سياسة / أمن / ملفات خاصة 27-01-2026, 23:16 | --
+A -A

بين المباركة والفيتو


تحديات الحكومة القادمة: واشنطن تريد كتابة التشكيلة الوزارية.. والفصائل تُجهز الأكفان: نفير عام

بغداد اليوم – بغداد

بين الـ"فيتو" الأمريكي، ورسائل دعم إيرانية لمسار الإطار التنسيقي، وبيانات تصعيدية من الفصائل تتحدث عن "نفير شامل" و"عمليات استشهادية" وإخراج أمريكا من "المنطقة كلها"، يجد العراقيون أنفسهم مجددًا في قلب معادلة ثقيلة: أي ثمن سيدفعه العراق إذا تحوّل إشراك الفصائل في الحكومة المقبلة إلى نقطة اشتباك مباشر بين واشنطن وطهران على أرضه؟

منذ أيام، تتدافع التسريبات السياسية والإعلامية عن مطالب أمريكية "واضحة" بعدم إشراك الفصائل التي فاز ممثلوها في الانتخابات ضمن المناصب العليا في الدولة، ولاسيما في الكابينة الوزارية والمواقع السيادية. 

في المقابل، لا تتصرف الفصائل وكأنها في موقع دفاعي. واحدة من أبرز هذه الفصائل دعت، خلال الساعات الماضية، إلى "النفير الشامل" لمواجهة الولايات المتحدة إذا قصفت إيران، وتحدّثت صراحة عن "عمليات استشهادية"، بل ذهبت أبعد من ذلك بالقول، "بالضرس الممتلئ" على حدّ تعبير قادتها، إن المعركة لن تقف عند حدود العراق، بل ستتجه نحو "إخراج أمريكا من المنطقة كلها". هذه اللغة لا تترك مجالًا لقراءة رمادية: الفصائل تعلن أنها ترى نفسها طرفًا مباشرًا في أي مواجهة محتملة مع واشنطن، وأنّ ملف مشاركتها في الحكومة ليس تفصيلاً سياسيًا، بل جزءًا من معركة نفوذ وهوية في الإقليم.

الحمامي يقلّل من شأن "الفيتو" ويعيد الكرة إلى الداخل العراقي

وسط هذه الأجواء، يحاول بعض السياسيين التقليل من شأن الحديث عن رسائل أمريكية حاسمة. النائب السابق عارف الحمامي، أكد في حديث لـ"بغداد اليوم"، أنّ ما يُشاع عن طلب أمريكي رسمي يمنع نواب الفصائل من تولّي مناصب في الكابينة الحكومية أو مؤسسات الدولة "غير دقيق"، موضحًا أنّه لم يصل إلى بغداد "أي طلب رسمي بهذا الاتجاه".

الحمامي يرى أنّ ما يجري تداوله يدخل في خانة "الرسائل السياسية" التي يطلقها البيت الأبيض عبر الإعلام، من خلال تقارير وتسريبات، من دون تحويلها إلى مخاطبات رسمية، مشيرًا إلى أنّ واشنطن "تتحرّك ضمن أجندة خاصة في العراق، وتستخدم أجواء الفوضى على الساحة الدولية لإعادة رسم ملامح هذه الأجندة"، لكنه مع ذلك يشدد على أنّ مسار تشكيل الحكومة المقبلة "يبقى، من حيث المبدأ، خاضعًا لتفاهمات عراقية – عراقية بحتة"، وأنّ ما يدور في الكواليس لن يكون هو العامل الحاسم وحده في شكل الكابينة الوزارية.

بهذه المقاربة، يحاول الحمامي سحب النقاش من مربع "الأوامر الخارجية" إلى مربع "المسؤولية الداخلية"، لكنّ الصورة على الأرض تبدو أكثر تعقيدًا من مجرّد نفي وجود كتاب رسمي أو تأكيد سيادة القرار العراقي.

في تصريحات صحفية.. عامر الفايز يكشف رسائل خامنئي وحدود التفاهم مع واشنطن

المعطيات الأكثر تفصيلاً حول ما يجري في الغرف المغلقة قدّمها، خلال الساعات الماضية، عامر الفايز، رئيس كتلة تصميم المنضوية في الإطار التنسيقي، الذي كشف في تصريحات صحفية تابعتها "بغداد اليوم" عن تداخل رسائل طهران وواشنطن داخل معادلة تشكيل الحكومة، وحدود ما يمكن اعتباره "ضوءًا أخضر" أو "خطًا أحمر" من الجانبين.

الفايز أوضح أنّ قيادة الإطار وجّهت سؤالًا رسميًا إلى طهران بشأن مسار اختيار رئيس الوزراء، وأنّ الإجابة جاءت عبر رسالتين من المرشد علي خامنئي. في الرسالة الأولى، لم يُذكر اسم نوري المالكي صراحة، بل جرى الحديث عن "مباركة" لاتفاق الإطار وخياراته "ضمن التوقيت الدستوري". وبعد أن عادت بعض قيادات الإطار للاستفسار عن مضمون هذه المباركة، ولاسيما في ظل عدم تحقق إجماع كامل داخل الإطار، جاء الرد الثاني بأنّ المرشد "يبارك الاختيار حتى إن لم يتحقق الإجماع، لأنه أفضل من تأخير التوقيتات الدستورية".

بهذا المعنى، يرسم كلام الفايز صورة مختلفة عما يجري تداوله عن "تبنٍّ إيراني صريح لشخص المالكي": طهران، بحسب هذه الرواية، تبارك آليات الإطار وتماسكه والزمن الدستوري، أكثر ممّا تضع ثقلها خلف اسم بعينه، وإن كانت لا تعترض على من يرسو عليه الخيار في نهاية المطاف. الفايز يؤكد صراحة أنّه "لم يصل أي اعتراض إقليمي أو دولي على شخص المالكي"، وأنّ الاعتراضات، حين وصلت، كانت "منصبة على موضوع الفصائل ومواقعها في الدولة، لا على المرشح نفسه".

في المقابل، يكشف الفايز عن وجه آخر للمشهد، هذه المرة من بوابة واشنطن. يقول إنّ المبعوث الأمريكي مارك سافايا أبلغ قادة قوى شيعية "بشكل واضح" بأنّ وجود الفصائل في المناصب العليا والحكومة المقبلة "غير مقبول"، وأن تركيزه انصبّ في إحدى الرسائل على منصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب الذي يشغله القيادي في حركة عصائب أهل الحق عدنان فيحان، موضحًا أنّ سافايا قال بصريح العبارة إنّ الإدارة الأمريكية لا توافق على أن يتولّى هذا المنصب قيادي في فصيل مسلّح.

بحسب الفايز، كان جواب بعض قيادات الإطار لهذا الطرح أنّ "هذا ليس من حقكم"، وأنّ اختيار نواب الرئاسة والوزراء "شأن داخلي"، لكنّ الرسالة الأمريكية بقيت معلّقة في الهواء: واشنطن تقبل، في الظاهر، بأن اختيار رئيس الوزراء "شأن عراقي"، وتقول إن من حق القوى العراقية أن تختار من تشاء، لكنها تحتفظ لنفسها، في المقابل، بحق "التعامل مع الحكومة القادمة أو عدم التعامل معها"، وتضع خطًا أحمر واضحًا على مشاركة الفصائل في الحكومة والمناصب السيادية.

بين خطوط حمراء متقاطعة.. أين يقف العراق؟

ما ترسمه هذه الشهادات مجتمعة هو مشهد خطوط حمراء متقاطعة:

-إيران ترسل إشارة "مباركة" لمسار الإطار، وتبدو معنية بعدم تفكّكه واحترام التوقيتات الدستورية أكثر من دفاعها عن اسم محدّد، ما دام يحافظ على وحدة البيت الشيعي.

-واشنطن تقبل، نظريًا، بحرية اختيار رئيس الوزراء، لكنها تربط عمق انخراطها في التعامل مع الحكومة المقبلة بمدى إبعاد الفصائل عن المناصب العليا، وتستخدم ملف المنصب الحساس لنائب رئيس البرلمان مثالًا حيًا على ما لا تريد رؤيته.

-الفصائل نفسها ترفع سقف تحدّيها، وتلوّح بالنفير والعمليات الاستشهادية وإخراج القوات الأمريكية من المنطقة، ما يجعل أي خطوة للتراجع عن إشراكها في الحكم مكلفة داخل بيئتها.

في قلب هذه الدوامة، يقف العراقي العادي أمام سؤال واحد تقريبًا: هل يمكن تشكيل حكومة جديدة من دون أن تتحوّل إلى صاعق تفجير لعقوبات أمريكية أو مواجهة إقليمية، ومن دون أن يشعر جزء واسع من القوى الشيعية بأنّه خسر نفوذه السياسي لصالح ضغوط الخارج؟

ما يُظهره تداخل رسائل خامنئي وتلميحات سافايا وتصريحات الحمامي والفايز، هو أنّ معركة إشراك الفصائل لا تدور فقط حول مقاعد وزارية أو مناصب نيابية، بل حول شكل الدولة العراقية في السنوات المقبلة: دولة تحاول أن تبني توازنًا دقيقًا بين نفوذ السلاح وضغوط العقوبات، أم ساحة أخرى تُحسم فوقها جولة جديدة من صراع الإرادات بين واشنطن وطهران، فيما يبقى العراقيون، مرّة أخرى، أقرب ما يكونون إلى متفرجين يدفعون ثمن اللعبة أكثر ممّا يشاركون في رسم قواعدها.

تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

سبع طائرات مسيّرة تستهدف أربيل وسط تحليق مكثف للطيران الحربي

بغداد اليوم - أربيل كشف مصدر أمني، اليوم الجمعة ( 3 نيسان 2026 )، عن تعرض مدينة أربيل لهجوم واسع نفذته سبع طائرات مسيّرة، تزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي في سماء المنطقة. من جانبه، طمأن محافظ أربيل، أوميد خوشناو، الرأي العام مؤكداً أن الدفاعات الجوية

اليوم, 01:31