كتب.. عماد سنوسي
لم يعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخفي حاجته الماسة إلى اتفاق مع إيران، فبعد أشهر من المواجهة العسكرية المفتوحة التي بدأها بنفسه، وجد نفسه محاصرا بين جدران استراتيجيته المنهارة، لقد راهن ترامب على أن خنق إيران اقتصاديا وقصف منشآتها النووية سيجبرها على الركوع، لكن ما حدث كان العكس تماما، فقد كشفت الحرب عن الصلابة المدهشة لدولة ظل الغرب يظن أنها منهكة بعد أكثر من أربعة عقود من العقوبات المتصاعدة، واليوم، وقد فشلت كل أوراق القوة التي لوّح بها، لم يجد ترامب مخرجا إلا ما كان يرفضه بالأمس، التفاوض على اتفاق جديد.
دفن الدبلوماسية وإحياء الأزمة
يمكن إرجاع جذور المأساة الحالية إلى لحظة واحدة، ذلك اليوم من مايو 2018 حين قرر ترامب، بإملاء من غروره السياسي، تمزيق خطة العمل الشاملة المشتركة التي كانت تقيد البرنامج النووي الإيراني بأشد نظام تفتيش في التاريخ، آنذاك، وصف ترامب الاتفاق بأنه "متعفن وفاسد"، زاعما أنه لا يمنع طهران من الحصول على القنبلة، لكن الحقيقة، التي يرويها الآن حتى منتقدوه، أن هذا الاتفاق كان السبيل الوحيد لمنع إيران من التقدم النووي، ونقلا عن تحليل لصحيفة "واشنطن مانثلي"، فإن ترامب هو من "أجهض بنفسه الاتفاق النووي الذي وفر مراقبة لبرنامج طهران، والذي كان من الممكن أن يمنع هذه اللحظة الكارثية".
لم يكتف ترامب بالانسحاب، بل شن حملة "ضغط أقصى" جائرة، واصفا إياها بأنها "أشد عقوبات نفرضها على الإطلاق"، لكنه نسي أن إيران تتفوق في فن الصمود تحت الحصار، فهي دولة تمتد جذورها في التاريخ لآلاف السنين، وتملك ذاكرة عضوية في مقاومة الضغوط الخارجية، لقد راهن ترامب على انهيار النظام تحت وطأة الجوع والفقر، ولكنه لم يحصد سوى تعزيز قبضة المتشددين في طهران وإطلاق العنان لبرنامج نووي بلا قيود.
لماذا يسعى ترامب الآن للاتفاق؟
بعد أن استنفد ترامب خيار القوة العسكرية المباشرة، انتقل إلى الحرب الاقتصادية الشاملة عبر فرض حصار بحري على مضيق هرمز، كانت الفكرة، كما نقلت "سي إن إن"، تبدو "عبقرية" في ذهنه، "خنق صادرات النفط الإيرانية سيؤدي إلى انهيار المجتمع وتوليد ضغط هائل على النظام للاستجابة لمطالبنا، "لكن الاستراتيجية التي بنيت على نظرية "لم تثبت صحتها" اصطدمت بواقع قاسٍ، فلم تنهر إيران، بل ردت بإغلاق كامل للمضيق، مفجرة أزمة طاقة عالمية رفعت أسعار البنزين في أمريكا إلى مستويات جنونية، ومُنيِعةً بذلك أي نصر أمريكي سريع.
هنا تكمن المفارقة المرة، إن تخبط ترامب الحالي وراء أي "مذكرة تفاهم من صفحة واحدة" ليس ناتجا عن حكمة استراتيجية، بل هو اعتراف ضمني بالفشل العسكري، ونقلا عن تحليل لشبكة "سي إن إن" بعنوان "ترامب عالق بين فخين صنعهما بنفسه"، فإن الرئيس الأمريكي بات عاجزا عن إنهاء الحرب بتكلفة عسكرية مقبولة بعد أن أثبتت إيران أنها قادرة على الصمود بضراوة، إنها المرة الأولى التي تطمح فيها قوة عظمى إلى اتفاق سلام، لا لأنها انتصرت، بل لأنها عجزت عن هزيمة دولة أنهكتها أعوام كثيرة من العقوبات والحصار، دولة حوّلت المعاناة إلى سلاح والمضائق إلى رهائن، وهكذا، حوّل ترامب الولايات المتحدة من قائدة للدبلوماسية العالمية إلى متسوّل يلهث وراء اتفاق لا يستطيع انتزاعه بالقوة.
والمفارقة الأعمق أن واشنطن أعادت، بوعي أو بغيره، إنتاج السيناريو ذاته الذي سبق غزو العراق عام 2003، هناك أيضا راكمت سنوات من الحصار الخانق والعقوبات الاقتصادية القاسية بهدف إنهاك الدولة والمجتمع تمهيدا للضربة العسكرية الحاسمة، لكن ما جرى في إيران أثبت أن "الاستنزاف قبل الغزو" لا يفضي تلقائيا إلى الانهيار، فبرغم العقود الطويلة من العقوبات المتصاعدة، والحرب الاقتصادية التي بلغت ذروتها في الحصار البحري، لم تظهر حتى هذه اللحظة مؤشرات موثوقة على اقتراب النظام في طهران من السقوط، كما لم تحقق القوات الأمريكية أي انتصار عسكري استراتيجي يغير موازين الحرب، وحتى طاولة المفاوضات التي لجأت إليها الإدارة رغما عنها لا تقدم دليلا واحدا على أن إيران ستقبل بالشروط الأمريكية المذلة، ومع ذلك تقف أمريكا بلا حلول حقيقية، مترددة في العودة إلى الخيار العسكري الذي جُرّب وفشل، وتخشى مغبة الانسحاب الذي سيكتب شهادة وفاة سياسية لترامب، إنه تماما مأزق القوة العظمى التي راهنت على تكرار التاريخ، فأبت إيران إلا أن تكتب تاريخا مختلفا.
بغداد اليوم- بغداد أعلنت قيادة شرطة بغداد/ الكرخ، اليوم الجمعة، ( 8 أيار 2026 )، كشف ملابسات حادث دهس أدى لوفاة امرأة مسنة وإلقاء القبض على المتهم الهارب في وقت قياسي. وذكرت شرطة الكرخ في بيان، تلقته "بغداد اليوم"، أنه "ونظراً لأهمية