بغداد اليوم – بغداد
منذ إقرار قانون العفو العام في العراق، ظلّ هذا التشريع محمّلًا بآمال متناقضة: جزء من الشارع رآه فرصة لإنصاف المظلومين وتخفيف الاكتظاظ في السجون، وجزء آخر خشي أن يتحوّل إلى بوّابة لعودة المتورّطين بالعنف والإرهاب إلى الشارع. ومع كل دورة برلمانية، يعود الجدل بصورة جديدة، لكنّ النسخة الحالية من العفو تبدو – بنظر كثيرين – انتقائية أكثر مما هي "عامة"، مع تصاعد أصوات تطالب اليوم بتعديله ليفتح باب إعادة التحقيق والمحاكمة في آلاف القضايا، بالتزامن مع إعلان وزارة العدل رسميًا انتهاء أزمة الاكتظاظ في السجون، وفتح ملف نقل سجناء داعش من سوريا إلى الداخل العراقي.
من "السلة الجماعية" إلى عفو بطعم الانتقاء
يقول الباحث في الشأن السياسي، مكرم القيسي، في حديث خاص لـ"بغداد اليوم"، إنّه "لا يمكن القول إن السجون العراقية لا تزال مكتظّة كما في السابق، فإقرار قانون العفو العام أسهم في تخفيف أعداد كبيرة من السجناء، وذلك عبر قرارات القضاء العراقي ووزارة العدل، في إطار توجّه حكومي وبرلماني جاء استجابة لمطالب شعبية، وتمّ التصويت عليه ضمن ما عُرف بـ(السلة الجماعية) التي شملت أيضًا قوانين أخرى، من بينها قانون الأحوال الشخصية وقانون تحرير الأراضي".
هذا الإقرار بالعفو كخطوة تخفيفية لا يمنع – برأي القيسي – من الإشارة إلى طابعه الانتقائي؛ إذ يوضح أنّ "المشمولين بالعفو العام، من وجهة نظره، هم في الغالب أصحاب الدعاوى المدنية، في حين لا يرى حتى الآن خروجًا واضحًا أو فعليًا لأشخاص متهمين بقضايا إرهاب"، ما يعني أنّ "القانون طُبّق عمليًا على شريحة، وظلّت شريحة أخرى – هي الأكثر حساسية سياسيًا وطائفيًا – حبيسة تفسيرات ضيّقة أو مسارات بطيئة".
أبرياء داخل السجون.. وملف "المخبر السري"
القيسي يقرّ بصراحة: "السجون العراقية لا تزال تضم، بحسب تعبيره، عددًا من الأبرياء المتهمين بقضايا إرهاب"، مع تأكيده في الوقت ذاته "إدانته لكلّ من شارك في الإرهاب وساهم في قتل المواطنين وإراقة الدماء العراقية". لكنّه يشير إلى أنّ "كثيرًا من المحتجزين، ولا سيّما من المكوّن السني، يواجهون تهمًا بالإرهاب دون أن يكونوا قد شاركوا فعليًا في أعمال عنف"، معتبرًا أنّ القضية "باتت تحمل طابعًا طائفيًا في بعض جوانبها".
ويذكّر بما جرى في السنوات الماضية من دعاوى ارتبطت بما يُعرف بـ"المخبر السري"، والتي أدّت لاحقًا إلى إغلاق عدد من القضايا، لكنّ ظلالها بقيت ماثلة في ملفات أخرى. ومن هنا يدعو القيسي إلى "إعادة محاكمة المتهمين عبر تشكيل لجان حقيقية مكلّفة من القضاء العراقي لإعادة التحقيق وفلترة الملفات، بما يسمح بتمييز المدانين الحقيقيين عن الأبرياء". وهذا المطلب يلتقي – بشكل واضح – مع ما يُتداول سياسيًا عن أنّ بعض القوى، ولا سيما من المكوّن السني، جعلت من تعديل قانون العفو العام وإدخال مسار إعادة التحقيق أحد مطالبها في هذه الدورة البرلمانية.
وزارة العدل تتحدّث عن نهاية الاكتظاظ.. لكن الملف لم يُغلق
هذا الجدل يتزامن مع معطيات رسمية جديدة. ففي تصريح سابق لـ"بغداد اليوم"، أكّدت وزارة العدل أنّ "مستوى الاكتظاظ في السجون انخفض ليصل إلى 100% من الطاقة التصميمية بعد أن كان يصل إلى 300% في فترات سابقة"، مبينة أنّ "جميع الأقسام الإصلاحية تعمل الآن ضمن التصنيف المخصص لعدد السجناء في كل سجن".
وأوضحت الوزارة أنّها "أطلقت سراح 11 ألفًا و500 نزيل ضمن قانون العفو، إضافة إلى نحو 4 آلاف آخرين بقضايا مختلفة انتهت محكومياتهم أو حصلوا على تنازل من المشتكين"، مشيرة إلى أنّ هذا الإجراء "أسهم بشكل مباشر في تخفيض عدد السجناء وتخفيف الضغط عن منظومة السجون"، بالتوازي مع بناء سجون جديدة وتوسعة سجون قائمة.
لكنّ القيسي ينظر إلى هذه الأرقام من زاوية أخرى؛ فهو يرى أنّ "أعداد السجناء اليوم أقل من السابق، نعم، لكن هذا لا يعني أنّ العدالة أنصفت الجميع"، محذّرًا في الوقت ذاته من أنّ "قرار نقل عناصر تنظيم داعش من الأراضي السورية واحتجازهم داخل العراق قد يؤدّي مجددًا إلى اكتظاظ السجون، ما يستدعي تحقيقات ومحاكمات جديدة، ويضع المنظومة برمّتها أمام اختبار آخر".
عفو "إصلاحي" أم أداة لإدارة التوازنات؟
في بلدان كثيرة، يُنظر إلى العفو العام كأداة لإعادة الاندماج الاجتماعي وتخفيف الاحتقان، لا كصفقة سياسية مؤقتة. القيسي يذكّر بأنّ "كثيرًا من الدول تعتمد قرارات أو مراسيم عفو عام تمنح المواطنين فرصة جديدة"، موضحًا أنّ "السجن يُفترض أن يكون مؤسسة إصلاحية، وأنّ من قضى نصف أو ثلث مدّة محكوميته قد يكون قد نال جزاءه العادل"، داعيًا إلى "إتاحة فرصة لإعادة الاندماج في المجتمع، وفق ما تطرحه منظمات حقوق الإنسان".
لكن في الحالة العراقية، يبدو العفو – كما يصفه – "مشدودًا بين منطقين": منطق أمني يخشى تفلّت أيّ متهم بقضايا إرهاب أو عنف، حتى لو كانت الشبهات عليه ضعيفة، ومنطق سياسي/حقوقي يطالب بفتح الملفات، لا لإطلاق سراح القتلة، بل لتمييزهم عن الأبرياء الذين سُجنوا تحت ضغط المخبر السري، أو اعترافات منتزعة، أو دعاوى مشكوك في أسسها.
ومن هنا، يتحوّل العفو العام من قانون واحد إلى ساحة صراع بين إرادات متعدّدة، ويصبح "انتقائيًا" عندما يُطبَّق على فئات، ويُستثنى منه عمليًا آخرون بحجّة "الحساسية الأمنية" أو "الظروف السياسية".
مطلب تعديل القانون: إعادة التحقيق لا إسقاط الإدانة
في خلفية المشهد، يتنامى اتجاه داخل قوى من المكوّن السني إلى اشتراط تعديل قانون العفو العام ضمن سلة المطالب السياسية في هذه الدورة البرلمانية، بحيث لا يقتصر الأمر على توسيع المشمولين، بل يمتدّ إلى إعادة فتح التحقيق في نوع محدّد من الملفات، ولا سيما تلك التي ارتبطت بالمخبر السري أو الاتهامات الفضفاضة بالإرهاب.
هذا الاتجاه لا يعني إسقاط التهم بالجملة، بل "تشكيل لجان قضائية مهنية تعيد مراجعة الأدلة، وتستمع إلى الدفاع، وتدقق في سلامة الإجراءات، لتفصل بين من شارك فعليًا في الإرهاب، وبين من وجد نفسه داخل هذه التهمة بفعل خصومة سياسية أو وشاية أو بيئة طائفية مشحونة".
بين "نهاية الاكتظاظ" وبداية نقاش جديد حول العدالة
في الخلاصة، يبدو أنّ إعلان انتهاء أزمة الاكتظاظ في السجون لا يعني انتهاء الجدل حول من بقي داخلها، ولا كيف جرى اختيار من خرج عبر بوابة العفو العام. فالأرقام الحكومية تقول إنّ الطاقة الاستيعابية عادت إلى حدودها "الطبيعية"، لكنّ شهادات باحثين ومختصين، مثل مكرم القيسي، تفتح بابًا آخر عن طبيعة العدالة التي مورست في هذا الملف، وعن أثر "الفكر الطائفي" – كما يسميه – في بعض القرارات السياسية ومواقف الأحزاب، وانعكاس ذلك على ملف السجناء، ولا سيما من المكوّن السني.
وبين عفو عام أُقرّ تحت عنوان الاستجابة للمطالب الشعبية وتخفيف العبء عن السجون، ومطالب جديدة تطالب اليوم بتعديله لإدخال مسار إعادة التحقيق، يبدو أنّ السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: كم سجينا خرج؟ بل: من بقي؟ ولماذا؟ وعلى أيّ أساس يمكن أن تُفتح الملفات مجددًا بصورة تضمن العدالة للضحايا والأبرياء في آن واحد؟
تقرير: محرر قسم الشؤون الأمنية في بغداد اليوم
بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات