مقالات الكتاب 28-01-2026, 20:13 | --
+A -A


المالكي يستطيع بناء تحالف عراقي سعودي إيراني

كتب د. معن بن علي الدويش الجربا / باحث في الشأن العربي والإسلامي

تغريدة ترامب وضعت الإطار التنسيقي بين السلة والذلة، فأحلاهما مرّ؛ إذ إنّ الاستجابة لإملاءات ترامب تُعدّ تنازلًا صريحًا عن السيادة الوطنية واستقلال القرار العراقي، وتنازلًا واضحًا عن شعارات الثورة الحسينية التي أصبح يؤمن بها جيل المقاومة من السنّة قبل الشيعة، ممّا يضع شرعية الإطار التنسيقي شعبيًا على المحك. ومن ناحية أخرى، فإنّ الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعني تعريض العراق وشعبه لتحديات قوية وخطيرة من المهم تجنّبها قدر المستطاع، إلّا إذا فُرضت المواجهة على العراق فرضًا.

أعتقد أنّ الحل هو تحقيق التوازن بين التمسّك باستقلالية القرار الوطني، مع إيجاد معادلة توازن مع الضغوط الأمريكية، خصوصًا أنّ "قصة" تغريدة ترامب مضحكة، وتؤكّد أنّ هذه الخطوة ليست خطوة جادة بقدر ما هي إحدى أدوات الضغط الأمريكي من أجل الحصول على مكاسب تفاوضية. فقصة تغريدة ترامب، كما تسرّب في بعض وسائل الإعلام، كانت كالتالي: اجتمعت قيادات سياسية سنّية لتحريك دولة خليجية يرتبطون معها بعلاقات مميّزة، ثم حصلت مكالمة جماعية بينهم وبين شخصية وازنة رئيسية في تلك الدولة، تكفّلت بالحصول على تغريدة "ترامبية" من خلال الحلقة المقرّبة من الرئيس الأمريكي. بالنسبة لترامب، هذه التغريدة مفيدة في كل الأحوال، ولن يخسر شيئًا سواء استجاب الإطار التنسيقي لها أم لم يستجب؛ فإذا استجاب واستُبدل المالكي، سيكون ترامب قد أزاح من أمامه خصمًا قويًا جدًّا، وإذا لم يستجب الإطار، فإنّ هذه التغريدة ستمنح ترامب موقفًا تفاوضيًا جيدًا (مع الاستفادة من الأموال التي تحصل عليها حاشية ترامب من شركات العلاقات العامة وشركات الإعلام في تلك الدولة الخليجية).

قبل سنوات عديدة، وعلى المنابر الفضائية، قلت عن نوري المالكي إنّه سياسي مخضرم استغلّ الأمريكيين ولم يستغلوه؛ انحنى للعاصفة الأمريكية عام 2003 كما انحنى لها العالم أجمع بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، لكنّه كان يُهندس في الخفاء للانقلاب عليها عندما تحين الفرصة. بنى علاقات إيجابية قوية مع الحزب الجمهوري الأمريكي من أجل الإسراع وتسهيل إتمام بناء المؤسسات الدستورية العراقية، بحيث يستطيع بعد ذلك مطالبتهم بالخروج من العراق دون أن يمنح أمريكا الفرصة للتذرّع بعدم اكتمال هيكلية مؤسسات الدولة.

عام 2011 استغلّ الأمريكيون ثورة الشعوب العربية فيما عُرف بـ"الربيع العربي"، واخترقوا الثورة وأفسدوها، ثم حوّلوا مسارها لتخدم مصالحهم في تقسيم الوطن العربي عمومًا، والعراق خصوصًا، فتحرّك المالكي وطالبهم بالإسراع في الخروج من العراق، ثم توجّه نحو فتح علاقات قوية مع روسيا والصين. ردّت أمريكا على المالكي بمؤامرة دولية أطلقت فيها يد الجماعات الإرهابية "داعش" في العراق لإسقاط حكومته.

اليوم نعيش تقريبًا الظروف نفسها التي سبقت عام 2014؛ قوات سورية وصلت إلى الحدود العراقية بعد أن تم تحويلها من جماعات إرهابية إلى قوات عسكرية معترف بها دوليًا، انسحاب أمريكا من قواعدها في العراق، فوز المالكي بولاية ثالثة شبه مؤكد، أمريكا على المستوى الدولي تتوحّش وتصل إلى مرحلة الوقاحة وتخطف رؤساء دول (فنزويلا)، وتسرق أراضي دول (جرينلاند الدنمارك)، ضاربةً القانون الدولي عرض الحائط، وأمريكا تتهيّأ لضرب الجمهورية الإسلامية وخلط أوراق المنطقة، وإسرائيل تعلن لأول مرة صراحة، وعلى لسان رئيس وزرائها، خريطة "إسرائيل الكبرى" التي تمرّ بالعراق وبالوطن العربي أجمع تقريبًا.

نوري المالكي أمامه متطلبات وتحديات كبرى على المستوى الدولي والإقليمي والوطني في هذه الولاية الثالثة، تتلخّص بما يلي: إيجاد صيغة وسطية للتفاهم مع أمريكا دون المساس بالسيادة الوطنية، كي تبحر سفينة الحكومة لإيصال الدولة إلى برّ الأمان، والتمسّك بمبادئه الأخلاقية والدينية اتجاه محور المقاومة، وتحسين الوضع الاقتصادي للدولة، وتحسين مستوى معيشة المواطن، وإكمال مسيرة الإعمار التي أسّس لها ووضع حجر الأساس لها مع السوداني، وإيجاد تحالف إقليمي عراقي سعودي خليجي إيراني، وإيجاد حليف دولي للعراق (روسيا، الصين) دون أن يُزعج الولايات المتحدة، كما تفعل السعودية بذكاء.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يستطيع نوري المالكي أن يحقق التوازن بين متطلبات هذه المعادلة الصعبة؟ أنا شخصيًا أعتقد أنّ نوري المالكي يملك من الخبرة السياسية ما يجعله قادرًا على تجاوز هذه المحنة، ولكن هذه ليست مهمة سهلة أبدًا؛ قد ينجح وقد يُخفق – لا قدّر الله – إذا حِيكَت مؤامرة دولية ضده.

المالكي يُعدّ رجل المرحلة؛ إذ يتمتع بالخبرة، والقوة، والحزم، ويملك صفات قيادية تنسجم مع خطورة المرحلة الحالية التي يمرّ بها العالم، فضلًا عن حصوله على دعم أغلبية المكوّن السياسي الشيعي والكردي، وحصوله على دعم لا بأس به من المكوّن السياسي السني، وحصوله على دعم من الدول الفاعلة إقليميًا. كما أنّ الظروف سانحة له لبناء تحالف عراقي سعودي خليجي، خصوصًا بعد أن استعادت السعودية قيادة الخليج، وأصبحت تتصرّف بمسؤولية قيادية في مواجهة الولايات المتحدة بعد أن استشعرت هي نفسها خطر أمريكا عليها وعلى دول المنطقة.

ندعو الله عزّ وجلّ أن يحفظ العراق وشعبه، والأمّة العربية والإسلامية، وجميع الإنسانية، وأن يوفّق قيادات العراق للنجاح في هذه المهمة الصعبة.

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14