بغداد اليوم – بغداد
منذ عقدين تقريبًا، كان "الاختراق" يرتبط في الذهن بصورة هاكر فرد يجلس في غرفة مظلمة، يبحث عن ثغرة في بريد إلكتروني أو حساب موقع تواصل. اليوم تغيّر المشهد جذريًا: أصبحت أدوات الاختراق صناعة كاملة، تُباع بعقود رسمية إلى حكومات وأجهزة أمنية، وتُستخدم في كثير من الحالات ليس ضد "الإرهاب والجريمة المنظمة" فقط، بل ضد الصحفيين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان في دول ديمقراطية وسلطوية على حدّ سواء. بالتوازي، ظهرت أدوات أقلّ ضجيجًا من برامج التجسّس الكلاسيكية، مثل "البصمة الرقمية"، لتمنح من يملكها القدرة على تتبّع الأشخاص بصمت، حتى من دون اختراق أجهزتهم بشكل مباشر.
من أدوات هاوية إلى شركات تجسّس تجارية
خلال السنوات الأخيرة تشكّلت سوق عالمية لـ"بائعي المراقبة التجارية"؛ شركات خاصة تطوّر برمجيات تجسّس معقّدة، تعتمد على ثغرات "زيرو-كليك" في الهواتف الذكية، وتبيعها للحكومات ضمن عقود رسمية. أبرز مثال على ذلك برنامج "بيغاسوس" الذي تطوّره شركة إسرائيلية، والقادر على اختراق هواتف تعمل بنظامي iOS وAndroid من دون أن يضغط الضحية على أي رابط، ومن ثمّ الوصول إلى الرسائل، والمكالمات، والموقع الجغرافي، وحتى تشغيل الكاميرا والمايكروفون عن بُعد.
مشروع "بيغاسوس" الصحفي الذي تعاونت فيه عشرات وسائل الإعلام الدولية بالتنسيق مع منظمات حقوقية، كشف عن قوائم تضم عشرات آلاف أرقام الهواتف لأهداف محتملة، بينها صحفيون، ومحامون، وحقوقيون، وسياسيون من دول مختلفة، ما أظهر حجم استخدام هذه التقنيات خارج إطار "مكافحة الإرهاب" المعلن.
لاحقًا، لم يعد الأمر مقتصرًا على شركة واحدة. تقارير أوروبية ودولية كشفت عن استخدام برامج تجسّس أخرى مثل "بريداتور"، وهو برنامج يستهدف الهواتف عبر روابط خبيثة، واستُخدم ضد معارضين وصحفيين في أكثر من بلد. كما ظهرت شركات أخرى بمنتجات مثل "غرافيت"، الذي استُخدم لاستهداف صحفيين أوروبيين، وأثار نقاشًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي حول تقنين تجارة برمجيات التجسّس.
وفي بلدان أخرى، بينها دول في أميركا اللاتينية وأفريقيا، وُثّق استخدام هذه البرمجيات من قبل أجهزة أمنية رسمية ضد صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، رغم تصريحات حكومية تنفي ذلك أو تقلّل منه، ما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية على الأرض.
بهذا الشكل، تحوّلت أدوات الاختراق من برمجيات هاوية متبادلة في منتديات سرّية، إلى "منتج رسمي" تُبرم حوله عقود بملايين الدولارات، وتُغطّيه أحيانًا ذرائع "مكافحة الإرهاب والجريمة"، بينما استخدامه الفعلي يمتد إلى إسكات أصوات صحفية وحقوقية مزعجة للسلطات.
حين يصبح الصحفي "هدفًا أمنيًا": من سجن الهاتف إلى سجن الواقع
تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية تحذّر منذ سنوات من أن استخدام برامج التجسّس ضد الصحفيين لا يعني فقط انتهاك الخصوصية، بل ضربًا مباشرًا لحرية الصحافة وسلامة المصادر؛ لأن اختراق هاتف صحفي واحد يعني عمليًا فتح ملف كامل لشبكة علاقاته واتصالاته ومصادره السرّية ورسائله مع الضحايا أو المبلّغين.
أمثلة الاستهداف تمتد من صحفيين في أوروبا وشرق أفريقيا وأميركا اللاتينية، تعرّضت أجهزتهم للاختراق، إلى ناشطين تمّت مصادرة هواتفهم واستخراج محتوياتها باستخدام أدوات جنائية متقدّمة. في كل هذه الحالات، لم يعد الصحفي يواجه فقط خطر "الملاحقة القانونية" أو "الدعاوى الكيدية"، بل منظومة تقنية قادرة على تحويل هاتفه الشخصي إلى جهاز تنصّت متنقّل، يرافقه في البيت والعمل واللقاءات الخاصة، ويُنتج ملفًا كاملاً يمكن أن يُستخدم ضده وضد من يتواصل معهم، سياسيًا أو أمنيًا أو حتى قضائيًا.
البصمة الرقمية.. التجسّس من دون اختراق
إلى جانب برامج التجسّس "الخشنة" التي تقتحم الهاتف أو الحاسوب، ظهرت طبقة أخرى أكثر هدوءًا وخطورة في الوقت نفسه: البصمة الرقمية. الفكرة بسيطة من حيث المبدأ: كل جهاز متصل بالإنترنت يرسل مجموعة من البيانات الظاهرية عندما يفتح صفحة أو تطبيقًا معيّنًا؛ نوع المتصفّح، نظام التشغيل، دقّة الشاشة، اللغة المفضّلة، نوع الخطوط المثبّتة، المنطقة الزمنية، وحتى بعض مواصفات العتاد. كل معلومة لوحدها تبدو عادية، لكن تجميعها معًا ينتج "بصمة" غالبًا ما تكون شبه فريدة لكل مستخدم، تسمح بتتبّعه حتى لو غيّر الـIP، أو استعمل VPN، أو حذف الكوكيز.
في الأصل، استُخدمت هذه التقنية في البنوك وشركات الدفع الإلكتروني للكشف عن الاحتيال ومحاولات سرقة الحسابات، لكن مع الوقت بدأ استخدامها في الإعلانات الموجّهة، وتتبع المستخدمين لأغراض تجارية، ومع غياب تنظيم قانوني دقيق في كثير من الدول، يمكن بسهولة أن تتحوّل إلى أداة مراقبة خفية بيد الحكومات أو الشركات الأمنية الخاصة.
خطر البصمة الرقمية بالنسبة للصحفيين والناشطين لا يقلّ عن خطر برامج التجسّس التقليدية؛ لأنّها تسمح نظريًا بما يلي:
-تتبّع تصفّح جهاز معيّن عبر مواقع مختلفة، حتى لو لم يُسجّل الدخول باسمه الحقيقي.
-الربط بين هويات متعدّدة لنفس الشخص (حسابات وهمية، أو متصفّحات مختلفة) من خلال البصمة التقنية المشتركة.
-بناء ملف سلوكي طويل الأمد حول عادات التصفّح والموضوعات الحسّاسة التي يبحث عنها الصحفي أو الناشط.
وفي هذا السياق، يقدّم الخبير في التقنيات الرقمية علي العمران زاوية عمليّة لكيفية التعامل مع هذا الخطر المتصاعد للبصمة الرقمية على حياة الأفراد وبياناتهم الشخصية.
البصمة الرقمية خطر يهدّد بياناتك الشخصية… هكذا تقلّل المخاطر
قال العمران، لـ"بغداد اليوم"، إن "حذف البصمة الرقمية يشمل مراجعة كافة المعلومات الشخصية المتاحة على الشبكة، سواء كانت في مواقع التواصل الاجتماعي، المنتديات، أو حتى السجلات العامة، واتخاذ خطوات عملية لتقليل وجودها أو إزالتها بالكامل".
وبيّن أن "البيانات التي تُترك متاحة علنًا يمكن أن تُستغلّ في عمليات الاحتيال المالي، الابتزاز الإلكتروني، أو حتى لاستهداف الأشخاص بالإعلانات الموجّهة بطرق غير أخلاقية".
وأضاف أن "هناك عدة خطوات عملية يمكن للمستخدمين اتباعها لحذف أو تقليل البصمة الرقمية، منها مراجعة وحذف الحسابات القديمة أو غير المستخدمة على مواقع التواصل الاجتماعي، مع ضبط إعدادات الخصوصية لتقليل الوصول إلى المعلومات الشخصية، مع استخدام أدوات البحث لحذف البيانات المخزّنة لدى محركات البحث، مثل طلب إزالة النتائج الشخصية من غوغل أو غيرها من المنصّات".
وتابع أنه "من ضمن تلك الخطوات الانتباه لمشاركة المعلومات الشخصية على الإنترنت، وعدم إدراج بيانات حسّاسة في أي منصّات عامة، بالإضافة إلى الاستعانة بخدمات شركات متخصّصة في حماية الخصوصية الرقمية لإزالة المعلومات من قواعد البيانات العامة أو التجارية".
وشدّد العمران أن "الإجراءات الوقائية لا تعني اختفاء الشخص من الإنترنت بشكل كامل، لكنها تقلّل من المخاطر بشكل كبير، وتمنح المستخدم سيطرة أكبر على بياناته، والتوعية المستمرة بمخاطر البصمة الرقمية ضرورة، ويجب أن تكون جزءًا من برامج التعليم الرقمي والتدريب المهني".
تطوّر المتصفّحات لاحقًا – بدرجات متفاوتة – للحد من هذه الممارسات؛ مثل محاولات بعض المتصفّحات تقليل إمكانية تمييز المستخدمين عبر البصمة في وضع التصفّح الخاص أو أنماط الحماية الصارمة، لكن كثيرًا من الخبراء يرون أن التخلّص الكامل من البصمة الرقمية شبه مستحيل من دون تضحيات كبيرة في قابلية الاستخدام وسرعة الإنترنت، ما يجعل سلوك المستخدم وإعداداته وخياراته خط الدفاع الأول قبل أي حلول تقنية.
ماذا يعني كل ذلك للصحفيين والناشطين في منطقتنا؟
في بيئة مثل الشرق الأوسط، حيث الحماية القانونية للخصوصية ضعيفة غالبًا، وحيث تُستعمل قوانين فضفاضة لـ"الأمن القومي" و"الأخبار الكاذبة" و"الإساءة لسمعة الدولة" ضد الصحفيين، يصبح اجتماع عنصرين معًا – برامج تجسّس متقدّمة + بصمة رقمية شاملة – وصفة مثالية لخنق الفضاء العام.
الصناعة العالمية لبرمجيات التجسّس ما زالت مزدهرة؛ لأن الطلب الحكومي عليها مرتفع، والتكلفة أقلّ بكثير من تطوير قدرات اختراق داخلية من الصفر، ولأن الشركات المورّدة قادرة دائمًا على إعادة تسمية منتجاتها أو تغيير الواجهات القانونية للعقود كلّما ظهرت فضيحة جديدة.
في المقابل، لا يزال وعي الصحفيين والناشطين في كثير من الدول – ومنها العراق – بمستوى التهديد التقني أقل من حجم الخطر الفعلي؛ فالهاتف الشخصي يُعامل كأداة عمل عادية، مع خلط كامل بين الحياة الخاصة والمهنية، واستخدام ضعيف لأدوات الحماية، وغياب بروتوكولات واضحة لحماية المصادر الرقمية.
ما بين التشريع والوعي.. السباق المفتوح
الصورة العامة تشير إلى سباق مفتوح بين ثلاث قوى:
-شركات وبرمجيات تجسّس تتطوّر بسرعة، وتنتقل من "بيغاسوس" إلى "بريداتور" و"غرافيت" وأدوات أخرى أقل شهرة.
-محاولات تشريعية دولية وأوروبية وأممية لوضع قيود على تصدير هذه البرمجيات واستخدامها، لكنها تتحرّك ببطء مقارنة بسرعة التطوّر التقني.
-وعي رقمي صحفي وحقوقي ما زال في طور التكوين، يحتاج إلى دعم مؤسساتي، وتدريب حقيقي، وأدوات عملية للحماية.
ولا يكفي أن يدرك الصحفي أو الناشط أن هاتفه يمكن اختراقه، أو أن بصمته الرقمية يمكن تتبّعها، بل يحتاج إلى منظومة حماية كاملة: من سلوك رقمي واعٍ، وفصل بين الأجهزة الشخصية والمهنية، واعتماد قنوات تواصل مشفّرة قدر الإمكان، واستخدام متصفّحات وإعدادات تقلّل من إمكانية التتبّع، إلى جانب الضغط من أجل تشريعات تحظر استخدام برمجيات التجسّس ضد الصحفيين، وتفرض شفافية على عقود شراء هذه الأدوات.
في زمن تتحوّل فيه "أدوات الاختراق" إلى خدمة رسمية تُشترى وتُباع، تصبح حماية سرّية العمل الصحفي واستقلاليته مرهونة بقدرة العاملين في الإعلام على إتقان لغة الأمن الرقمي وجعلها جزءًا أساسيًا من ممارساتهم المهنية اليومية.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات