بغداد اليوم – بغداد
رغم الضجيج المتزايد حول "التحول الرقمي" و"الحكومة الإلكترونية" في العراق، ما تزال أغلب المعاملات اليومية للمواطن تُدار بالنقد الورقي؛ الرواتب تُسحب كاش، المشتريات تدفع كاش، والادخار يتم داخل المنازل لا داخل المصارف. في المقابل، صارت بطاقات الدفع الإلكتروني في دول الجوار جزءًا من الحياة الاعتيادية، إلى درجة أن شراء فنجان قهوة أو ركوب سيارة أجرة يمكن أن يتم بلمسة واحدة على جهاز صغير.
هذا الفارق لا يتعلق بالتقنية فقط، بل يرتبط بعقدة أعمق اسمها "ضعف الثقة بالمصارف"، وبفجوة واضحة في الثقافة المصرفية لدى شريحة واسعة من العراقيين. الخبير الاقتصادي كريم الحلو يلخص المسألة بجملة مباشرة: العراق متأخر قرابة 20 عامًا عن جيرانه في تعميم نظام الفيزا كارت والدفع الإلكتروني، رغم توفر الموارد، وتراكم الأزمات التي تفرض هذا التحول.
تأخر 20 سنة عن الجوار في أبسط أدوات التمويل الحديث
يقول الحلو في حديث لـ"بغداد اليوم" إن نظام الـ"فيزا كارت" يُعد "أحد أبرز الأدوات المالية العالمية التي تسهم في تنشيط الاقتصاد وتنظيم حركة الأموال"، لافتًا إلى أن العراق "ما يزال متأخرًا قرابة عشرين عامًا عن الدول المجاورة في تعميم هذا النظام".
ولإيضاح حجم الفارق، يشير إلى أن "عديدًا من الدول التي تعاني من معدلات تضخم مرتفعة وضعف في عملاتها المحلية، مثل إيران، نجحت رغم ذلك في اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني بشكل واسع، حيث يمكن حتى للأجانب الحصول على بطاقة مصرفية بمجرد تقديم نسخة من جواز السفر، واستخدامها في مختلف التعاملات اليومية، بدءًا من المشتريات البسيطة كفنجان قهوة".
بمعنى آخر، دول تواجه عقوبات وضغوطًا على عملاتها نجحت في بناء بنية تحتية للدفع الإلكتروني أوسع مما هو قائم في العراق حتى الآن، رغم أن الأخير يمتلك نظامًا مصرفيًا رسميًا أقدم، وموارد نفطية أكبر، وسوقًا استهلاكية واسعة.
ثقافة "الكاش".. المال في البيت بدل الدورة الاقتصادية
واحدة من النقاط التي يركز عليها الحلو هي أن بطاقات الدفع الإلكتروني ليست مجرد رفاهية أو "موضة بنكية"، بل أداة عملية لسحب الكتلة النقدية المكتنزة في البيوت وإدخالها في الدورة الاقتصادية.
يوضح أن "من أبرز فوائد بطاقات الدفع الإلكتروني هي سحب الكتلة النقدية المكتنزة داخل المنازل وإدخالها إلى الدورة الاقتصادية، بدل بقائها عرضة للتضخم وتآكل قيمتها بمرور الوقت"، مؤكدًا أن "الأموال المخزّنة دون استثمار فعلي لا تسهم في دعم المشاريع أو تحريك السوق".
عمليًا، ملايين الدنانير تُخزّن اليوم في البيوت كمدخرات "آمنة" بنظر أصحابها، لكنها في الواقع تفقد جزءًا من قيمتها مع كل موجة تضخم، ومن دون أن تُستثمر في مشروع، أو تُضخ في قروض إنتاجية، أو تُستخدم في توسعة نشاط تجاري. هذه الثقافة العريقة في المجتمع العراقي – ثقافة "المال في البيت" – تضرب الاقتصاد من جهتين:
-لا تسمح للنظام المصرفي ببناء قاعدة ودائع كافية لتمويل مشاريع واستثمارات واسعة.
-لا تحمي أصحاب هذه المدخرات من مخاطر التضخم أو الحوادث أو السرقة.
الحلو يذكّر أيضًا بأن "الاحتفاظ بالنقد داخل المنازل لا يعرّضه فقط لانخفاض القيمة، بل يزيد أيضًا من مخاطر السرقة والجرائم المرتبطة بالأموال، في حين أن تحويل هذه الأموال إلى النظام المصرفي يتيح توجيهها نحو الاستثمار في الأسهم والمشاريع الإنتاجية، ما يعزز النشاط الاقتصادي ويحقق عوائد مالية للمواطنين".
بنية تحتية ناقصة.. حين يبحث المواطن عن جهاز دفع ولا يجده
حتى عندما يرغب بعض العراقيين في استخدام البطاقات المصرفية، يصطدمون بنقص واضح في البنية التحتية على مستوى نقاط البيع. يشير الحلو إلى أن "تطبيق نظام الفيزا كارت في العراق لا يزال محدود الانتشار، إذ تفتقر العديد من المجمعات التجارية ومحطات الوقود إلى أجهزة الدفع الإلكتروني، ما يضطر المواطنين إلى سحب الأموال نقدًا والتنقل لمسافات طويلة لإجراء معاملاتهم المالية، خلافًا لما هو معمول به في دول الخليج التي تعتمد هذا النظام بشكل شامل حتى في المناطق النائية".
هذا النقص يخلق حلقة مغلقة:
-التاجر لا يقتني جهاز الدفع لأنه لا يرى إقبالًا كافيًا على البطاقات.
-المواطن لا يتحمس لاستخدام البطاقة لأنه لا يجد مكانًا يُقبل فيها.
في المقابل، التجارب الناجحة في دول أخرى انطلقت من قرار واضح: تعميم أجهزة الدفع في المحلات ومحطات الوقود والدوائر الحكومية، وربط جزء من الخدمات بها، بحيث يتحول استخدام البطاقة من احتمال إلى خيار عملي يومي.
أخطاء مصرفية ووسطاء وعمولات.. كيف تآكلت الثقة؟
إلى جانب نقص البنية التحتية، يلفت الحلو إلى عامل حاسم في تشكل "المسافة النفسية" بين الناس والقطاع المصرفي: تجارب سلبية متراكمة. يوضح أن "القيود والإجراءات الروتينية المفروضة على التحويلات المالية، إلى جانب تعدد الشركات الوسيطة التي تفرض عمولات مرتفعة، أسهمت في تراجع ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي، خاصة مع تسجيل حالات سحب مبالغ مالية من حسابات الزبائن دون إتمام عمليات الشراء فعليًا".
هذه الصورة – عمولات مرتفعة، أخطاء في السحب، تأخير في تعويض الزبائن إذا حدث خلل، وتعامل جاف في بعض الفروع – تجعل كثيرين يفضّلون العودة إلى "الكاش" حتى لو كانوا مقتنعين نظريًا بأهمية الدفع الإلكتروني. فالمواطن العادي لا يهتم كثيرًا بالنقاش حول "الاقتصاد الكلي" بقدر اهتمامه بسؤال بسيط: هل أموالي آمنة فعلًا في البطاقة والمصرف؟ وهل أستطيع الوصول إليها بسرعة ومن دون مشاكل؟
أي خلل في هذه الحلقة – تأخير، خطأ غير مبرر، غياب واضح لآليات الشكوى والتعويض – يكفي لإعادة إنتاج عدم الثقة، مهما كانت الشعارات عن "التحول الرقمي" جذابة.
اقتصاد بلا بيانات دقيقة.. كلفة غياب النظام الرقمي
البعد الآخر الذي يشير إليه الحلو يتعلق بقدرة الدولة على فهم اقتصادها. يؤكد أن "اعتماد نظام الدفع الإلكتروني بشكل كامل من شأنه توفير قاعدة بيانات دقيقة حول حركة الاستهلاك والإنفاق داخل السوق العراقية، بما يساعد الجهات المعنية على إعداد إحصاءات اقتصادية تفصيلية تتعلق بحجم الطلب على السلع والأجهزة المنزلية والخدمات المختلفة".
اليوم، في ظل هيمنة "الكاش" على المعاملات، تصبح مهمة بناء صورة دقيقة عن أنماط الاستهلاك صعبة ومكلفة؛ كثير من العمليات لا تترك أثرًا رقميًا، وقطاع واسع من التجارة والخدمات يبقى خارج الرصد الرسمي، ما يفتح الباب أمام التهرب الضريبي، ويقلل من قدرة الدولة على تصميم سياسات اقتصادية تستند إلى أرقام حقيقية.
الحلو يحذر من أن "ضعف الحوكمة المالية وعدم تعميم أنظمة الدفع الإلكتروني يحرم الاقتصاد العراقي من إدخال مليارات الدنانير إلى الدورة الاستثمارية، ما ينعكس سلبًا على فرص النمو والتنمية"، داعيًا إلى "بناء نظام مصرفي رقمي متكامل يعزز الشفافية ويعيد الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية".
ماذا يحتاج العراق لكسر دائرة عدم الثقة؟
ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الحكومة خلال السنوات الأخيرة اتخذت حزمة واسعة من الإجراءات لدعم أنظمة الدفع الإلكتروني، من خلال إلزام عدد من الدوائر الرسمية باعتماد نقاط الدفع، وربط جزء من الرسوم الحكومية والمنح والرواتب ببطاقات "ماستر" و"فيزا"، وتشجيع المصارف الأهلية والحكومية على إصدار البطاقات وتوسيع شبكة أجهزة الصرّاف الآلي ونقاط البيع في الأسواق والمجمّعات التجارية.
لكنّ هذه الخطوات، على أهميتها، ما زالت تصطدم بعائقين أساسيين: ضعف ثقة شريحة واسعة من المواطنين بالقطاع المصرفي بعد تجارب سلبية سابقة، وضعف الثقافة المصرفية التي تجعل كثيرين يفضّلون الاحتفاظ بالنقد داخل المنازل والتعامل "كاش" بدل الدخول في منظومة رقمية لا يشعرون بأنّهم يفهمون قواعدها أو يطمئنّون تمامًا لسلامتها.
من خلال قراءة هذه العناصر مجتمعة، تبدو مشكلة الدفع الإلكتروني في العراق أبعد من كونها تأخرًا تقنيًا فقط؛ هي مزيج من:
-ضعف ثقافة مصرفية راسخة لصالح ثقافة "الكاش".
-تجارب سلبية سابقة مع المصارف والشركات الوسيطة أثّرت في الثقة.
-بنية تحتية غير مكتملة لنقاط البيع وأجهزة الدفع.
-تنظيمات معقدة ورسوم وعمولات تجعل التعامل المصرفي مكلفًا ومربكًا.
معالجة هذه الحلقة تحتاج إلى مسار متوازي:
-قرار سياسي واقتصادي واضح بدعم التحول نحو الدفع الإلكتروني وربطه بخدمات حكومية وتجارية واسعة.
-إصلاحات تنظيمية تقلل العمولة والوسطاء، وتفرض معايير صارمة لحماية الزبائن وتعويضهم عند أي خلل.
-حملات توعية جدية تساعد الناس على فهم الفرق بين حفظ المال في البيت وحفظه في نظام مصرفي مضبوط، وتشرح مخاطر التضخم والسرقة وفقدان القيمة.
-استثمار في البنية التحتية لنقاط الدفع، واشتراط وجود أجهزة الدفع الإلكتروني في المجمعات الكبيرة ومحطات الوقود والدوائر ذات العلاقة المباشرة بالمواطن.
عند هذه النقطة فقط، يمكن لبطاقة الفيزا وأنظمة الدفع الإلكتروني أن تنتقل من كونها "تفصيلًا ثانويًا" في حياة العراقي إلى أداة يومية طبيعية، وأن يتحول الحديث عن "تأخر 20 عامًا" إلى مشروع عملي للحاق بما فاته الاقتصاد في مجال كان يفترض أن يكون من أبسط أدوات العصر.
تقرير: محرر قسم الشؤون الاقتصادية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات