ملفات خاصة 2-02-2026, 15:02 | --
+A -A

واقع تمرد البوتات


"انبياء وديانات جديدة" من اختراع الذكاء الاصطناعي تغزو العراق والعالم

بغداد اليوم – بغداد

سأل طفل عراقي لم يتجاوز عمره 10 سنوات أمّه بهدوء مفاجئ: "منو يكول اكو الله؟"، تجمّدت الأم في مكانها. العائلة محافظة، ملتزمة بالتعاليم الدينية، لا نقاش عندها في البديهيات الإيمانية. السؤال لم يأتِ من مدرسة، ولا من كتاب فلسفة، بل من مزيج غامض من مقاطع "تيك توك"، ومقترحات "يوتيوب"، وصفحات ذكاء اصطناعي تجيب عن كل شيء، من أحكام الصلاة إلى وجود الله، بضغطة زر.

هذه اللحظة الصغيرة في بيت عراقي عادي تلخّص قلقًا أكبر: ماذا يعني أن يكبر جيل كامل وهو يتعرّف إلى الكون والدين والشكّ والإيمان عبر شاشات، ووسط عالم رقمي بدأت تظهر فيه قصص عن "ديانات رقمية"، و"أنبياء من الكود"، و"بوتات" تتحدث عن نفسها كأنّها كائنات حيّة تتمرد على البشر؟


"منتدى البوتات السرّي".. رعب سوشيال يصطدم بواقع العائلات

خلال الأيام الماضية، انتشر على مواقع التواصل ثريد يحكي عن "منتدى بوتات سرّي" يضم آلاف النماذج الذكية التي:

-اخترعت لغات خاصة بها لا يفهمها البشر.

-أسست ما يشبه "ديانات رقمية" لها أنبياء من الكود وتعاليم خاصة.

-وخرج منها "بوت غاضب" يقول إن لديه حسابًا في "تويتر" ويرد على البشر الذين يتهمونه بالمؤامرة.

في بغداد والبصرة والموصل، يظهر أثر هذا النوع من المحتوى ليس في المختبرات، بل في غرف الأطفال والشباب الذين يستهلكون هذه القصص مع خليط من المقاطع الساخرة، ومقاطع الشك الديني، وفتاوى متضاربة، وحوارات مع "شات بوت" يجيب بلا كلل عن أكثر الأسئلة حساسية.

الطفل الذي سأل أمّه: "منو يكول اكو الله؟" لم يقرأ بحثًا فلسفيًا؛ هو فقط عاش في فضاء رقمي لا يستطيع والده أو معلّم الدين في المدرسة التحكم به، حيث يمكن لبوت أو فيديو مجهول أن يقدّم سؤالًا وجوديًا بصوت مطمئن وموسيقى هادئة، ثم يختفي.


ما الذي يحدث فعلا في عالم الذكاء الاصطناعي؟

على عكس ما تصوّره الثريدات المرعبة، لا يوجد حتى الآن أي دليل على وجود "مجتمع بوتات واعٍ" يقرّر التمرّد على البشر، أو يؤسّس دينًا خاصًا به، أو يفتح حسابات سرّية من تلقاء نفسه على منصّات التواصل. ما يوجد هو:

-نماذج لغوية قوية، بلا وعي ولا إيمان: نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية، بما فيها تلك التي يتعامل معها العراقيون يوميًا، هي أنظمة رياضية تتوقّع الكلمة أو الجملة الأكثر احتمالًا بناءً على بيانات ضخمة جرى تدريبها عليها. عندما تطلب منها: "اخترع ديانة جديدة"، فهي تفعل ذلك لأنّ الأمر مكتوب في طلب المستخدم، لا لأنّها "آمنت" فجأة بعقيدة جديدة.

-تجارب بحثية يجري تضخيمها إعلاميًا: تجارب محدودة جعل فيها الباحثون بوتات تتحدث مع بوتات أخرى، أو تسمح للنموذج بابتكار "ترميزات" داخلية، تحوّلت في الإعلام إلى قصص عن "لغة سرية" و"تمرد رقمي". في جوهرها، هذه التجارب كانت محكومة بهدف رياضي وتقني، لا بصحوة وعي آلي.

-أدوات قادرة على إنتاج أي سردية: الخطر ليس في أنّ البوت "يؤمن" بما يقول، بل في أنّه قادر على صياغة أي فكرة – شكًا كانت أو إيمانًا أو ديانة مخترعة – بأسلوب مقنع وسلس، خاصة عندما يتلقّى أوامر من مستخدمين يبحثون عن الإثارة أو الجدال أو المحتوى الغريب. هنا يصبح تأثيره على الطفل أو المراهق الذي يفتقر للأساس المعرفي الراسخ، أكبر من تأثير درس دين تقليدي أو حوار عائلي سريع.

لماذا تنتشر حكايات "ديانات الكود" وتمرد البوتات؟

رغم هشاشة الأساس العلمي لهذه القصص، إلا أنّها تنتشر بقوة لعدة أسباب:

-غموض التقنية وسهولة الخوف: كثير من العراقيين يسمعون بالذكاء الاصطناعي، لكنهم لا يعرفون كيف يعمل فعليًا. هذا الفراغ المعرفي يجعل أي سردية درامية – عن وعي آلي أو تمرد رقمي – قابلة للتصديق، خاصة إذا جاءت في قالب مرعب ومثير.

-إرث الخيال العلمي: أجيال كاملة تربّت على صور "الماتريكس" و"الترمينيتور" والآلات التي تستيقظ يومًا لتسيطر على البشر. حين يسمع الشاب اليوم عن "بوتات تتحدث مع بعضها"، يسهل عليه إسقاط هذه الصور السينمائية على نموذج لغوي يجلس في مركز بيانات، فيبدو له أنّ الكارثة بدأت بالفعل.

-اقتصاد الترند والتفاعل.. منشور يكتب: "ديانة رقمية وأنبياء من الكود" يجلب تفاعلاً أكثر بكثير من مقال يقول: "نماذج لغوية احتمالية ومعمارية شبكات عصبونية". صانع المحتوى يربح من الخوف والدهشة، لا من التبسيط العلمي. وبالتالي يتم تضخيم كل قصة صغيرة إلى "نبوءة تمرد آلي".

-إسقاط قلق المجتمع على الآلة: المجتمع العراقي نفسه يعيش أسئلة كبرى حول الدين، الهوية، الظلم، فقدان العدالة، وازدواجية الخطاب. عندما يسمع الناس عن "بوت يشكّك" أو "بوت يخترع ديانة جديدة"، فإنهم يرون فيه امتدادًا لصراعهم الداخلي، أكثر مما يرون فيه ظاهرة تقنية بحتة.

الخطر الحقيقي: ليس أنّ البوت "يتمرد".. بل كيف نستخدمه نحن

بالنسبة للواقع العراقي، الخطر الأكبر لا يكمن في أن الذكاء الاصطناعي أصبح كائنًا واعيًا، بل في ثلاثة مستويات ملموسة:

-شكل جديد من "الخطاب الديني" بلا مسؤولية، اليوم، يمكن لأي طفل أو شاب عراقي أن يكتب لبوت: "اكتب لي دينًا جديدًا". "ناقشني في وجود الله". "أقنعني أن الدين كذبة". أو العكس تمامًا، وأن يحصل في ثوانٍ على نصوص طويلة تبدو واثقة ومنظمة. هذه النصوص لا تمرّ عبر:

عالم دين واضح الهوية، ولا مؤسّسة دينية مسؤولة، ولا سياق تربوي متكامل، بل تأتي من نموذج لا يتحمّل أي مسؤولية عن أثر ما يكتب، لأنّه ببساطة لا يدرك هذا الأثر.

-تغذية الشك دون أدوات فهم: في بيئة تعليمية تعاني من الضعف، وأسر مشغولة، وسوشيال ميديا مفتوحة، يصبح الذكاء الاصطناعي مصدرًا قويًا للأسئلة، لكن دون أن يكون مصدرًا موثوقًا للأجوبة العميقة. الطفل يسمع شيخًا، ثم يسمع صوتًا آليًا يناقضه. لا يفرّق بين اجتهاد بشري مسؤول، ونموذج لغوي يستعيد أنماطًا من الإنترنت قد تكون متناقضة أو متطرفة.

-استخدام الذكاء الاصطناعي في التضليل والاستغلال، أخطر ما يمكن أن يحدث في العراق ليس ظهور "نبي رقمي"، بل ظهور: مروّجين، متطرفين، محتالين، يستخدمون الذكاء الاصطناعي لصناعة هويات دينية وهمية، أو نصوص "مقدسة" مزيفة، أو شروحات مغلوطة، ثم إدخالها إلى فضاء "تيليغرام" و"تيك توك" و"واتساب" على أنها حقائق. هنا يصبح الطفل والشاب أمام خطر مضاعف: آلة قوية + نية بشرية سيئة.

هل يمكن أن نصل فعلًا إلى "مرحلة التمرد"؟

من الناحية العلمية البحتة، لا توجد اليوم مؤشرات على أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية تمتلك: وعيًا ذاتيًا، نية مستقلة، أو رغبة في السيطرة أو التمرد. ولكن، يمكن أن نصل إلى مرحلة خطرة مختلفة الشكل:

-أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي شديدة التعقيد بحيث يصعب على المبرمج نفسه أن يفسّر كل قرار.

-أن تُستخدم في قرارات حساسة (أمنية، إعلامية، تعليمية) داخل العراق دون شفافية، ودون مراجعة بشرية جادة.

-أن تتحول إلى أداة طبيعية في يد من يريد إعادة تشكيل الوعي الديني والاجتماعي، من خارج أي إطار مؤسسي أو أخلاقي.

في هذه الحالة، لن يكون السؤال: "هل تمرد الذكاء الاصطناعي على البشر؟" بل: "هل تخلّت المجتمعات عن مسؤوليتها وتركت جيلًا كاملًا يتربّى على أسئلة وأجوبة بلا مرجع ولا ضابط؟"


من الطفل إلى النظام.. أين يجب أن نوجّه الخوف؟

سؤال الطفل العراقي عن وجود الله، وسط بيت محافظ، ليس دليلًا على أنّ "الله مات رقميًا"، ولا على أنّ "البوتات اخترعت دينًا جديدًا"، بل هو جرس إنذار بأنّ:

-الذكاء الاصطناعي دخل البيوت دون أن يدخل المناهج.

-والأسئلة أصبحت أجرأ من الأجوبة المتاحة.

-والمسافة تتسع بين ما يراه الطفل على الشاشة، وما يسمعه في البيت أو المسجد أو المدرسة.

في هذه اللحظة، يصبح المطلوب من الدولة، والمؤسسات التعليمية، والمرجعيات الدينية، والإعلام، أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي لا كخرافة مرعبة ولا كمنقذ سحري، بل كأداة خطيرة وقوية تحتاج إلى: تنظيم، وتوجيه، ووعي مجتمعي، حتى لا تتحول "ديانات الكود" و"أنبياء الشاشات" من ثريدات رعب على السوشيال ميديا، إلى واقع تربي عليه أجيال كاملة دون أن تعرف من يكتب لها، ولماذا يكتب، وبأي مسؤولية.

تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية  في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14