بغداد اليوم – بغداد
منذ أسابيع، لم تكتفِ "بغداد اليوم" بتغطية خبر نقل معتقلي تنظيم داعش من سجون شمال شرق سوريا إلى الداخل العراقي كحدث اعتيادي، بل حوّلته إلى ملف تحذيري متكامل: من خطر "توطين الدواعش" في منشآت قريبة من بغداد، إلى سيناريو أنّ "ولاية خراسان – داعش" قد تجوب شوارع العاصمة إذا اهتزّت الجبهة الشرقية وسقطت ركائز الاستقرار في إيران وأفغانستان. وفي تقرير آخر، رسمت "بغداد اليوم" خريطة موسّعة لانتشار داعش في 4 قارات، وربطت بين قلب التنظيم في العراق وسوريا وبين أذرعه في خراسان وأفريقيا وسيناء واليمن، مؤكدة أنّ التنظيم لم يعُد ملفًا محليًا مغلقًا، بل شبكة ولايات عابرة للحدود.
هذه التحذيرات المحلّية لم تبقَ وحيدة طويلًا. خلال الأيام الماضية، بدأت تقارير دولية وأوروبية متخصّصة تضع العراق مجددًا في صدارة خرائط الخطر الإرهابي. مراكز بحثية ألمانية معنيّة بالأمن ومكافحة الإرهاب حذّرت من أنّ الفراغ في شمال شرق سوريا، وانسحاب قوات التحالف الدولي، قد يعيدان العراق إلى قلب "لعبة داعش الدولي". واليوم، تنضمّ وكالة "سبيشال يوراسيا" (Special Eurasia) الإيطالية المتخصّصة في الشؤون الجيوسياسية والاستخباراتية إلى هذا المسار، بتقرير مفصّل عن "المخاطر الأمنية والإرهاب في العراق عام 2026" يلتقي في خطوطه الأساسية مع ما طرحته "بغداد اليوم" في تقاريرها السابقة.
تقرير الوكالة الإيطالية: تقاطع تمرد داعش ونفوذ الميليشيات وانهيار سوريا
بحسب التقرير الإيطالي الذي اطّلعت عليه "بغداد اليوم"، يدخل العراق عام 2026 في تقاطع خطِر بين ثلاثة مسارات متوازية:
-عودة تمرد تنظيم داعش بصيغته اللامركزية كتنظيم متمرّد متنقل، يستغل الثغرات في المناطق الريفية والمتنازع عليها.
-تصاعد نفوذ جماعات مسلّحة متحالفة مع إيران، تعمل ضمن المنطقة الرمادية بين "الدولة" و"اللادولة"، وتستهدف البنى التحتية الحيوية ومنشآت الطاقة.
-انهيار المنظومة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، والصدام بين حكومة أحمد الشرع المشكلة حديثًا و"قوات سوريا الديمقراطية"، بما جعل الحدود السورية – العراقية نقطة هشّة لتسرّب المسلحين وانهيار منظومة الاحتجاز.
التقرير يشير إلى أنّ تراجع عدد التفجيرات الحضرية الكبرى لا يعني انخفاض الخطر، بل تحوّله؛ فالنشاط الإرهابي انتقل من نمط "الضربات الواسعة" داخل المدن إلى عمليات متخصصة عالية الدقة، في ظلّ بيئة إقليمية متقلبة وحدود مفتوحة على أكثر من لاعب مسلّح.
وتستعرض "سبيشال يوراسيا" سلسلة عمليات نفّذتها القوات العراقية والكردية، بدعم من القوات الأميركية، خلال عام 2025 ضد خلايا داعش، من جبال حمرين في ديالى وكركوك، إلى صحراء الأنبار وشمال العراق. وتصف العملية التي جرت في 13 آذار 2025 في الأنبار، وانتهت بمقتل الرجل الثاني في التنظيم عبد الله "أبو خديجة" مكي مصلح الرفاعي بضربة جوية أميركية، بأنّها "ضربة موجعة لقدرات التنظيم على التخطيط العملياتي"، مع التأكيد أنّ القضاء على القيادات لم يُنهِ المشكلة البنيوية.
في المقابل، يلفت التقرير إلى أنّ الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من قاعدة عين الأسد، والذي اكتمل فعليًا في كانون الثاني 2026، خلق فراغًا أمنيًا جعل عبء مكافحة التمرد يقع "تقريبًا بالكامل" على عاتق القوات العراقية، في وقت يتزايد فيه الضغط على الحدود مع سوريا، وتتآكل منظومة احتجاز عناصر داعش في الشمال الشرقي السوري.
أخطر ما تشير إليه الوكالة الإيطالية هو ما تسميه "القنبلة الموقوتة لداعش في سوريا": انهيار منظومة السجون والمخيمات، وعلى رأسها مخيم الهول، حيث يعيش آلاف المتطرفين في ظروف إنسانية وأمنية متدهورة، ما يخلق مزيجًا من الإحباط والتطرّف يمكن أن يتحول إلى موجة خروج جديدة إذا انهارت الحماية. ضمن هذا السياق، يوثّق التقرير قرار بغداد استيعاب نحو 7000 معتقل من ذوي الخطورة العالية، ونقلهم بين 20 و25 كانون الثاني 2026 إلى سجون في نينوى والناصرية، بوصفه "إجراءً وقائيًا ضروريًا وخطرًا في الوقت نفسه": ضروريًا لمنع هروب جماعي من سجون سوريا، وخطرًا لأنّه يحمّل العراق وحده عبء إدارة هذا الخزان البشري عالي الخطورة، وسط انقسامات سياسية وتحديات مؤسسية.
ولا يتوقف التقرير عند داعش فقط، بل يضعه ضمن لوحة أوسع للتهديدات. إذ يشير إلى أنّ الفصائل الموالية لإيران في العراق تبرر هجمات متكررة على منشآت الطاقة والاستثمار، مثل ضربات الطائرات المسيّرة على حقل خور مور للغاز في تشرين الثاني 2025، بهدف تثبيت نفوذ سياسي وأمني، وضرب ثقة المستثمر الأجنبي، وقمع أي معارضة داخلية. ويؤكد أنّ عمل هذه الجماعات في منطقة رمادية، بوصفها جزءًا من منظومة الأمن الرسمية وخارجها في الوقت نفسه، يخلق "بنية قوى موازية" تقوّض مؤسسات الدولة ووحدة القرار الأمني.
سياسيًا، يحذّر التقرير من أنّ إخفاق انتخابات تشرين الثاني 2025 في إنتاج حكومة موحدة قادرة على معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي التجنيد المتطرف، إضافة إلى تكليف "شخصية جدلية" بتشكيل الحكومة وما أثاره ذلك من مخاوف من عودة أجواء الانقسام الطائفي وتركيز السلطة، يعيد إلى الأذهان الظروف التي سبقت صعود تنظيم داعش عام 2014، إذا لم تُعالَج المسارات الاقتصادية والاجتماعية بالتوازي مع المسار الأمني.
في الخلاصة، ترى "سبيشال يوراسيا" أنّ العراق أصبح محور تحوّل أوسع في المشهد الأمني للشرق الأوسط، من حروب تقليدية بين دول إلى صراعات بالوكالة وعدم استقرار تغذّيه المنافسة على الموارد والطاقة، بحيث يتقاطع على أرضه مفهوم "الأمن الإقليمي" الأميركي مع استراتيجية إيران القائمة على "الردع بالقوة". ومن دون استراتيجية منسقة لمكافحة الإرهاب وتثبيت الاستقرار في سوريا، يمكن أن يتحوّل العراق إلى قناة دائمة لنقل الخبرات المتطرفة ومصدر مستمر لعدم الاستقرار الإقليمي.
من "توطين الدواعش" إلى "ولاية خراسان – داعش"
قبل صدور تقرير الوكالة الإيطالية، كانت "بغداد اليوم" قد تناولت ملف نقل معتقلي داعش من شمال شرق سوريا إلى العراق بوصفه تحوّلًا استراتيجيًا خطِرًا، لا مجرد إجراء تقني. في تقرير بعنوان: "إضافة لخطر توطين الدواعش في بغداد.. ولاية خراسان – داعش ستجوب شوارع العاصمة قريبًا"
طرحت "بغداد اليوم" سلسلة أسئلة تعكس القلق الشعبي: أين ستوجد المنشآت التي ستستقبل "القوائم السوداء" من سجناء التنظيم؟ هل ستكون في أطراف بعيدة ومحكمة الحماية، أم قريبًا من بغداد والمدن الكبرى؟ من يضمن ألّا تتحول هذه السجون، مع مرور الوقت، إلى "مراكز ثقل" جديدة للتنظيم، عبر هروب جماعي، أو إعادة إنتاج قيادة عقائدية من داخل الزنازين، أو استخدامها كورقة مساومة بين قوى داخلية وخارجية؟
في المحور نفسه، نقلت "بغداد اليوم" تحذيرات النائب محمد الكربولي الذي نبّه إلى أنّ التركيز المفرط على الجبهة السورية لا يجب أن يُلهي بغداد عن الجبهة الشرقية. الكربولي تساءل: ماذا لو تعرض النظام في إيران لهزة عميقة أو سقوط؟ كيف سيتعامل العراق حينها مع واقع حدود شرقية مفتوحة، في ظل وجود آلاف من سجناء داعش داخل أراضيه؟ هنا برز لأول مرة في خطاب داخلي رسمي وإعلامي الربط بين:
-ملف سجناء داعش في الداخل العراقي.
-وتمدّد فرع "داعش – ولاية خراسان" في أفغانستان وباكستان.
-واحتمال تحوّل الأراضي الإيرانية، في حال الفوضى، إلى ممر أو ساحة لنشاط هذه الولاية، بما يضع بغداد بين ضغطيْن من الغرب والشرق.
هذا الخط تحوّل في تقرير آخر لـ"بغداد اليوم" إلى خريطة عالمية تحت عنوان: "خريطة الظلمات والموت بالأسماء والأرقام.. بغداد اليوم تتبع خيوط انتشار داعش في 4 قارات"
التقرير تناول بالتفصيل:
-"القلب التاريخي" للتنظيم في العراق وسوريا: خلايا متنقلة في أطراف ديالى وصلاح الدين وكركوك وغرب الأنبار، وجيوب في بادية دير الزور والرقة، مع مخيمات وسجون مثل مخيم الهول. واستند إلى تحذير رئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري من أنّ عدد مقاتلي داعش في سوريا تضاعف خلال عام واحد من نحو 2000 إلى 10000 مقاتل، بما يعكس إعادة تنظيم مستمرة لا حالة تلاشي.
-"ولاية خراسان" كأخطر أذرع داعش في آسيا: من أفغانستان إلى باكستان وآسيا الوسطى، وقدرتها على ضرب العمق الإيراني عبر هجمات كرمان، وتحذير التقارير الأممية من تحوّلها إلى "مركز ثقل جهادي" جديد. ربط التقرير بين طول الحدود الإيرانية – الأفغانية وحدود العراق الطويلة مع إيران، ووضع سيناريو تتقاطع فيه حركة مقاتلي خراسان مع خزان السجناء داخل العراق.
-فروع أفريقيا الدامية: من ولاية غرب أفريقيا في حوض بحيرة تشاد، إلى ولايات الساحل وأفريقيا الوسطى وموزمبيق، حيث يسجّل التنظيم وحلفاؤه مئات الهجمات وآلاف الضحايا سنويًا، مع انتقال واضح لمركز الثقل العددي والعملياتي لداعش إلى القارة الأفريقية.
الولايات "الصغرى" في سيناء واليمن والهند وشرق آسيا: بوصفها أذرعًا ذات رمزية دعائية وتعبئة أكثر منها أذرع سيطرة ميدانية واسعة، لكنها تُظهر تنوّع ساحات التنظيم وقدرته على التكيّف.
-خلاصة "بغداد اليوم" في ذلك التقرير كانت واضحة: داعش اليوم أوسع انتشارًا جغرافيًا من 2014، وأضعف على مستوى "الحكم" الميداني، وأكثر اعتمادًا على الخلايا المرنة والولايات المتباعدة. بالنسبة للعراق، يعني ذلك أنّ أي خطأ في إدارة ملف الحدود مع سوريا، أو ملف السجناء، لن يبقى محليًا؛ لأنّ التنظيم يتحرك على خريطة تبدأ من خراسان وتمر بسوريا والعراق، ولا تنتهي في صحراء الساحل الأفريقي.
من التطابق في الأسئلة إلى التطابق في الاستنتاجات
عندما يُقرأ تقرير "سبيشال يوراسيا" الإيطالية اليوم إلى جانب ملفات "بغداد اليوم" السابقة، تتضح ثلاثة مستويات من التطابق:
-الخطر البنيوي للسجون والحدود: التقرير الإيطالي يرى في نقل 7000 سجين خطوة وقائية ومحفوفة بالمخاطر، و"بغداد اليوم" حذّرت قبل ذلك من أنّ توطين الدواعش في منشآت قريبة من بغداد قد يحوّل العاصمة نفسها إلى "خزان خطر" إذا تداخلت السياسة بالأمن.
-ترابط الجبهات من خراسان إلى العراق: الوكالة الإيطالية تنظر إلى العراق بوصفه محورًا في صراع أوسع بين واشنطن وطهران، على أرض مضطربة من سوريا إلى الخليج، بينما وضعت "بغداد اليوم" ولاية خراسان وأفريقيا والحدود الإيرانية – الأفغانية ضمن معادلة الخطر التي تُطوّق العراق من الشرق والغرب.
-العجز السياسي كعامل مضاعف للخطر الأمني: التقرير الدولي يتوقف عند إخفاق تشكيل حكومة موحدة، وتأخر تكليف رئيس وزراء جديد وما أثاره من مخاوف، بوصفه مناخًا قد يعيد إنتاج ظروف 2014؛ و"بغداد اليوم" سجّلت، في أكثر من مادة، أنّ الانقسام بين "الدولة" و"اللادولة" هو الثغرة الأخطر في ملف السجون والحدود، وأنّ غياب المحاسبة عمّا جرى في الموصل والرمادي سابقًا يجعل تكرار الكارثة ممكنًا إذا تكررت المعطيات.
في ضوء ذلك، لا يبدو تقرير "سبيشال يوراسيا" حدثًا منفصلًا أو تحذيرًا مفاجئًا، بل حلقة جديدة في سلسلة إنذار بدأت من الداخل العراقي، عبر تقارير وتحقيقات "بغداد اليوم"، وانتقلت الآن إلى منصات بحثية أوروبية. السؤال الذي يبقى معلّقًا هو: هل تُقرأ هذه الإنذارات بوصفها فرصة أخيرة لإعادة ضبط الملف الأمني – السياسي – الحدودي، أم تُضاف إلى أرشيف التحذيرات التي لم تُستثمر في وقتها، ثم تحوّلت لاحقًا إلى "وثائق" تُستعاد بعد وقوع الانفجار؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات