بغداد اليوم – بغداد
في الوقت الذي تتواصل فيه مشاورات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة وسط تجاذبات داخلية حادّة، يتحرك ملف آخر في الخلفية لا يقلّ حساسية وخطورة، يتمثّل في التلويح الأمريكي باستخدام ورقة عائدات النفط وسلاح الدولار للضغط على الطبقة السياسية في بغداد.
تقارير صحفية غربية تحدّثت خلال الأسابيع الماضية عن اجتماعات متوترة عقدها مسؤولون أمريكيون مع قيادات عراقية بارزة، لوّحوا خلالها بـ"إجراءات عقابية" في حال مضت القوى السياسية نحو إشراك عناصر من الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران في التشكيلة الحكومية المقبلة. هذه التقارير سبقت، وأضاءت، تحذيرات صريحة أطلقها باحثون عراقيون من تداعيات هذه الرسائل على الاستقرار الاقتصادي والمالي في البلاد.
سلاح الدولار.. من رحلات الشحن إلى التهديد بقطع الإمدادات
منذ عام 2003، تُودَع عائدات النفط العراقي بالدولار في حساب خاص لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ثم تُنقل إلى العراق عبر شحنات نقدية وتحويلات مصرفية منظمة. هذه الآلية منحت واشنطن، عملياً، ورقة تأثير قوية على الدورة المالية العراقية، ظهرت ملامحها في أكثر من محطة، عندما جرى تضييق الخناق على بعض المصارف، أو تشديد التدقيق على مزاد العملة، أو تأخير جزء من التحويلات بحجة مكافحة غسل الأموال وتمويل الجهات المحظورة.
الجديد اليوم، بحسب ما تسرّب من تقارير غربية، أنّ هذه الورقة يجري التلويح بها بشكل أكثر مباشرة، من خلال الحديث عن:
-تقييد تدفّق النقد بالدولار المرتبط بعائدات النفط.
-فرض قيود مصرفية مشددة على عمليات التحويل والسحب.
-إعادة النظر في مستوى التعاون المالي مع الحكومة الجديدة، إذا اعتُبرت حكومة قائمة على حضور مباشر للفصائل المسلحة المقرّبة من طهران.
في بعض تلك التسريبات، وصف مسؤولون أمريكيون خيار تقييد الدولار بأنّه "الخيار النووي المالي"، في إشارة إلى أنّ استخدامه لن يكون بلا ثمن، لا على الحكومة العراقية ولا على الاستقرار الإقليمي، لكن مجرّد التلويح به يكفي لإيصال رسالة قاسية إلى صانع القرار في بغداد.
تحذيرات داخلية: تهديد لا يتوقف عند السياسة
في هذا السياق، حذر رئيس مركز الرفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، عباس الجبوري، اليوم السبت، في حديث لـ"بغداد اليوم"، من تداعيات خطيرة قد تواجهها الدولة العراقية، في حال مضت القوى السياسية باتجاه إشراك عناصر من الفصائل المسلحة الموالية لإيران ضمن التشكيلة الحكومية المقبلة، في ظل تهديدات أمريكية واضحة بقطع أو تقييد عائدات مبيعات النفط العراقي المودعة في الولايات المتحدة.
وقال الجبوري إنّ "هذا التهديد، إن تم تفعيله، لا يعد إجراءً رمزياً أو سياسياً فحسب، بل يمثّل أداة ضغط اقتصادية شديدة الخطورة، كون معظم إيرادات النفط العراقي تمر عبر النظام المالي الأمريكي، ما يجعل الاقتصاد الوطني عرضة لهزات قاسية قد تطال الرواتب، والمشاريع الخدمية، والاحتياطي النقدي، واستقرار سعر صرف الدينار".
وبيّن أنّ "الولايات المتحدة تنظر إلى مسألة إشراك الفصائل المسلحة في الحكومة من زاوية تتعلق بالأمن الإقليمي، والالتزام بمعايير الحوكمة، وأي خطوة تُفسَّر على أنها شرعنة للسلاح خارج إطار الدولة قد تدفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات مالية عقابية، سواء عبر تجميد الأرصدة أو فرض قيود مصرفية مشددة".
ما وراء الكواليس.. رسائل مشروطة وتسمية الأسماء
التقارير الخارجية التي تتقاطع مع تحذيرات الجبوري، تتحدث عن نمط جديد من الرسائل الأمريكية، أكثر تحديداً من السابق، يقوم على الربط بين أسماء معيّنة داخل البرلمان والفصائل المسلحة من جهة، وبين شكل التعامل المالي مع الحكومة المقبلة من جهة أخرى.
بحسب تلك المعطيات، فإنّ مسؤولين أمريكيين أبلغوا قادة عراقيين بأنّ:
-إشراك نواب وقيادات تعتبرهم واشنطن مرتبطين مباشرة بفصائل مسلحة موالية لإيران في مجلس الوزراء، سيؤدي إلى تقييد التعامل المالي بدرجات متفاوتة.
-هناك قائمة غير معلنة بأسماء شخصيات لا ترغب واشنطن برؤيتها في مواقع وزارية، خصوصاً في الحقائب السيادية والأمنية والمالية.
-انسحاب القوات الأمريكية من جزء كبير من الأراضي العراقية الاتحادية، مع بقائها في إقليم كردستان، لا يعني انتهاء النفوذ الأمريكي، بل تحوّله من نفوذ عسكري مباشر إلى نفوذ مالي وسياسي أكثر حدّة.
هذه الخلفيات تعيد إلى الأذهان تقارير سابقة تحدّثت عن غضب أمريكي من انتخاب شخصيات مقرّبة من الفصائل في مواقع قيادية داخل البرلمان، والضغط لاستبدال بعض الأسماء، مقابل تمرير تفاهمات أوسع حول شكل الحكومة المقبلة وخطّة التعامل مع ملف السلاح والفصائل.
بين شرعنة الفصائل وشرعية الدولة
الجدل لا يدور فقط حول مشاركة الفصائل في العملية السياسية، فهذا الأمر أصبح واقعاً منذ سنوات. النقطة الحساسة اليوم هي نقل هذا الحضور من البرلمان إلى قلب السلطة التنفيذية، عبر حقائب وزارية أو مواقع سيادية، بشكل يُقرأ دولياً على أنّه:
-دمج مباشر للسلاح غير المنضبط في بنية الحكومة.
-إضفاء شرعية سياسية كاملة على جماعات ما زالت، بالنسبة لواشنطن وعواصم أخرى، مرتبطة بقوائم عقوبات وتصنيفات "إرهاب" أو "تهديد للأمن الإقليمي".
في هذا السياق، يحذّر الجبوري من أنّ "العراق يقف اليوم أمام اختبار سيادي دقيق، يتمثّل في الموازنة بين متطلبات التوافقات السياسية الداخلية، وبين الالتزامات الدولية التي تفرضها طبيعة النظام المالي العالمي، وتجاهل هذا التوازن قد يضع البلاد في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، ويعيد سيناريوهات العزلة الاقتصادية والعقوبات غير المعلنة".
ويضيف أنّ "القضية لا تتعلق بمبدأ مشاركة هذه القوى من عدمها فقط، بل بمدى قدرة الدولة على أن تظهر أمام شركائها الدوليين كدولة مؤسسات تحتكر السلاح والقرار، لا كحكومة تتقاسمها مراكز قوى مسلّحة تحظى بشرعية رسمية".
شبح الحصار.. ذاكرة التسعينيات وحساسية الشارع
التلويح بتقييد عائدات النفط يعيد إلى الأذهان، بشكل شبه تلقائي، ذاكرة الحصار الشامل في تسعينيات القرن الماضي، حين كانت بغداد محاصرة مالياً وتجاريّاً، وتحوّل النفط إلى أداة تفاوض وعقاب في الوقت نفسه.
الفرق اليوم أنّ العراق ليس تحت قرارات أممية شاملة، لكنّه مربوط عملياً بمفاصل أساسية داخل النظام المالي العالمي، تجعل من أي تشديد في القيود على الدولار أو التحويلات النفطية أشبه بـ"حصار موضعي" يترك بصمته سريعاً على:
-قدرة الدولة على تسديد رواتب الموظفين والمتقاعدين في مواعيدها وبقيمتها الحقيقية.
-تمويل المشاريع الخدمية والبنى التحتية، التي تعتمد على الإنفاق الحكومي بالدرجة الأولى.
-سعر صرف الدينار في السوق، وما يرافقه من موجات غلاء تطال الغذاء والدواء والسلع الأساسية.
في ظلّ هذه الذاكرة الحساسة، يصبح أي حديث عن عقوبات اقتصادية أو تقييد لعائدات النفط مرعباً للمواطن العادي، حتى قبل أن تتضح التفاصيل التقنية، لأنّ التجربة السابقة ما زالت حاضرة في الوعي الجمعي، مرتبطة بندرة الدواء والغذاء وانهيار القدرة الشرائية.
من الإطار الداخلي إلى الضغط الخارجي.. حكومة على الحافة
على المستوى الداخلي، لا تستطيع أي حكومة جديدة أن تتشكّل من دون مراعاة توازنات القوى الفعلية على الأرض، بما في ذلك الفصائل المسلحة التي تمتلك نفوذاً سياسياً وشعبياً وسلاحاً. في المقابل، لا يمكن لتلك الحكومة أن تتجاهل حقيقة أنّ مصدر قوتها المالي الأساسي يمرّ عبر نظام تتحكم به الولايات المتحدة إلى حدّ بعيد.
هذا التناقض يخلق ما يشبه "المعادلة المستحيلة":
-قوى سياسية تريد ترجمة وزنها الميداني إلى مقاعد وزارية نافذة.
-ضغوط خارجية تربط شكل الحكومة بملف السلاح، وبهوية المشاركين في السلطة التنفيذية.
-شارع منهك اقتصادياً، لا يحتمل مغامرة جديدة بعائدات النفط أو سعر الدينار أو رواتب الموظفين.
ما الذي تقترحه القراءة الاستراتيجية؟
الجبوري يرى أنّ "الحل لا يكمن في التصعيد أو التحدي، بل في تبني نهج حكومي واضح يؤكد حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز استقلالية القرار السياسي، وطمأنة الشركاء الدوليين بأن الحكومة المقبلة ستكون قائمة على معايير الدولة والمؤسسات، لا منطق المحاور والولاءات الخارجية".
ويشير إلى أنّ ذلك يمكن أن يتحقق عبر:
-صياغة برنامج حكومي مكتوب يتضمّن التزاماً زمنياً ومعيارياً بتنظيم ملف السلاح وحصره بيد المؤسسات الرسمية.
-تنظيم العلاقة مع قوات الحشد والفصائل السابقة ضمن إطار قانوني واحد، يميز بوضوح بين مندمج في المؤسسة ومن يحتفظ بسلاح خارجها.
-إبعاد الشخصيات الأكثر إثارة للجدل أو تلك الموجودة على رادارات العقوبات عن الوزارات السيادية والمالية والأمنية.
-فتح حوار جدي مع الشركاء الدوليين يربط أيّ التزام عراقي واضح في ملف السلاح والحوكمة بضمانات صريحة بعدم المساس بعائدات النفط أو التدفقات المالية الأساسية.
من يدفع الثمن في حال انفجرت الأزمة المالية؟
في حال ذهبت الأمور إلى أقصى درجات التصعيد، وتم تفعيل جزء من التهديدات المتداولة، فإنّ أول من سيدفع الثمن لن تكون الكتل السياسية أو قيادات الفصائل، بل المواطن العراقي العادي، الذي قد يجد نفسه خلال أشهر قليلة أمام:
-رواتب متأخرة أو منقوصة.
-خدمات متراجعة بسبب توقف المشاريع أو تقليص الإنفاق.
-موجات غلاء جديدة تلتهم ما تبقى من القدرة الشرائية.
يختم الجبوري بالقول إنّ "أي مساس بعائدات النفط، التي تمثل أكثر من 90% من موارد الدولة، سيحمل المواطن العراقي الكلفة الأكبر، فعلى القوى السياسية تغليب المصلحة الوطنية، وإدراك أن الاستقرار الاقتصادي لا ينفصل عن الاستقرار السياسي والأمني".
بين التلويح الأمريكي بسلاح عائدات النفط وسعي بعض القوى إلى توسيع حضور الفصائل داخل مؤسسات الدولة، يبدو العراق مقبلاً على لحظة مفصلية: إمّا ترسيخ معادلة دولة قادرة على طمأنة الداخل والخارج معاً، أو المخاطرة بدخول مرحلة جديدة يكون فيها النفط نفسه جزءاً من معركة نفوذ، بدل أن يكون رافعة لاستقرار البلد ومستقبل مواطنيه.
تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
بغداد اليوم- بغداد عقدت رئاسة مجلس النواب، اليوم الأحد، ( 29 اذار 2026 )، لمناقشة جملةٍ من الملفات المرتبطة بسير العمل التشريعي خلال المرحلة المقبلة. وأكدت رئاسة المجلس بحسب بيان للدائرة الإعلامية البرلمانية، تلقته "بغداد اليوم"، "أهميةَ