بغداد اليوم – بغداد
منذ إعلان القيادة المركزيّة للقوّات الأمريكيّة عن استكمال نقل أكثر من 5,700 موقوف من عناصر تنظيم "داعش" من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق، خلال مهمّة استمرّت 23 يومًا بين 21 كانون الثاني و12 شباط 2026، تحوّل هذا الملف إلى واحد من أكثر عناوين النقاش حساسيّة في بغداد؛ لأنّه يرتبط مباشرة بفكرة "الأمن القومي" ومستقبل التهديد الإرهابي في المنطقة بأكملها.
التسوية التي جرى نسجها بين بغداد وواشنطن ودمشق، انتقلت عمليًّا بآلاف الموقوفين من سجون مكتظّة ومهدّدة بالانهيار في الجغرافيا السوريّة، إلى مراكز احتجاز عراقيّة يُفترض أنّها أكثر تحصينًا وتجهيزًا، في وقت حذّر فيه عسكريّون غربيّون من أنّ أيّ اختراق في تلك السجون قد يعيد إنتاج موجة "داعش" جديدة على امتداد الحدود.
النائب ياسر إسكندر وتوت وفي قراءة سياسيّة وأمنيّة متكاملة للخطوة قال لـ"بغداد اليوم"، إن "الحقيقة التي يجب أن يعرفها الرأي العام هي أن قرار نقل الآلاف من المتهمين بالإرهاب من بعض السجون السورية إلى العراق جاء وفق مقتضيات أمنية دقيقة، ويمثل دعمًا مباشرًا لنقاط الأمن القومي، لا سيما وأننا نتحدث عن متهمين خطرين، بعضهم من قيادات الصف الأول في عصابات داعش الإرهابية، ويحملون جنسيات متعددة، بينها العراقية والعربية والأجنبية".
"الأحزمة الثلاثية".. رسالة طمأنة أم عنوان لاختبار جديد؟
يطمئن وتوت الرأي العام وهو يتحدّث عن تشديد غير مسبوق في تأمين السجون التي استقبلت الموقوفين الجدد، من خلال ما يسمّيه "استراتيجيّة الأحزمة الثلاثية": "جميع مراكز الاحتجاز التي نُقل إليها المتهمون تخضع لاستراتيجية الأحزمة الثلاثية، وهي محاطة بتقنيات حديثة وإجراءات أمنية مشددة"، مطمئنًا الرأي العام بأن "أمن هذه المراكز محكم ولا توجد أي ثغرات، وأن ما حدث في عام 2014 من هروب سجناء من بعض السجون لن يتكرر في عام 2026".
مصطلح "الأحزمة الثلاثية" أصبح جزءًا من القاموس الأمني العراقي خلال السنوات الأخيرة، في إشارة إلى طبقات متتابعة من الحماية حول المنشآت الحسّاسة:
-طوق خارجي من القوّات والتجهيزات.
-طوق وسط يضمّ الكاميرات والمنظومات الإلكترونيّة وأبراج المراقبة.
-وطوق داخلي يرتبط بإجراءات الانضباط والتفتيش وإدارة النزلاء داخل المرفق نفسه.
في الحالة الراهنة، تتجاوز حساسيّة الملف الحدود العراقيّة؛ لأنّ كثيرًا من الموقوفين يحملون جنسيّات من عشرات الدول، ما يعني أنّ أيّ ثغرة في هذا النظام لن تكون "حادثًا محليًّا" فحسب، بل أزمة أمنيّة عابرة للحدود.
ذاكرة 2013–2014.. الشبح الذي لا يريد العراقيّون عودته
حين يقول وتوت إنّ "ما حدث في 2014 لن يتكرّر"، فهو يستدعي ضمنيًّا واحدة من أكثر الصفحات سوداويّة في ذاكرة العراقيّين الحديثة: هروب مئات السجناء من سجني أبو غريب والتاجي في صيف 2013، بينهم قيادات بارزة في تنظيم "داعش"، لعب بعضهم لاحقًا أدوارًا محوريّة في سقوط الموصل وتمدد التنظيم في 2014.
هذه الذاكرة ليست تفصيلاً؛ لأنّ كثيرًا من الأسئلة الشعبيّة الراهنة تنطلق من خوف بسيط ومباشر: هل تستطيع الدولة اليوم أن تضمن عدم تكرار سيناريو مشابه مع آلاف الموقوفين الذين نُقلوا من سجون مضطربة في سوريا إلى الداخل العراقي؟
وإذا كان مستوى التحصين التقني قد تغيّر فعلًا، فإنّ الرأي العام يريد أن يسمع أيضًا عن تغيّر موازٍ في منظومة الإدارة والرقابة والمحاسبة داخل المؤسّسات المسؤولة عن ملف السجون، حتى لا ينحصر الجواب في دائرة "الأسلاك الشائكة والكاميرات" وحدها.
بين عبء أمني وفرصة لتضييق الخناق على التنظيم
من الزاوية الأمنيّة البحتة، يمكن قراءة الخطوة في اتجاهين متعاكسين: من جهة، يشكّل نقل أكثر من 5,700 موقوف إلى العراق عبئًا أمنيًّا ولوجستيًّا ضخمًا على الدولة؛ فكلّ سجين من هذا النوع يحتاج إلى منظومة حراسة وتقنيات واستعدادات قضائيّة وإداريّة طويلة الأمد.
ومن جهة أخرى، يرى صانع القرار في بغداد أنّ إبقاء هؤلاء في سجون هشّة داخل جغرافيا سوريّة مضطربة كان سيتحوّل إلى وصفة جاهزة لعودة التنظيم إلى الواجهة في حال انهيار تلك السجون أو اختراقها، كما حذّرت تقارير عديدة خلال السنوات الماضية.
من هذه الزاوية، يقدّم وتوت الخطوة بوصفها "استباقًا" لا "استدراجًا للمخاطر": "بغداد منفتحة على التواصل مع عواصم العديد من الدول من أجل حسم ملف وجود رعاياها المتهمين بالإرهاب، والعمل على نقلهم إلى بلدانهم"، لافتًا إلى أن "العراق اتخذ خطوة استباقية عندما أدرك أن عودة هؤلاء إلى الساحة قد تشكل خطرًا كبيرًا، ليس داخل الجغرافيا السورية فحسب، بل قد يمتد إلى دول أخرى".
هذا البُعد الإقليمي يفسّر جانبًا من التحرّك الدبلوماسي الذي تقوده بغداد بالتوازي مع الملف الأمني؛ إذ تشير تصريحات رسميّة إلى حوارات مع دول عربيّة وإسلاميّة وأوروبيّة، لبحث إمّا إعادة رعاياها أو تقاسم كلفة إدارتهم ومحاكمتهم داخل العراق.
القضاء والعدالة.. من سجن ميداني إلى ملفّ قانوني طويل الأمد
في الداخل، يفتح الملف سؤالًا آخر لا يقلّ تعقيدًا عن سؤال "التحصين الأمني": ماذا بعد انتهاء مرحلة الاستجواب والتحقيق الأمني؟
يقول وتوت في ختام حديثه: "اللجان التحقيقية باشرت منذ أيام بإجراء التحقيقات، وكل من يثبت تورطه بانتهاك الدم العراقي أو ارتكاب جرائم إرهابية سيُحال إلى المحاكم المختصة، التي ستنزل العقوبات العادلة بحقه وفق القانون".
هذا الوعد يضع الكرة في ملعب القضاء العراقي، الذي سيكون أمام واحدة من أوسع القضايا الجماعيّة في تاريخه الحديث، سواء من ناحية عدد المتّهمين، أو جنسيّاتهم المتعدّدة، أو طبيعة الجرائم المنسوبة إليهم، أو حساسيّة التوازن بين مقتضيات الأمن القومي ومعايير المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان.
سياسيًّا، يحمل مسار هذا الملف رسالة مزدوجة: إلى الداخل، بأنّ الدولة تريد أن تُظهر قدرتها على الإمساك بملف "داعش" من نقطة البداية إلى النهاية؛ من ساحة المعركة إلى قاعة المحكمة.
وإلى الخارج، بأنّ العراق لا يريد أن يُختَزَل في صورة "مستودع سجناء" عن العالم، بل شريك يسعى إلى تقاسم الكلفة والمسؤوليّة في ملفّ صنعه المجتمع الدولي بقدر ما صنعته تعقيدات المنطقة.
بين "الأحزمة الثلاثية" التي يتحدّث عنها وتوت، وذاكرة الهروب الكبير التي يخشاها العراقيّون، سيبقى هذا الملف اختبارًا مفتوحًا لقدرة الدولة على حماية أمنها القومي، من دون أن تعيد إنتاج أخطاء الماضي أو تتحوّل إلى "حارسة" دائمة لملفّ إقليمي ثقيل لم تُشارك وحدها في صنعه.
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات