كتبت.. فينوس بابان
تجيء الدعوة الصريحة لزعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدرفي أعقاب التطورات الميدانية الأخيرة واستهداف المقار الأمنية لتضع المشهد السياسي العراقي والإقليمي أمام لحظة فارقة، إن المطالبة بتحييد العراق عن صراعات الوكالة ودعوة الحرس الثوري الإيراني والفصائل للتوقف عن إقحام البلاد في الحروب ليست مجرد موقف عابر، بل هي إعادة تعريف استراتيجية لقواعد اللعبة الأمنية وسيادة الدولة.
من يتأمل أبعاد المبادرة يدرك أنها لا تُخاطب العاطفة العامة فحسب بل تصيغ معادلة واقعية مفادها: إن الاستمرار في استنزاف الموارد عبر صراعات الوكالة والذارئع المتبادلة لم يعد خياراً مكلفاً فحسب، بل بات تهديداً مباشرا ًلاستدامة الدولة ووجودها.
تفكيك الرسائل والأبعاد الاستراتيجية
للشارع العراقي.. تحويل التعبئة إلى مشروع استقرار
استجابة للإنهاك المجتمعي.. إعادة رسم العلاقة مع الجمهور بطرح السيد الصدر كـ صمام أمان لمشروع الدولة والسلام والتنمية بدلاً من دور قائد الاحتجاجات والتجييش الميداني.
السيادة والكرامة.. ربط أمن المواطن اليومي بفرض السيادة الاتحادية وكبح التصرفات التي تمنح الذرائع للعدوان الخارجي.
إنهاء الحروب بالإنابة.. ترسيخ مبدأ العراق أولاً برفض تحويل أراضيه إلى مسرح للصراعات الإقليمية.
لصانع القرار والحكومة.. غطاء سياسي ومسؤولية تاريخية
تفعيل السلطة والحوكمة.. منح الجهاز التنفيذي غطاءً سياسياً لإسقاط الذرائع وتحويل السيادة الشكلية إلى سيادة فعلية تُفرض على المعابر والمؤسسات وحصر السلاح.
السلام كشرط تنموي.. التأكيد على أن المشاريع الاستراتيجية (كـ طريق التنمية والحوكمة الرقمية) لا يمكن أن تثمر في بيئة مهددة بالسلاح المنفلت مما يجعل السلام شرطاً وجودياً للتنمية.
حصرية قرار الحرب والسلم.. تؤكد المبادرة في جوهرها على ضرورة العودة الصارمة إلى الأحكام الدستورية التي تنص بوضوح على أن قرار الحرب والسلم وحمل السلاح هو اختصاص حصري للمؤسسات الاتحادية الدستورية ولا يحق لأي طرف مجتمعي أو حزبي أو إقليمي موازاة سلطة الدولة.
البنية التحتية غير المرئية.. إن السلام الاستراتيجي ليس مجرد غياب للقتال بل هو البنية التحتية غير المرئية التي بدونها تتحول كافة المشاريع التنموية والخطط الاستثمارية إلى مجرد مشاريع مؤجلة تحت تهديد أزمات مفاجئة.
الرسالة للجوار الإقليمي والدولي.. إعادة ترسيم قواعد الاشتباك والتعايش
تتجه بوصلة هذه الدعوة بقوة نحو الجوار الإقليمي بأطرافه المتعددة (إيران، دول الخليج العربي، وتركيا) متضمنةً صياغة جديدة للعلاقات قائمة على المصلحة المتبادلة ورفض سياسات الهيمنة أو تحويل العراق إلى ساحة صراع:
تحديد خطوط حمراء للفاعلين الإقليميين.. عبر المطالبة المباشرة للحرس الثوري الإيراني بوقف استهداف الأراضي العراقية وفي الوقت نفسه تحذير الفصائل الداخلية من إعطاء الذرائع لدول الخليج أو غيرها لاستهداف العراق تتشكل ملامح عقيدة أمنية عراقية متوازنة ترفض تبعية القرار السياسي أو العسكري لأي محور.
دعوة للتكامل لا للمواجهة.. تُقرأ المبادرة كدعوة صريحة للابتعاد عن محاور التطبيع أو القواعد والأجندات الاستعمارية وتأطير العلاقات الإقليمية ضمن حسن الجوار، الاستقرار المتبادل والشراكات الاقتصادية المتكافئة.
اختبار آليات التنفيذ
رغم القوة السياسية والدلالية للمبادرة، تظل العبرة والرهان الأكبر قائمين على معضلة التنفيذ والضمانات العمليّة، إن أي خطوة نحو إقرار السلام الداخلي والإقليمي ستواجه اختبارات هيكلية محددة:
آليات حصر السلاح وضبط السلوك.. الانتقال من الدعوة السياسية إلى وضع جدول زمني مؤسسي لتطبيق سيادة القانون وضبط الأسلحة والمجموعات المنفلتة خارج إطار الدولة.
ضبط الحدود والمنافذ.. تفعيل أدوات الرقابة السيادية الشاملة لمنع استخدام الأراضي العراقية كممر أو منصة لأعمال عسكرية إقليمية أو نقطة انطلاق للتصعيد.
التوافق الوطني الاتحادي.. بناء آلية حوار بين بغداد وأربيل والقوى الوطنية لتأطير هذه الدعوة ضمن رؤية أمنية واقتصادية موحدة تمنع أي طرف من الالتفاف على مبدأ السيادة الوطنية.
خارطة طريق إلى أين؟
إن المبادرة التي أُطلقت تحت عنوان العراق بحاجة إلى السلام ورسائلها الحازمة ضد استنزاف المقدرات لا ينبغي أن تُعامل كشعار سياسي عابر في موسم الاستقطابات بل يجب أن تُقرأ بكونها فرصة استراتيجية لصياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد، عقد ينقل العراق من مفهوم الساحة الرخوة إلى مفهوم الدولة الجسر التي تبني استقرارها الداخلي وتُسهم في توازن الإقليم.
إن تحويل هذه المبادرة إلى واقع ملموس يتطلب خطوات جادة ومزمنة:
من جانب الحكومة وصناع القرار.. استثمار هذا الغطاء السياسي الصريح لتعزيز إجراءات حصر السلاح وحماية حدود البلاد الدستورية وفرض سيادة القانون بصرامة ودون استثناء.
من جانب القوى السياسية الوطنية.. الارتقاء بالخطاب السياسي وتجاوز الحسابات الضيقة والإصغاء لمطلب الشارع في حماية مقدرات البلاد والتفرغ لبناء دولة المؤسسات والخدمات.
من جانب دول الجوار.. استيعاب التحول في الداخل العراقي وإدراك أن عراقاً قوياً ومستقراً ومستقلاً هو الضمانة الحقيقية لأمن المنطقة بأسرها بينما يمثل العراق الضعيف المتصارع خبراً سيئاً للجميع دون استثناء.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الحروب بالوكالة واستنزاف الثروات لم تنتج سوى الهشاشة والفقر واليوم تقف الدولة العراقية بكافة مكوناتها ومؤسساتها أمام اختبار التاريخ: إما الترجمة العملية لشعار السلام والتنمية وسيادة القانون، أو البقاء في دوامة الاستنزاف المفتوحة.
بغداد اليوم - بغداد كشف مصدر مطلع، اليوم الاربعاء ( 29 تموز 2026 )، عن عقد الإطار التنسيقي اجتماعًا طارئًا عند الساعة الثامنة من مساء اليوم، لمناقشة التطورات الأمنية الأخيرة، وفي مقدمتها الاستهداف الأمريكي - السعودي. وقال المصدر، في حديث لـ"بغداد