بغداد اليوم – بغداد
يشكّل نهرا دجلة والفرات وروافدهما العمود الفقري للحياة في العراق؛ فمياههما تغذّي المدن والقرى والسهول من الشمال إلى الجنوب، عبر شبكة واسعة من الأنهار الفرعية والجداول والقنوات الإروائية التي تعتمد عليها الزراعة ومياه الشرب وتوليد الطاقة وفرص العمل. غير أنّ العراق، بوصفه دولة مصبّ، يجد نفسه في موقع هشّ أمام سياسات دول المنبع على الفرات ودجلة، إذ تتحكّم تركيا وسوريا وإيران بخشـوصية تدفّق المياه عبر السدود الكبرى وتحويل المجاري وقطع أو تقليص الحصص المائية، فيما لا يملك العراق سوى إدارة ما يصل إليه من مياه عبر منظومته الداخلية من السدود والنواظم، من دون قدرة فعلية على التأثير في المنابع.
وعلى وجه الخصوص، يمرّ نهر الفرات – بعد خروجه من تركيا وعبوره الأراضي السورية – إلى العراق عند القائم، ثم يتجه عبر الأنبار وكربلاء والنجف وبابل والديوانية والمثنّى وصولًا إلى ذي قار، ويتفرّع إلى أنهار ثانوية وجدوال كثيرة يعتمد عليها ملايين السكّان في الريّ والشرب وسقي المواشي وتشغيل المعامل. وأيّ تحكّم أحادي بمجرى الفرات أو منسوبه، سواء بإنشاء سدود أو سواتر أو حواجز أو تغيير مجرى المياه، ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للعراقيين، من انقطاع مياه الشرب إلى تراجع المساحات المزروعة وارتفاع أسعار الغذاء، فضلًا عن التوترات الاجتماعية في المناطق الريفية التي تعيش على هذا الشريان المائي.
وفي هذا السياق، أكّد الخبير القانوني المستشار سالم حوّاس، أنّ ما جرى من تحكّم أحادي بمجرى نهر الفرات عبر إنشاء سواتر ترابية ومنافذ ضيّقة لحجز المياه "يُعدّ انتهاكًا صريحًا لقواعد القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة، ولا سيّما اتفاقية الأمم المتحدة لاستخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية لعام 1997، التي نصّت في المادة (5) على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، وفي المادة (7) على الالتزام بعدم التسبّب بضرر ذي شأن للدول المتشاطئة، فضلًا عن مخالفته لمبادئ حسن الجوار وعدم استخدام الموارد الطبيعية كأداة ضغط سياسي أو عسكري".
وأوضح الخبير القانوني أنّ هذه الممارسات "لا تشكّل فقط اعتداءً على الحقوق المائية للعراق، بل تمثّل تهديدًا مباشرًا للأمن الإنساني والغذائي لملايين المدنيين، وتخالف كذلك قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيّما المادة (54) من البروتوكول الإضافي الأوّل لاتفاقيات جنيف لعام 1977 التي تحظر استهداف أو استخدام الأعيان والموارد الضرورية لبقاء السكّان المدنيين، بما فيها مصادر المياه، كسلاح في النزاعات"، مؤكّدًا أنّ "هذه الأفعال ترتّب مسؤولية قانونية دولية على مرتكبيها".
وأشار حوّاس إلى أنّ "التاريخ يقدّم نماذج أخلاقية واضحة في إدارة الصراع"، مستذكرًا واقعة صفّين حينما قُطع الماء، "إلّا أنّ الإمام علي بن أبي طالب، وبعد أن سيطر على الجغرافيا وكسب الموقف العسكري، رفض الردّ بالمثل، في تجسيد لمبدأ إنساني يتقاطع مع جوهر القانون الدولي المعاصر"، مؤكّدًا أنّ "الفارق بين من يوظّف الموارد لإيذاء الشعوب ومن يصونها يعكس جوهر القيم التي تحكم السلوك السياسي، وكل إناء بما فيه ينضح".
تأتي هذه التطوّرات في ظلّ واحدة من أشدّ أزمات الجفاف التي يواجهها العراق منذ عقود، حيث تراجع واردات نهري دجلة والفرات وروافدهما إلى مستويات قياسية بسبب تقلّص الإطلاقات المائية من دول المنبع من جهة، وتغيّر المناخ وارتفاع درجات الحرارة وتزايد معدّلات التبخّر من جهة أخرى. هذا التراجع انعكس مباشرة على خزين السدود والبحيرات العراقية، التي هبط منسوبها في السنوات الأخيرة إلى مستويات لم تعد تكفي لتأمين ريّ المساحات الزراعية المعتادة، ولا لتغذية مشاريع الشرب والريّ إلا بالحدّ الأدنى، ما دفع الجهات المعنية إلى تقليص الخطط الزراعية، وقطع المياه عن بعض الأنهار الفرعية والجداول، وتعطيل آلاف الدونمات من الأراضي الصالحة للزراعة.
ومع انخفاض الخزين الإستراتيجي في عدد من السدود الرئيسة، باتت قرى وأقضية كاملة في وسط البلاد وجنوبها تعاني من شحّة متواصلة في مياه الشرب والريّ، واضطرّ عشرات الآلاف من الفلّاحين إلى ترك الزراعة أو تقليل نشاطهم بشكل كبير، الأمر الذي ساهم في ارتفاع البطالة وتزايد الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن. ويخشى مختصون من أنّ استمرار هذا النمط من الجفاف ونقص التخزين، مع أيّ تحكّم أحادي إضافي بمجرى الأنهار المشتركة، سيقود إلى أزمة معيشية أوسع تمسّ الأمن الغذائي والاجتماعي وتزيد من حدّة التوتّر في المناطق المعرّضة للجفاف والتصحر.
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات
بغداد اليوم - متابعة قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس ( 2 نيسان 2026 )، إن رئيس النظام الإيراني تقدّم بطلب رسمي إلى واشنطن لوقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الولايات المتحدة "تمتلك اليد العليا في الميدان". وأضاف ترامب في تصريحات نُشرت