بغداد اليوم – بغداد
أعاد تصريح السياسي أراس حبيب عن احتمال إسقاط النظام السياسي في العراق من قبل الولايات المتحدة، وتنصيب "بريمر جديد" وفرض عقوبات قاسية، الجدل القديم حول مدى قدرة واشنطن على إعادة تشكيل السلطة في بغداد كما فعلت عام 2003.
الحديث عن "حاكم مدني جديد" و"تغيير النظام" يجد صدى لدى جزء من الشارع الذي يعيش تحت ضغط اقتصادي وسياسي حاد، لكنه في الوقت نفسه يثير أسئلة جدية: ما حدود الدور الأمريكي اليوم؟ وهل ما يزال العراق ساحة مفتوحة لتجارب شبيهة بما جرى بعد سقوط النظام السابق، أم أنّ البنية الدستورية والواقع الإقليمي والدولي يضعون سقفًا واضحًا لأي سيناريو من هذا النوع؟
في هذا السياق، يقدّم المتحدّث بالشأن القانوني محمد مهدي زوين مقاربة مختلفة، تشكّك في واقعية هذا الخطاب وترى أنّه أقرب إلى "سيناريو دعائي" منه إلى قراءة قانونية أو سياسية دقيقة.
من مارك سافايا إلى "بريمر جديد": سردية لا تفارق الخطاب السياسي
قبل أشهر، انشغل الوسط السياسي والإعلامي في بغداد باسم مارك سافايا بوصفه ممثّلًا خاصًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العراق. قُدِّم الرجل في سردية معارِضة لواشنطن على أنّه "بريمر جديد" يُعِدّ لمرحلة إعادة هندسة السلطة والمال، عبر العقوبات والفيتوات السياسية والضغط على القوى المرتبطة بالفصائل.
في المقابل، رأى سياسيون آخرون أنّ العراق لم يعد قابلًا لسيناريو "الحاكم المدني"، وأنّ مسار "الثورة البنفسجية" – أي صناديق الاقتراع – يفرض نفسه بوصفه الإطار الوحيد لتغيير الحكومات.
اليوم، ومع عزل سافايا مؤقتًا عن منصبه، تبدو قيمة تلك السرديات أقل من الضجة التي أثارتها؛ فالشخص الذي رُسمت حوله خرائط انتقالية واسعة خرج من المشهد – ولو مرحليًا – بينما بقي النظام السياسي كما هو، بكل تعقيداته ومشكلاته البنيوية. هذه التجربة وحدها تكفي، برأي كثيرين، للدلالة على أنّ تضخيم دور الأشخاص والمبعوثين الخارجين يتجاوز أحيانًا ما تسمح به الوقائع على الأرض.
زوين: تغيير الأشخاص ممكن… لكن "قواعد الاستحقاق" هي التي تحكم
المتحدّث بالشأن القانوني محمد مهدي زوين يرى أنّ النقاش حول "إسقاط النظام" و"تنصيب بريمر جديد" يتجاهل عنصرًا حاسمًا في الحالة العراقية، هو تركيب المجتمع وتوازن المكوّنات.
يقول زوين في حديثه لـ"بغداد اليوم" إنّ "الأشخاص قد تتغيّر أسماؤهم وواجهاتهم، لكن قواعد الاستحقاق ستبقى سارية مهما يكن؛ فلا يمكن السيطرة على هذا الطيف المتنوّع في إدارة العراق دون الاستناد إلى قواعد الاستحقاق، وهذا ما يحدث في أغلب الدول التي يتكوّن شعبها من مكوّنات متعددة".
من وجهة نظره، لا يمكن قياس ما جرى في دول أخرى – مثل فنزويلا – على العراق، لأنّ بنية المجتمع والدستور والتوازنات الإقليمية مختلفة تمامًا، مضيفًا أنّ "تغيير نظام الحكم لن يكون مطروحًا من أي طرف خارجي أو داخلي بهذه البساطة، وما يُطرَح من سيناريوهات حول إسقاط النظام أقرب إلى خيالات تجذب أسماع الجمهور البسيط، الذي يُستثار بسهولة بفكرة أنّ النظام الرئاسي سيكون أداة أمريكية جديدة".
بهذا المعنى، يضع زوين حدودًا واضحة لما يمكن أن تفعله أي قوة خارجية: الضغط ممكن، تغيير الحكومات وارد، لكن قلب نظام الحكم بالكامل، بما يضم من مكوّنات وتوازنات داخلية، أمر غير واقعي في المدى المنظور.
النظام الرئاسي ليس "فزّاعة"، والنظام البرلماني ليس ضمانة بحدّ ذاته
جزء مهم من الجدل الذي أثاره تصريح أراس حبيب يرتبط بمقارنته بين النظام البرلماني الحالي والنظام الرئاسي، والإيحاء بأنّ أي تحوّل نحو نظام رئاسي قد يكون مدخلًا لهيمنة أمريكية أو لحكم "أقلية" تتحكم برقاب الآخرين.
هنا يوضح زوين أنّ تصوير النظام الرئاسي على أنّه "وصفة جاهزة للدكتاتورية" غير دقيق قانونيًا ولا واقعيًا، قائلًا إنّ "النظام الرئاسي هو أحد أنظمة إدارة الدولة وفقًا للقانون، ولا يمكن اعتباره نظامًا ديكتاتوريًا بالمطلق، ولا يختلف في كثير من الأحيان عن النظام المتّبع حاليًا في العراق من حيث تمركز القرار".
ويضيف أنّ المفارقة تكمن في أنّ "عدد أعضاء مجلس النواب يزيد على 300 نائب، لكن البلد يُدار فعليًا من قبل مجموعة صغيرة لا يتجاوز عددها عشرة أشخاص يُعرَفون برؤساء الكتل"، ما يعني أنّ المشكلة ليست في التسمية – برلماني أم رئاسي – بقدر ما هي في طبيعة الممارسة السياسية، وتركيز السلطة داخل نُخب ضيقة، وضعف استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية.
لماذا يجد خطاب "إسقاط النظام" جمهورًا واسعًا رغم ضعفه الواقعي؟
رغم هشاشة كثير من فرضيات "إسقاط النظام" قانونيًا وسياسيًا، إلّا أنّ هذا النوع من الخطاب يجد دائمًا جمهورًا متقبّلًا في العراق. يمكن قراءة ذلك في ضوء ثلاثة عوامل رئيسية:
-ذاكرة 2003 الثقيلة: تجربة الحاكم المدني بول بريمر، وحلّ الجيش، وقرارات اجتثاث البعث، ما تزال حاضرة بقوّة في وعي العراقيين. لذلك، أي حديث عن "بريمر جديد" يحرّك مخزونًا من الخوف والخيال السياسي، حتى لو تغيّر السياق الدولي والداخلي.
-الضغط الاقتصادي والاجتماعي: تحت وطأة البطالة، وضعف الخدمات، والأزمات المالية المتكرّرة، يصبح الشارع أكثر قابلية لتصديق سيناريوهات التغيير الجذري، سواء على يد قوة خارجية أو داخلية، بحثًا عن "صدمة" تطيح بالطبقة الحاكمة الحالية.
-ضعف الثقة بالمؤسسات: غياب الإصلاحات الجدية، واستمرار الفساد، وتكرار الأزمات السياسية، يجعل جزءًا من الجمهور متشكّكًا في قدرة النظام الحالي على تصحيح نفسه، فيتلقّف أي حديث عن "نظام بديل" أو "شكل مختلف للحكم"، حتى لو جاء بطريقة غير واقعية أو متناقضة.
هذا المناخ يمنح السياسيين مساحة واسعة لاستخدام مفردات مثل "إسقاط النظام" و"العقوبات الشاملة" و"الحاكم المدني الجديد" كأدوات ضغط أو كخطاب تعبوي، من دون الحاجة لتقديم خارطة طريق حقيقية أو قراءة قانونية دقيقة لما يقولونه.
التعايش بين المكوّنات يفرض سقفًا على مغامرات تغيير النظام
على الضفة الأخرى، يذكّر زوين بأنّ التوازن بين المكوّنات العراقية – الشيعية والسنّية والكردية وغيرها – يفرض عمليًا سقفًا على أي مغامرة تُطرَح لتغيير نظام الحكم جذريًا.
يقول في هذا الإطار إنّه "لا يمكن تغيير نظام الحكم في العراق لأنّ ذلك لا يحظى بقبول المكوّنات الوطنية، مهما كانت مصلحة هذا الطرف أو ذاك؛ فالتعايش السلمي يقتضي بقاء نظام الحكم البرلماني لضمان توزيع أدوار صنع القرار بين المكوّنات".
هذا لا يعني، برأيه، أنّ النظام البرلماني الحالي خالٍ من العيوب، أو أنّه لا يحتاج إلى تعديلات دستورية وقانونية، لكنه يشير إلى أنّ أي طرح يتجاوز إصلاح النظام إلى قلبه بالكامل سيصطدم بجدار صلب من رفض المكوّنات، التي ترى في الصيغة الحالية – بكل عيوبها – ضمانة نسبية لعدم احتكار السلطة من طرف واحد.
بين واقعية القانون وخيال السياسة
في المحصلة، يسلّط الجدل الذي أثاره تصريح أراس حبيب الضوء على فجوة متزايدة بين خطاب سياسي يميل إلى المبالغة واستنفار المخاوف، وخطاب قانوني يحاول إعادة النقاش إلى حدود الممكن دستوريًا وواقعيًا.
تجربة مارك سافايا، الذي رُسمت حوله صورة "بريمر جديد" قبل أن يُعزَل مؤقتًا من منصبه، تقدّم نموذجًا واضحًا على أنّ تضخيم دور الأشخاص لا يغيّر حقائق البنية العراقية المعقّدة، ولا يحسم وحده سؤال "من يحكم؟ وكيف يُدار البلد؟".
وبين سرديات "الحاكم المدني" و"إسقاط النظام" من جهة، وحديث القانونيين عن حدود التدخل الخارجي وطبيعة النظام السياسي من جهة أخرى، يبقى التحدّي الحقيقي أمام القوى العراقية في مكان آخر: بناء مؤسسات فاعلة، وتطوير قواعد اللعبة من داخلها، بدل تعليق كل شيء على احتمال قد لا يأتي، أو على "بريمر جديد" قد لا يُمنَح، حتى لو أراد، ما مُنح لسلفه قبل أكثر من عقدين.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات