بغداد اليوم – بغداد
قالت المرجعيّة الدينيّة العليا يومًا إنّ "المعركة ضدّ الفساد أشدّ من المعركة ضدّ الإرهاب". كانت الجملة يومها تُقرأ بوصفها تحذيرًا أخلاقيًا وسياسيًا عامًّا، قبل أن تتحوّل، مع مرور السنوات، إلى وصف دقيق لبنية حكم تشابكت فيها شبكات المال والسلطة والسلاح، حتى صار الفساد أقرب إلى "نظام موازٍ" يعيش داخل الدولة لا خارجها.
أمس، عادت هذه الجملة إلى الواجهة، لكن عبر بوابة غير تقليديّة: تغريدة منسوبة إلى مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، لوّح فيها بكشف ملفات فساد تطال مسؤولين حكوميين وسياسيين بارزين، في رسالة قرأها كثيرون على أنّها تهديد مباشر لـ"نادي الفاسدين" في لحظة إقليميّة داخلية شديدة الحساسيّة.
سافايا يدخل على خطّ "معركة الفساد".. ضغط خارجي أم تصفية حسابات؟
في قراءة أوليّة لهذا التطور، يؤكّد الخبير في الشأن السياسي والاستراتيجي حسين الأسعد، أنّ ما أُثير مؤخرًا حول تهديد مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق بكشف ملفات فساد تورّط مسؤولين حكوميين وسياسيين بارزين فيها، يعدّ "تطوّرًا بالغ الحساسيّة ويحمل أبعادًا سياسيّة تتجاوز الإطار الإعلامي".
ويقول الأسعد، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إنّ "مثل هذه التهديدات لا يمكن فصلها عن سياق الضغوط الدوليّة المتزايدة على الطبقة السياسيّة في العراق، لا سيما فيما يتعلّق بملفّات الفساد المالي والإداري، واستغلال النفوذ، وإدارة موارد الدولة خلال السنوات الماضية".
ويبيّن أنّ "استخدام ملفّات الفساد كورقة ضغط سياسيّة يعكس فقدان الثقة بالإجراءات الداخليّة لمعالجة هذه القضايا، ويضع المؤسسات الرقابيّة والقضائيّة العراقيّة أمام اختبار حقيقي لإثبات استقلاليتها وقدرتها على التعامل مع أي معلومات أو أدلة تُقدَّم، بغضّ النظر عن مصادرها أو الأسماء المتورّطة فيها".
ويضيف الأسعد أنّ "التلويح بكشف ملفّات تخصّ شخصيّات بارزة قد يحمل رسائل متعددة؛ أولها للداخل العراقي بضرورة إعادة ترتيب المشهد السياسي ومحاسبة الفاسدين، وثانيها للخارج بأنّ الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أوراق تأثير داخل الساحة العراقيّة".
وتابع أنّ "أخطر ما في هذه التصريحات هو تأثيرها المحتمل على الاستقرار السياسي وثقة الشارع، خصوصًا إذا لم تُدار بحكمة وشفافيّة، أو إذا استُخدمت في إطار تصفية حسابات سياسيّة، فمعالجة ملفّات الفساد يجب أن تتم عبر القنوات القانونيّة والرسميّة، وليس عبر التهديدات الإعلاميّة أو التسريبات".
وختم الخبير في الشأن السياسي والاستراتيجي قوله إنّ "المرحلة الحاليّة تتطلّب موقفًا واضحًا من الحكومة العراقيّة، سواء بنفي هذه المزاعم بشكل قاطع ومدعوم بالأدلة، أو بفتح تحقيقات رسميّة وجادّة في أي ملفّات تُطرح، حمايةً لسمعة الدولة ومؤسساتها، واستجابةً لمطالب الشارع بمكافحة الفساد ومحاسبة المتورّطين دون استثناء".
الفساد في العراق.. منظومة مترابطة لا حالات فرديّة معزولة
ما يضفي على تهديد سافايا خطورته ليس مجرّد مصدره الخارجي، بل البيئة الداخليّة التي يتحرّك فيها. طوال السنوات الماضية، تحوّل الفساد في العراق من "سلوك منحرف" لبعض المسؤولين إلى "منظومة متكاملة" تتداخل فيها الأحزاب والواجهات الاقتصادية والمقاولين ومسؤولو الصفّ الأول والثاني والثالث.
تقارير صحفيّة ورقابيّة عديدة – من بينها عشرات التقارير التي نشرتها "بغداد اليوم" – نبّهت مرارًا إلى أنّ الفساد لم يعد مجرّد رشوة هنا أو عقد متعثّر هناك، بل شبكة معقّدة تتوزّع على عدّة مستويات، من أبرزها:
-عقود المشاريع الكبرى: حيث تتحوّل الإحالة من ملفّ فني إلى صفقة سياسيّة – ماليّة، تُوزَّع فيها النسب بين أطراف نافذة، فيما يدفع المواطن كلفة مشروع متلكّئ أو منقوص أو لا يُنجز أصلًا.
-المنافذ الحدوديّة والموانئ: التي تشكّل "رئة مالية" موازية، تمرّ عبرها البضائع والرسوم والجبايات غير الرسميّة، وتُستخدم عائداتها لتعزيز نفوذ قوى داخلية بدل دعم الخزينة العامّة.
-مزاد العملة والقطاع المصرفي الخاص: حيث تقاطعت تقارير دولية ومحلية حول استخدام النظام المالي في تهريب العملة، وغسل الأموال، وتمويل شبكات مصالح سياسيّة واقتصاديّة.
-الوظيفة العامّة والتعيينات: التي تحوّلت إلى "غنيمة" تُمنح على أساس الولاء الحزبي والطائفي، فيما يُدفَع المواطن أحيانًا ثمن وظيفة من ماله الخاص، في مافيات "البيع والشراء" داخل الإدارات.
-القانون على المقاس: عندما تُفصَّل تشريعات أو تعليمات أو استثناءات لخدمة جهات محدّدة، أو لتغطية عقود غير شفافة، أو لتقييد الهيئات الرقابية بدل تمكينها.
هذه الصورة المتداخلة تفسّر لماذا اعتبرت المرجعية الدينية "معركة الفساد أشدّ من معركة الإرهاب": فالإرهاب يُواجَه بأجهزة أمنيّة وعسكريّة تُعطى أوامر واضحة، بينما الفساد متغلغل داخل المؤسسات نفسها، يملك القدرة على تعطيل القوانين، وإسكات الرقابة، وإعادة إنتاج نفسه مع كل دورة انتخابيّة.
أشكال الفساد.. من العقود والرواتب إلى استغلال شعار "مكافحة الفساد" نفسه
الفساد، كما تظهره الملفات والوقائع الميدانيّة، لم يعد يقتصر على "سرقة مال عام" أو "رشوة" بالمعنى التقليدي، بل اتخذ أشكالًا متعدّدة، بعضها أخطر من الآخر:
-الفساد في العقود الحكوميّة: عبر تضخيم الكلف، أو منح المشاريع لشركات غير مؤهّلة، أو التلاعب بالمواصفات، أو ترك المشاريع متلكّئة لسنوات مع قبض دفعاتها.
-الفساد في الرواتب والدرجات الوظيفيّة: عبر الموظفين الوهميين، أو ازدواج الرواتب، أو الاستحواذ على مخصصات لا تُستحقّ، أو بيع الدرجات على حساب الكفاءة والخبرة.
-الفساد في إدارة الموارد الطبيعيّة: من النفط والغاز إلى الزراعة والمياه، حيث تتحوّل القرارات الفنيّة إلى أوراق مساومة سياسية ومجالات ثراء غير مشروع.
-الفساد في ملفّات الخدمات اليوميّة: من الكهرباء إلى الصحة والتعليم والبلديّات، حيث يُهدَر المال العام في حلول ترقيعيّة لا تُغيّر الواقع، لكنها تُغذّي شبكات عقود ومقاولين.
-الفساد المغلّف بشعار "مكافحة الفساد": وهي واحدة من أخطر الصور، حين تُستخدم شعارات الإصلاح لابتزاز خصوم سياسيّين، أو لإعادة توزيع الحصص تحت لافتة "التطهير"، من دون تغيير القواعد الفاسدة التي تنتج الطبقة نفسها.
من المسؤول عن هذه المنظومة؟ عندما ضاعت الدماء بين السياسيّين
سؤال المسؤولية عن الفساد في العراق لا ينفصل عن سؤال المسؤولية عن سقوط المحافظات بيد تنظيم داعش. في الحالتين، عاش العراقيّون مشهدًا متشابهًا: كارثة كبرى، لجان تحقيق، خطابات عالية الصوت، ثمّ في النهاية خلاصة واحدة: "الكلّ مسؤول"، وبذلك لم يُحاسَب أحد.
الأسلوب نفسه تكرّر في ملفّ الفساد: كلّ القوى تُدين الفساد لفظيًا، وتطالب بضرب "الرؤوس الكبيرة"، لكنّ أحدًا لا يسمّي حلفاءه وأدواته. تُشكَّل لجان، تُكتب تقارير، تُنشَر أرقام مرعبة عن الهدر والسرقات، ثمّ ينتهي كل شيء عند سقف التسويات السياسيّة.
هذا "التعميم المتعمّد" للمسؤوليّة جعل من الصعب أن يمسك القضاء خيطًا واحدًا إلى نهايته، إذ غالبًا ما تُغلق القضايا عند حدود "كبش فداء" من الصفوف الوسطى أو الدنيا، بينما تبقى مراكز القرار الحقيقيّة خارج دائرة الاتهام.
النتيجة أنّ الفساد لم يَعُد مجرّد انحراف عن النظام، بل صار في حالات كثيرة هو النظام نفسه: طريقة توزيع المناصب، إدارة العقود، بناء التحالفات، تمويل الحملات الانتخابيّة، وضمان الولاءات داخل وخارج البرلمان.
هل يكسر تهديد سافايا الحلقة المغلقة.. أم يتحوّل إلى ورقة ابتزاز جديدة؟
التدخّل الأميركي عبر التلويح بملفّات فساد يطرح معادلة معقّدة:
-من جهة، لا يمكن إنكار أنّ أي كشف موثّق لوثائق وأدلة حقيقيّة عن فساد كبار المسؤولين قد يشكّل فرصة نادرة لكسر "جدار الحصانة" السياسيّة، ويفتح الباب أمام القضاء والرأي العام للتحرّك.
-من جهة أخرى، يحمل هذا المسار خطرًا واضحًا إذا جرى انتقائيًا، بحيث يُستخدم لضرب خصوم وإعادة تدوير حلفاء، أو لفرض ترتيبات سياسيّة جديدة تحت ضغط الفضيحة.
بمعنى آخر، قد يتحوّل شعار "كشف الفاسدين" إلى أداة جديدة في لعبة النفوذ، إذا لم تكن هناك إرادة عراقية صلبة تضع معيارًا واحدًا: كل من تثبت إدانته يُحاسَب، أيًّا كان موقعه أو انتماؤه، وبناءً على أدلة تُقدَّم إلى قضاء مستقل، لا إلى طاولة المساومات السياسيّة.
ما الحلّ؟ معركة المرجعيّة لا تُحسم بتغريدة
الخبر الصريح الذي حملته تغريدة سافايا هو أنّ الخارج يمتلك "أوراقًا" عن فساد الداخل، ومستعدّ لاستخدامها عند الحاجة. أمّا الرسالة الأعمق، فهي أنّ الدولة، بمؤسساتها الرقابيّة والقضائيّة، لم تقنع شعبها ولا شركاءها بأنّها قادرة وحدها على فتح هذه الملفات وإغلاقها وفق القانون.
الحلّ، كما يجمع عليه أغلب المختصّين، لا يمكن أن يأتي من تغريدة مبعوث أجنبي، مهما كانت حادّة، بل من داخل البنية العراقيّة نفسها، عبر مسار طويل ومحكم من الخطوات، من بينها:
-تحصين القضاء ومنحه الحماية الفعليّة: قانونيًا وأمنيًا وماليًا، كي يتمكّن من فتح ملفات الرؤوس الكبيرة دون خوف أو تدخل.
-إطلاق يد الهيئات الرقابيّة المستقلة: وتوفير غطاء سياسي لها يمنع استخدام التقارير كورقة مساومة، ويضمن نشر النتائج للرأي العام.
-فرض شفافيّة صارمة في العقود والمال العام: عبر أنظمة إلكترونيّة، وإلزام الجهات الحكوميّة بكشف تفاصيل الصفقات الكبرى، وتدقيقها داخليًا ودوليًا عند الحاجة.
-مكافحة تضارب المصالح والكشف عن الذمّة الماليّة: بوصفهما شرطًا لممارسة أي منصب تنفيذي أو تشريعي، مع وجود عقوبات حقيقيّة لمن يتلاعب أو يتستر.
-تمكين الصحافة الاستقصائيّة والمجتمع المدني: بدل التضييق عليهما، لأنّهما يشكّلان خط الدفاع الأول عن المال العام حين تتردّد المؤسسات الرسمية.
من دون مسار داخلي بهذا العمق، سيبقى أي تهديد خارجي – بما في ذلك تهديد سافايا – مجرّد موجة عابرة، تخيف الفاسدين يومًا واحدًا، ثم تُستخدم جزءًا من لعبة أوسع، من دون أن تغيّر حقيقة أنّ "معركة الفساد أشدّ من معركة الإرهاب"، وأنّ من يريد خوضها حقًا يجب أن يبدأ من بغداد لا من واشنطن.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية