أمن / سياسة / ملفات خاصة 10-02-2026, 14:02 | --
+A -A

ما وراء الـ 20 اجتماعاً؟


تركيا تهدد مرة ثانية: تواصلنا مع الحشد الشعبي وسندخل للعراق.. تعلموا الدرس من سوريا - عاجل

بغداد اليوم – بغداد

أعاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال الأسابيع الاخيرة، توجيه بوصلة الخطاب التركي نحو العراق بصورة أكثر صراحة، عندما ربط بين ما وصفه بـ"تصفية المسألة الكردية في الشمال السوري ودمج قوات قسد في إطار الدولة السورية"، وبين الانتقال اللاحق إلى "الملف العراقي".

فيدان قال بوضوح: "بعد انتهاء المسألة السورية سننتقل إلى الملف العراقي"، في إشارة مفهومة ضمنيا إلى تسوية وضع قسد في الشمال السوري وإعادة دمجها في مؤسسات دمشق، مضيفا: "نأمل أن يكونوا قد تعلّموا الدرس من سوريا وأن يتصرفوا بحكمة". ثم انتقل إلى العراق مباشرة بقوله: "لا يمكن أن يستمر وضع منطقة سنجار على ما هو عليه"، مع تأكيد لافت على أنّ "تركيا تواصلت مع الحشد الشعبي أكثر من عشرين مرة، وسنرى ما ستؤول إليه الامور".

هذا الخطاب يأتي بوصفه التهديد الثاني من نوعه خلال شهر واحد، ويعكس انتقالا تدريجيا في الرؤية التركية من أولوية الساحة السورية إلى فتح "مرحلة عراقية" جديدة، يتم فيها التعامل مع سنجار والوجود الكردي المسلح في الشمال العراقي كامتداد طبيعي للمسألة الكردية في الشمال السوري.


أبعاد التصريحات.. تصعيد سياسي وتدخّل مباشر في الشأن العراقي

الخبير في الشؤون الإستراتيجية حسين الاسعد يرى أنّ هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها على أنّها مجرد مواقف عابرة، بل تمثل تصعيدا سياسيا وتدخّلا مباشرا في الشأن العراقي.

ويقول الاسعد، في حديثه لـ"بغداد اليوم"، إنّ "التصريحات الاخيرة الصادرة عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والتي أشار فيها إلى ما سماه (المرحلة العراقية) بعد سوريا، تعكس توجها سياسيا تصعيديا يتجاوز الأعراف الدبلوماسية، ويشكل مساسا واضحا بمبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية".

ويضيف أنّ "ربط الوضع العراقي بما جرى في سوريا، والدعوة إلى (انتقال) مشابه، ينطوي على قراءة غير دقيقة للواقع العراقي، ويعد خطابا إشكاليا لا ينسجم مع طبيعة العلاقات المفترض أن تكون قائمة على الاحترام المتبادل وحسن الجوار، خاصة ان العراق دولة ذات نظام سياسي ومؤسسات دستورية مختلفة جذريا عن الحالة السورية، ولا يمكن إسقاط السيناريوهات الإقليمية عليه بهذه الطريقة التبسيطية".

بهذا المعنى، تبدو أنقرة وكأنّها تسعى إلى نقل نموذج مقاربتها للمسألة الكردية في الشمال السوري – حيث يجري الحديث عن دمج قسد ضمن ترتيبات مع دمشق – إلى الشمال العراقي، من خلال الضغط على بغداد للتعاطي مع حزب العمال الكردستاني وحلفائه المحليين بالمنطق نفسه، ضمن إطار إقليمي تريده تركيا متصلا ومتجانسا على طول خط الحدود.


سنجار في قلب المشهد.. عقدة جغرافيا وأمن وذاكرة

اختيار سنجار عنوانا رئيسيا في خطاب هاكان فيدان ليس تفصيلا لغويا، بل يعكس إدراكا تركيا لحساسية هذا القضاء داخل العراق وخارجه. فسنجار تمثل من الناحية الجغرافية عقدة حدودية بين العراق وسوريا، ومن الناحية الأمنية منطقة تداخل بين قوات اتحادية وفصائل من الحشد الشعبي وتشكيلات قريبة من حزب العمال الكردستاني، فيما تظل من الناحية الإنسانية والسياسية رمزا للإبادة التي تعرّض لها الإيزيديون على يد تنظيم داعش.

الاسعد يؤكد في هذا السياق أنّ "ملف سنجار يعد شأنا عراقيا خالصا، وتوجد بشأنه اتفاقات رسمية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، ولا يجوز لأي طرف خارجي فرض حلول بالقوة أو استخدامه ذريعة لتوسيع النفوذ العسكري داخل الأراضي العراقية".

هذا التوصيف يعكس جوهر التحفظ العراقي على الخطاب التركي؛ فأنقرة تتحدث عن "وضع لا يمكن تحمّله في سنجار"، وتلمّح إلى إمكانية اتخاذ خطوات أحادية، في حين ترى بغداد أنّ معالجة الملف يجب أن تبقى ضمن الإطار الدستوري الداخلي، وبالتفاهم بين المركز والإقليم، مع الحفاظ على حقوق السكان المحليين وعدم الزج بالمكوّن الإيزيدي في حسابات إقليمية معقدة.

في المقابل، تنظر تركيا إلى سنجار على أنّها امتداد طبيعي لسلسلة مناطق تتواجد فيها قوات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني من قنديل إلى مخمور وصولا إلى الحدود السورية، وتعتبر أنّ تثبيت نفوذ هذه القوى يهدّد أمنها القومي، ما يدفعها إلى إشهار ورقة التدخل العسكري كلما شعرت بأنّ المعالجات السياسية لا تسير وفق ما ترتئيه.


الحشد الشعبي في الحسابات التركية.. قنوات تواصل وحسابات متشابكة

من بين أكثر الجمل إثارة للانتباه في تصريحات فيدان قوله إنّ تركيا "تواصلت مع الحشد الشعبي أكثر من عشرين مرة"، وهو إقرار يعكس، من جهة، إدراك أنقرة لدور الحشد كفاعل أساسي في جغرافيا تمتد من نينوى والمناطق الغربية إلى تخوم سنجار، ويشير، من جهة اخرى، إلى رغبة تركية في نسج تفاهمات ميدانية تتجاوز القنوات السياسية التقليدية مع الحكومة الاتحادية.

الاسعد يوضح أنّ "حديث فيدان عن قضاء تركيا على وجود حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية، ورفضه سحب القوات التركية من العراق وسوريا، يؤكد استمرار أنقرة في اعتماد المقاربة العسكرية الأحادية، بعيدا عن التنسيق الكامل مع الحكومة العراقية، وهو ما يتعارض مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة".

ويتابع أنّ "تأكيد وزير الخارجية التركي على أن قرار الانسحاب تتخذه تركيا وحدها يعكس فهما أحاديا للأمن الإقليمي، ويغفل أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الحوار والتفاهم المشترك واحترام سيادة الدول، وليس عبر فرض الأمر الواقع".

هذه المقاربة تضع الحشد الشعبي في موقع مزدوج: من ناحية، تتعامل معه تركيا كطرف يمكن أن يسهم في ضبط بعض المساحات الميدانية أو الحد من نفوذ حزب العمال الكردستاني؛ ومن ناحية اخرى، يبقى جزءا من منظومة قوى مسلحة عراقية ترتبط سياسيا وأمنيا بمحاور إقليمية، ما يجعل أيّ تفاهم معه جزءا من معادلة أوسع تشمل العلاقة مع إيران، ومع القوى السياسية العراقية، ومع توازنات الحكومة الاتحادية نفسها.


"المرحلة العراقية" كما تراها أنقرة.. سيناريوهات أمام بغداد

انطلاقا من هذا الخطاب، تبدو "المرحلة العراقية" التي يتحدث عنها هاكان فيدان مفتوحة على أكثر من سيناريو، في ضوء طبيعة التوازنات الداخلية العراقية والتحولات الإقليمية بعد تسوية المسار الكردي في الشمال السوري ودمج قسد في إطار الدولة السورية.

أولا: سيناريو التفاهم المنظّم والمشروط: يستند هذا السيناريو إلى قدرة بغداد على تحويل التصعيد الكلامي إلى فرصة لإعادة ضبط قواعد العلاقة مع أنقرة، عبر حوار واضح يربط بين أي تعاون أمني ضد حزب العمال الكردستاني وبين التزام تركي صريح باحترام السيادة العراقية، والانخراط في تنفيذ الاتفاقات الخاصة بسنجار، والامتناع عن أي عمليات عسكرية أحادية داخل العمق العراقي. نجاح هذا السيناريو يفترض توحيد الموقف الرسمي، وتخفيف التباينات بين القوى السياسية، وضبط السلاح خارج إطار الدولة بقدر الإمكان.

ثانيا: سيناريو فرض الأمر الواقع العسكري: في هذا المسار، قد تمضي تركيا في توسيع عملياتها العسكرية بحجة "القضاء على الإرهاب"، مستفيدة من تعقيدات المشهد في سنجار والمناطق الجبلية، ومن استمرار وجود تشكيلات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. تكريس قواعد ثابتة أو مناطق نفوذ أمنية داخل أراضٍ عراقية يعني عمليا الانتقال إلى نمط جديد من التعامل مع الحدود، ويهدّد بخلق بؤر توتر دائمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على السكان المحليين وعلى صورة السيادة العراقية أمام الرأي العام الداخلي.

ثالثا: سيناريو التدويل وتكثيف الوساطات: إذا تفاقم التوتر وازدادت المخاوف من توسّع العمليات العسكرية، قد يلجأ العراق إلى توسيع دائرة المعالجة عبر أطر إقليمية أو دولية، من خلال تفعيل قنوات الامم المتحدة أو المنظمات الإقليمية، لوضع ضوابط قانونية وسياسية على أيّ تحرّك عسكري تركي، وربط ملف حزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا بمنظومة أوسع تتعلق بضبط الحدود، وملف السجناء المتطرفين، وترتيبات ما بعد المرحلة السورية. هذا السيناريو يمنح بغداد مساحة أوسع للحركة، لكنه يحتاج إلى انسجام داخلي وقدرة على بناء تحالفات دولية متماسكة.


بين "درس سوريا" وامتحان سيادة العراق

تعبير هاكان فيدان عن الأمل في أن يكون العراقيون "قد تعلّموا الدرس من سوريا" لا ينفصل عن رؤية تركية أوسع تعتبر أنّ معالجة المسألة الكردية في الشمال السوري ودمج قسد في إطار حكومة دمشق يشكلان خطوة تمهيدية لفتح ملف مشابه على الجانب العراقي من الحدود.

غير أنّ خصوصية الحالة العراقية، من حيث تنوع مكوّناتها، وتعدّد قواها السياسية، وطبيعة نظامها الدستوري، تجعل من أي محاولة لاستنساخ "الدرس السوري" أمرا محفوفا بالمخاطر، ليس على العراق وحده، بل على الاستقرار الإقليمي برمّته.

امتحان المرحلة المقبلة سيتجسّد في قدرة بغداد على الجمع بين مسارين متوازيين: تثبيت مبدأ السيادة ورفض أي انتهاك عسكري أحادي داخل أراضيها، وفي الوقت نفسه إدارة حوار واقعي مع أنقرة يأخذ في الاعتبار هواجس الأمن القومي التركي، دون أن يحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات المسألة الكردية بعد تسويتها في الشمال السوري.

بين خطاب التهديد، ومخاوف الداخل، وتشابك الملفات من سنجار إلى الحدود السورية، تبدو "المرحلة العراقية" التي يتحدث عنها فيدان اختبارا حقيقيا لصلابة الدولة العراقية، ولقدرتها على تحويل الجغرافيا من مساحة استباحة محتملة إلى مجال سيادة متفاوض عليها وفق قواعد واضحة ومعلنة.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14