سياسة 19-02-2026, 17:29 | --
+A -A


التيار الوطني الشيعي يرد عبر "بغداد اليوم" على اتهامات "الأدوار الخفية والتحركات السرية"

بغداد اليوم – بغداد

أكد مصدر مسؤول في التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري)، اليوم الخميس ( 19 شباط 2026 )، عدم وجود أي دور للتيار في الأزمة السياسية الراهنة.

وقال المصدر لـ"بغداد اليوم" إنّ "قيادة التيار لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالأزمة السياسية الراهنة، ولا تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في مجريات المشهد السياسي أو الخلافات القائمة بين القوى والأطراف المختلفة".

وبيّن المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنّ "موقف التيار الصدري ما يزال ثابتًا كما أُعلن عنه سابقًا، والمتمثّل بالمقاطعة السياسية الشاملة، وعدم الانخراط في أي حوارات أو تفاهمات أو اتصالات سياسية مع أي طرف، وهذا القرار نابع من قناعة راسخة بضرورة الابتعاد عن التجاذبات والصراعات التي لم تحقّق تطلّعات الشارع العراقي".

ومنذ استقالة الكتلة الصدرية من مجلس النواب وتحويل ثقلها الشعبي من داخل البرلمان إلى الشارع، بات التيار الصدري يُعرّف نفسه بوصفه "خارج العملية السياسية"، ولو أنّ تأثيره ظل حاضرًا بقوة في حسابات القوى التقليدية. انسحاب التيار، الذي جاء بعد أشهر من الانسداد السياسي والنزاع على تشكيل الحكومة وتوزيع المناصب، ترك فراغًا كبيرًا في خريطة التمثيل الشيعي، وسمح لقوى الإطار التنسيقي بإعادة توزيع المقاعد واستكمال تشكيل الحكومة، لكنه في المقابل أبقى باب التأويل مفتوحًا حول موقع التيار من أي أزمة لاحقة.

وأضاف المصدر أنّ "ما يُتداول من أنباء أو تحليلات تربط التيار الصدري بالأزمة الحالية أو تحاول الإيحاء بوجود دور خفي له، عارٍ عن الصحّة، ويأتي في إطار محاولات تحميل أطراف غير مشاركة في العملية السياسية مسؤولية تعقيدات المشهد القائم".

هذه الاتهامات غير المعلنة، أو الإيحاءات المتكررة في الخطاب السياسي والإعلامي، دفعت مصادر في التيار أكثر من مرّة إلى إصدار مواقف تنفي أي دور في ما يجري، وتؤكد أنّ قرار المقاطعة ليس تكتيكًا ظرفيًا، بل خيارًا سياسيًا متواصلًا منذ لحظة الانسحاب، وأنّ أي محاولة لربط التيار بأزمات الحكم الحالية تهدف إلى "إشراك الغائب" في تحمل مسؤولية تعقيدات صنعها الموجودون على طاولة السلطة.

في المقابل، لا يخفي خصوم التيار أو بعض المراقبين قلقهم من أنّ استمرار هذا الوضع الرمادي، حيث يبقى تيار شعبي واسع خارج المؤسسات الرسمية لكنه حاضر أخلاقيًا وإعلاميًا، يجعل أي أزمة قابلة للتحوّل بسرعة إلى أزمة شارع، إذا ما تقاطعت الظروف السياسية مع دعوات التعبئة. لكنّ التيار، في خطاباته الأخيرة، يحاول تكريس صورة "المراقب غير المتدخل" الذي يراقب من بعيد ولا يرغب في أن يُستدرج إلى صراع سياسي لا يؤمن بجدواه في صيغته الحالية.

وختم المصدر المسؤول في التيار الوطني الشيعي قوله إنّ "التيار يراقب التطوّرات من موقعه المعلن خارج العملية السياسية، مع التأكيد على أنّ أولويته تبقى مصلحة الشعب العراقي والحفاظ على الاستقرار العام".

وخلال السنوات التي تلت، ظلّ التيار حاضرًا في كل قراءة للمشهد، حتى عندما يعلن المقاطعة. الأطراف المتخاصمة تستحضر اسمه في صيغ مختلفة: مرّة كـ"طرف غائب يمكن أن يعود في أي لحظة ويقلب المعادلة"، ومرّة كـ"مسؤول غير مباشر عن الفراغ" الذي نشأ بعد استقالة نوابه، ومرّة ثالثة كـ"قوة شعبية" قد تتحرك في الشارع إذا اشتدّ الاحتقان. هذا الاستخدام المتكرر لاسم التيار جعل أي توتر سياسي جديد يُربط به، سواءً أكان مشاركًا فعلًا أم مكتفيًا بالمراقبة.

من جهة أخرى، اختار التيار تثبيت صورة "الانسحاب الكامل" في الخطاب الرسمي، من خلال التأكيد المتكرر على قطع الجسور مع قنوات التفاوض التقليدية، ورفض حضور الاجتماعات والحوارات التي ترعاها القوى الشيعية أو الرئاسات، مع الإبقاء على خطاب عام يتحدّث عن "الإصلاح" و"محاربة الفساد" و"إرادة الشعب". هذا الموقف خلق حالة رمادية: تيار يملك رصيدًا شعبيًا واسعًا، لكنه يعلن المقاطعة، في وقت تستمر فيه العملية السياسية من دونه، وتتراكم الأزمات التي تُحمَّل تارة على الموجودين وتارة على الغائبين.

وفي كل أزمة حكومية أو برلمانية أو خلاف على المناصب العليا، يظهر التيار الصدري في واجهة التحليلات بوصفه "الرقم الغائب الحاضر". بعض القوى تحاول إقناع قواعدها بأنّ تعقّد المشهد مردّه إلى "انسحاب الصدريين" وما خلّفه من اختلال في موازين القوى داخل الساحة الشيعية، وبعض القراءات تذهب أبعد من ذلك فتلمّح إلى وجود "قنوات سرّية" أو "أدوار غير معلنة" للتيار في إدارة التوازنات، سواء عبر علاقاته الاجتماعية الواسعة أو عبر نفوذ رمزي وشعبي ما زال قائمًا.

تأكيد المصدر على أنّ "التيار يراقب التطورات من موقعه المعلن خارج العملية السياسية" يعكس خشية واضحة من أن يتحول التيار إلى "شمّاعة" تُعلّق عليها القوى المتخاصمة إخفاقاتها. فكلما تعثّر تشكيل حكومة، أو تعقّد ملف المناصب، أو تصاعدت الخلافات بين الكتل، ظهرت مقولات من قبيل "لو كان الصدريون داخل البرلمان لتغيّرت المعادلة" أو "التيار يضغط من الخلف لإفشال هذا المسار أو ذاك"، ما يضعه في قلب أزمة لا يشارك، وفق خطابه الرسمي، في صناعتها.

إزاء هذا الوضع، يسعى التيار إلى إعادة ترسيم حدوده مع المشهد السياسي الراهن: لا مشاركة في الحوارات، لا تفاهمات ولا صفقة خلف الأبواب المغلقة، ولا "فيتو" معلن أو خفي على هذا الطرف أو ذاك، مع الإبقاء على خطاب عام يضع مصلحة الشعب والاستقرار في مقدّمة الأولويات. هذه اللغة تمنح التيار مساحة للهروب من تهمة التعطيل، لكنها تضعه أيضًا تحت مجهر الانتظار: إلى متى يستطيع تيار واسع أن يبقى خارج اللعبة، مكتفيًا بدور المراقب، بينما تستمر السلطة في إعادة توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة من دونه؟

في النهاية، تعكس نبرة النفي القاطع لأي دور في "الأزمة الراهنة" رغبة التيار في إغلاق باب التأويلات التي تحاول جرّه إلى قلب المشهد كلما احتدمت الأزمات، والتأكيد على أنّ من يتقاسم السلطة اليوم هو وحده من يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأمور، سياسيًا وخدميًا، أمام الشارع العراقي الذي يراقب هو الآخر من خارج أسوار المنطقة الخضراء.

المصدر: بغداد اليوم+ وكالات

أهم الاخبار