّع ويراقب.

القضاء يحكم.

الأجهزة الأمنية تنفذ القانون.

والسلاح يكون تحت سلطة الدولة.

قد تبدو هذه القواعد بديهية في الدول المستقرة، لكنها في العراق ما زالت اختباراً يومياً.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة لن تكون اختباراً لحكومة علي الزيدي وحدها، بل اختباراً للدولة كلها. وستكون أمام فائق زيدان، في موقعه الدستوري، مهمة لا تقل حساسية: الحفاظ على قوة القضاء من دون السماح بتحوله إلى طرف في الصراع، والإبقاء على القانون مصدراً للقوة، لا موازين القوى.

وفي النهاية، ليست قوة الدولة في أن تخيف خصومها، ولا قوة القضاء في أن يكون حاضراً في كل غرفة سياسية.

قوة الدولة أن تكون صاحبة القرار.

وقوة القضاء أن يكون قادراً على محاسبة صاحب القرار نفسه إذا خالف القانون.

وربما هنا تكمن الإجابة عن السؤال الذي يختصر كل ما يجري:

من يملك القرار؟

في الدولة الحديثة، يجب أن تكون الإجابة واضحة: الدولة تملك القرار، والقانون يحدد حدوده، والقضاء يحميه ويحاكم من يتجاوزه.

وبين هذه المعادلة وحدها يمكن للعراق أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.





أهم الاخبار

جريمة بحق البيئة.. القبض على شخص أحرق شجرة معمرة في السليمانية

بغداد اليوم - السليمانية أفاد مصدر امني في شرطة الغابات بمحافظة السليمانية، اليوم الأربعاء (19 آب 2026)، بإلقاء القبض على شخص أقدم على إحراق شجرة بلوط معمرة ضمن حدود قرية "ئالياوا". وقال المصدر لـ"بغداد اليوم"، إن "القوات

اليوم, 21:18