بغداد اليوم - بغداد
بقلم: المتحدث الرسمي لائتلاف الإعمار والتنمية الدكتور فراس المسلماوي
في عالم السياسة وإدارة الدولة، ثمة فارق جوهري بين من يستنزف الوطنية في صخب المزايدات، ومن يصوغها بصبر المباشرين لثقل المسؤولية. فالسيادة الحقيقية ليست خطبة عصماء تُلقى في لحظة انفعال، ولا هي شعار يُرفع لمغازلة العواطف؛ السيادة في جوهرها هي "قدرة الدولة على إملاء إرادتها بالحكمة، واستعادة قرارها بالحقائق".
حين تولى دولة رئيس مجلس الوزراء المهندس محمد شياع السوداني قيادة الجهاز التنفيذي، لم تكن الطريق مفروشة بالورد. كان المشهد الإقليمي يغلي على جمر الصراعات، والداخل العراقي مثقلاً بركام التجاذبات، ومع ذلك اختار المسار الأكثر تعقيداً وشجاعة: مسار التفاوض الناجز، والدبلوماسية الهادئة الرصينة، وإدارة المصالح العليا بعقل الدولة لا بجموح اللحظة.
على امتداد تلك الرحلة الشاقة، لم تخلُ الطريق من السهام. فقد تعرض إلى أشرس الحملات السياسية والإعلامية وصلت حد التشكيك والتجريح، لكن الكبار في تاريخ الأمم هم أولئك الذين يملكون القدرة على ابتلاع ضجيج المعارضين، والتركيز الثابت على "بوصلة الوطن". مضى السوداني ثابتاً في تفاوضه مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي، واضعاً نصب عينيه هدفاً شامخاً لا يقبل التجزئة: الانتقال بالعلاقة من صندوق "المهمة العسكرية للتحالف" إلى رحاب "العلاقات الأمنية الثنائية المتكافئة" القائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
في كانون الثاني 2024، انطلقت أعمال اللجنة العسكرية العليا (HMC)، ولم تكن مجرد اجتماعات بروتوكولية، بل كانت ساحة لعصر العقول وتقييم التهديدات وقدرات قواتنا المسلحة بمنطق الفن العسكري لا بالأهواء السياسية. وبعد تسعة أشهر من الحوار الصارم والمضني، حُسم الأمر في 27 أيلول 2024 بالإعلان التاريخي عن الجدول الزمني لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف (أيلول 2025 - أيلول 2026).
إن الإنجاز الحقيقي لا يكمن فقط في الوصول إلى الاتفاق، بل في كونه جرى بأرقى أدوات التفاوض وفي أشد لحظات المنطقة اضطراباً. لم يُفرَض الاتفاق بصدام يُبدد المقدرات، بل صيغ بعقل هندسي احترافي كرس شراكة أمنية ثنائية تحفظ هيبة العراق وتصون أمنه.
واليوم، ونحن نقف في ظلال الثلاثين من أيلول، فإن إنصاف التاريخ يتطلب منا ألا ننسى الإرادة التي فتحت هذا الملف المغلق، واليد التي أمسكت بالمشرط السياسي ببراعة حتى تحولت المطالب الوطنية إلى جداول، ومواعيد، وآليات تنفيذ ملزمة.
لقد برهن محمد شياع السوداني أنه حقاً "مهندس الدبلوماسية المنتجه" و"بطل السيادة العراقية"؛ فقد أثبت للجميع أن الدول لا تُبنى بالصراخ، بل برباطة الجأش، والقدرة على تحويل التحديات الجسام إلى محطات فارقة في تاريخ الأوطان.
تحية إجلال لهذا المسار الشجاع، وتهنئة من القلب لكل من آمن بأن العراق أعمق وأكبر من أن تُسلب إرادته.
بغداد اليوم - بغداد بقلم: المتحدث الرسمي لائتلاف الإعمار والتنمية الدكتور فراس المسلماوي في عالم السياسة وإدارة الدولة، ثمة فارق جوهري بين من يستنزف الوطنية في صخب المزايدات، ومن يصوغها بصبر المباشرين لثقل المسؤولية. فالسيادة الحقيقية ليست خطبة عصماء