أمن / عربي ودولي / ملفات خاصة 25-01-2026, 14:30 | --
+A -A


عقيدة ترامب الجديدة.. "حروب بلا جنود": استراتيجية البنتاغون تضع العراق في "مثلث الموت"

بغداد اليوم – بغداد

تفتح الاستراتيجية العسكرية الجديدة التي أعلنتها وزارة الحرب الأمريكية، الباب أمام مرحلة مختلفة في طريقة تعاطي واشنطن مع العالم، من آسيا إلى أوروبا فالشرق الأوسط. ولم تعد الوثيقة مجرّد ورقة عقيدة عسكرية، بل خريطة طريق تعيد رسم توزيع الأعباء بين الحلفاء، وتقلّص الانخراط الأمريكي المباشر في الحروب الطويلة، مع تكريس مبدأ "أمريكا أولاً" في الأمن كما في الاقتصاد.

في هذا السياق، يحدد الخبير في الشؤون الأمنية صادق عبد الله، ثلاث نقاط أساسية في هذه الاستراتيجية، ويرى أنّ "بوصلة التوجهات العسكرية الأمريكية تغيرت بشكل كبير في عهد الرئيس الحالي ترامب، من حيث الأولويات وطبيعة التعامل مع الملفات الدولية الحساسة، لا سيما المتعلقة بالصين وروسيا والشرق الأوسط وصولاً إلى حلفائها في الناتو وأوروبا”، مشيراً إلى أنّ ما يجري “ليس مجرد تحديث تقني، بل انعطافة في فلسفة القوة الأمريكية ذاتها".


من "حروب إعادة بناء الدول" إلى أولوية الداخل والأمريكتين

الوثيقة الجديدة، بحسب ما نشرته الصحافة الدولية، تركّز أولاً على الدفاع عن الداخل الأميركي ونصف الكرة الغربي بوصفه المسرح الأهم للأمن القومي، مع إعادة تفعيل نسخة محدّثة من "مبدأ مونرو" في إستراتيجية الأمن القومي 2025، التي تشكّل الأساس السياسي لهذه الاستراتيجية الدفاعية الجديدة.

هنا تتقاطع القراءة الميدانية مع تشخيص عبد الله، الذي يؤكد أنّ "الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لخوض حروب مفتوحة وطويلة على غرار أفغانستان والعراق، بل انتقلت إلى نموذج يقوم على تقليل الانتشار البري المباشر، والتعويل أكثر على القدرات الجوية والبحرية والفضائية والحرب السيبرانية والطائرات المسيّرة، مع إبقاء القوة التقليدية كأداة ردع احتياطية أكثر منها أداة تدخل يومي".

وبينما كانت الوثائق السابقة تنظر إلى الانتشار العسكري عبر العالم كضمانة لزعامة أميركية مطلقة، فإن الاستراتيجية الحالية تضع سقفاً أوضح لمفهوم الدور العالمي، وتعيد تعريفه بوصفه: منع القوى الأخرى من الهيمنة الإقليمية بدلاً من إدارة كل الملفات بنفسها. 

الصين وروسيا وأوروبا: إدارة توازن بدل صدام شامل

في محور الصين، تتبنّى الاستراتيجية لغة أكثر هدوءاً مقارنة بعقيدة 2018 و2022؛ إذ يتحدّث البنتاغون عن ضرورة تحقيق "استقرار إستراتيجي" في المحيطين الهندي والهادئ، مع تعزيز الاتصالات العسكرية مع بكين لتجنّب الانزلاق إلى صدام مباشر، في وقت تستمر واشنطن في تقوية دفاعاتها على طول "سلسلة الجزر الأولى" كرسالة ردع غير معلنة. 

هذا التوازن الحذر، كما يشرح عبد الله، يعكس “إدراكاً أمريكياً متزايداً بأنّ الصدام المفتوح مع الصين سيكون مكلفاً إلى حدّ يهدد التفوق الغربي نفسه، لذلك نرى تحوّلاً من خطاب المواجهة الوجودية إلى خطاب إدارة التنافس، مع إبقاء التفوق التكنولوجي والعسكري الأمريكي في المقدمة".

أمّا روسيا، فتتعامل معها الاستراتيجية الجديدة بوصفها تهديداً يمكن احتواؤه أوروبياً؛ إذ تفترض الوثيقة أنّ دول الناتو باتت قادرة على تحمّل العبء الرئيسي في الردع، مع تقليص الحاجة إلى انتشار أمريكي كثيف قرب أوكرانيا، والضغط في الوقت نفسه باتجاه حلول تفاوضية تخفّف كلفة الصراع على واشنطن. 

وهنا يستعيد عبد الله جانباً آخر من الاستراتيجية، قائلاً إنّ "الولايات المتحدة بدأت بالفعل تصطدم مع حلفائها في الناتو، خصوصاً الدول الأوروبية المهمة، في ملفات مثل جزيرة غرينلاند والتحمل المالي والحلول المقترحة للحرب الروسية الأوكرانية بعيداً عن أوروبا، ما أثار غضبها بشكل واضح"، في إشارة إلى أنّ واشنطن لم تعد مستعدة لدفع الفاتورة الأمنية وحدها، وتطالب الأوروبيين بحصّة أكبر من الدم والمال في أي مواجهة محتملة. 

كوريا الشمالية والحلفاء في آسيا: "دور أكثر محدودية" لواشنطن

واحدة من أبرز الإشارات في الاستراتيجية الجديدة هي إعلان البنتاغون أنّ دوره في ردع كوريا الشمالية سيكون "أكثر محدودية"، وأنّ كوريا الجنوبية قادرة على تحمّل المسؤولية الأساسية في الردع مع دعم أمريكي أقل حجماً وأكثر تخصصاً. 

هذا التحوّل ينسجم، بنظر عبد الله، مع الاتجاه العام الذي يحمّل الحلفاء كلفة أمنهم، ويحوّل الوجود الأمريكي من "مظلّة كاملة" إلى "شريك مرجّح" يضمن ميزان القوى من بعيد، من دون أن يكون دائماً في خط النار الأول. كما يعكس – عملياً – انتقالاً من هدف "نزع السلاح النووي الكوري" إلى هدف أكثر واقعية: إدارة التهديد ومنع الانفلات.


إيران والشرق الأوسط: صراع منخفض الحدة وحروب المسيّرات

الشرق الأوسط لم يخرج من الحسابات الأمريكية، لكنه لم يعد في مقدمة المسرح كما في عقدَي ما بعد 2001. فالاستراتيجية الجديدة تشير، وفق تقارير دولية، إلى استمرار تعزيز الحضور الجوي والبحري في المنطقة، مع تقليل الاعتماد على الانتشار البري المكلف، والتركيز على ضربات دقيقة، وطائرات مسيّرة، ووحدات خاصة. 

وتضع الوثيقة إيران في خانة "القوى التي يجب منعها من الهيمنة في محيطها"، مع تأكيد على تهديد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والشبكات الإقليمية المتحالفة معها. 

في هذا السياق، يوضح عبد الله أنّ "الاستراتيجية الأمريكية تناولت ملف إيران ووكلائها في الشرق الأوسط، مؤكدة أنها لا تزال تدرك قدرات إيران العسكرية، وأنها تمثل تهديداً مستمراً، مما قد يشير إلى احتمالية صراع جديد في المنطقة"، لافتاً إلى أنّ هذا الصراع، إذا وقع، "لن يكون على شاكلة غزو بري شامل، بل أقرب إلى سلسلة من المواجهات المحدودة والمتقطعة، عبر السماء والبحر والمسيّرات والعقوبات الاقتصادية".

اللافت هنا أنّ واشنطن لم تعد تتمسك حصراً بصيغ التفوق التقني المكلف؛ إذ تشير تقارير أمريكية إلى نشر طائرات مسيّرة هجومية منخفضة الكلفة في الشرق الأوسط، مستوحاة من نموذج "شاهد" الإيراني، بعد عملية عكس هندسة استمرت سنوات، في رسالة تقول عملياً إنّ البنتاغون مستعد لخوض حروب الدرونز الرخيصة في ملعب خصومه أنفسهم. 

العراق في قلب احتمالات التصعيد

بالنسبة للعراق، فإنّ الاستراتيجية لا تذكره بالاسم بوصفه مسرحاً مستقلاً، لكنّ ربط ملف إيران بشبكاتها الإقليمية، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، يجعل البلاد جزءاً موضوعياً من أي سيناريو تصعيد أو تهدئة في المنطقة.

ويحذّر عبد الله من أنّ "العراق قد يكون جزءاً من أي سيناريو محتمل، خصوصاً في ظل وجود فصائل تتهمها واشنطن بالارتباط المباشر بطهران وتلقي التمويل والتدريب، ما قد ينعكس على المشهد الأمني العراقي"، موضحاً أنّ أي تحول في قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران – سواء نحو التصعيد أو التهدئة – "سيمرّ من بوابة العراق بدرجة أو بأخرى، بحكم الجغرافيا السياسية، ووجود قواعد أمريكية وفصائل مسلحة وممرات لوجستية".

من جهة أخرى، يعني انتقال واشنطن إلى نموذج حضور أخف لكن أكثر تقنية أنّ العراق قد يشهد، في أي أزمة قادمة، تزايداً في استخدام الطائرات المسيّرة، والضربات المحدودة، والحرب السيبرانية، من دون استقدام جيوش برية كبيرة، ما يضع على الحكومة العراقية عبئاً مضاعفاً في ضبط الساحة ومنع تحوّل البلاد إلى ميدان تصفية حسابات مفتوح.


حلفاء متبرّمون ومؤسسات دولية تتراجع

الاستراتيجية الجديدة ليست رسالة إلى الخصوم فقط، بل إلى الحلفاء أيضاً. فهي توبّخ، بلغة غير مباشرة، حلفاء الناتو على “الاعتماد التاريخي على القوة الأمريكية"، وتطالبهم بتحمّل نصيب أكبر من التمويل والقوات، سواء في أوروبا أو في شمال الأطلسي والمناطق القطبية التي عادت إلى واجهة الصراع، كما في ملف غرينلاند وما حولها. (AP News)

وفي هذا الإطار، يؤكد عبد الله أن “المرحلة المقبلة قد تشهد ارتدادات كبيرة في المشهد الدولي، وأن المؤسسات الدولية التقليدية، مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة، قد لا تكون فعالة كما في الماضي، ما يجعل الساحة الدولية أكثر تعقيداً وحبلى بالمفاجآت"، في إشارة إلى أنّ تراجع الدور التحكيمي لتلك المؤسسات يفتح المجال أمام سياسة القوة المباشرة، حيث تتقدم الاتفاقات الثنائية والتحالفات المرنة على حساب القواعد الجماعية الملزمة.


عالم أقل استقراراً وأكثر "واقعية قاسية"

في المحصلة، ترسم الاستراتيجية العسكرية الأمريكية الجديدة، كما يقرأها الخبراء، صورة لعالم أقل استقراراً وأكثر "واقعية قاسية"؛ عالم تُطالَب فيه الدول بتحمّل كلفة أمنها، وتُدار فيه النزاعات بين القوى الكبرى عبر الحواف والهوامش، من دون صدام مباشر، لكن أيضاً من دون منظومة دولية قوية قادرة على ضبط الإيقاع.

بالنسبة للعراق، فإنّ الرسالة مزدوجة: من جهة، لا يبدو البلد هدفاً لحرب أمريكية جديدة بالشكل الكلاسيكي الذي عرفه في 2003. ومن جهة أخرى، فإنّ موقعه بين إيران والخليج وسوريا، ووجود فصائل مسلحة وملفات معلّقة، يجعله عرضة دائماً لارتدادات أي صراع منخفض الحدة تخوضه

وبالنهاية، واشنطن وطهران على أرض الغير وبدماء الغير. بين إعادة تموضع القوة الأمريكية، وصعود حروب المسيّرات، وتراجع فعالية المؤسسات الدولية، يصبح تحدّي العراق – كما يرى صادق عبد الله – هو: كيف يبني سياسة داخلية متماسكة تمنع تحويله إلى ساحة، وتجعله طرفاً فاعلاً في معادلات الأمن الإقليمي، لا مجرد مساحة تتقاطع فوقها الاستراتيجيات الكبرى القادمة من وراء البحار.

تقرير: محرر قسم الشؤون الدولية في بغداد اليوم

أهم الاخبار

محافظ أربيل: الصوت الذي يُسمع هو لطائرات التحالف الدولي لحماية ومراقبة المدينة

بغداد اليوم - أربيل طمأن محافظ أربيل أوميد خوشناو، اليوم الأربعاء ( 25 آذار 2026 )، المواطنين في المدينة، مؤكداً عدم وجود ما يستدعي القلق أو الخوف جراء الأصوات المسموعة في السماء. وأوضح المحافظ في بيان تلقته "بغداد اليوم"، أن "أصوات

اليوم, 01:14